أفق العلاقة بين حركة «حماس» وحكومة التوافق التي ألفها رئيس السلطة، محمود عباس، وصلت إلى الجدار المسدود. لم تكن حرب غزة وما تلاها من دمار وعرقلة لملف الإعمار، هي التي أزمت الموقف، وإن كان ظاهرا في محاضر الاجتماعات التي أخرجتها «حماس» بينها وبين وزراء من الحكومة، مدى تأذي رام الله من أسر وقتل المستوطنين الثلاثة في الخليل قبل أشهر.


فالأزمة ولدت منذ تأخر تأليف الحكومة لشهرين بعد «اتفاق الشاطئ» الذي عقد في نهاية نيسان الماضي، وبدأت اليوم معالم الاتفاق تتكشف بعدما كانت بنوده الغامضة محل جدل بين الطرفين، «فتح» و«حماس».
الفتيل الذي أشعل المواجهة الكلامية كان بيان «التوافق» يوم أمس، إذ أكدت أن هناك لبسا كبيرا لفّ نتائج زيارة وفد الوزراء ورؤساء المؤسسات الحكومية إلى غزة. وقال البيان إنه، وفقا لتوجيهات «سيادة الرئيس (محمود عباس)»، لا بد من تمكين الحكومة في القطاع حتى تقدم خدماتها، مؤكدة أن بسط سيطرتها على غزة هو الشرط الأساسي لتفعيل مهماتها ومعالجة مشكلات الانقسام، لكن طبقا لخططها لإمكاناتها.
وأوضحت «التوافق» أنه يجب تمكين الموظفين المعيّنين ما قبل 14/6/2007 (موظفي رام الله) من العودة إلى وظائفهم التي كانوا يشغلونها قبل الانقسام، فيما أنهم سيمهلون أربعة أسابيع للعودة إلى عملهم، وإلا فسيفقدون وظائفهم. أما عن موظفي غزة، فإنه سيجري ملء الشواغر الناتجة من رفض بعض موظفي رام الله العودة، أو ميلهم التقاعد، أو وفاتهم، بالموظفين الذين عينتهم «حماس» بعد التاريخ المذكور. أما من لن تسعهم الشواغر، فستسعى الحكومة إلى إيجاد «حلول إبداعية» لهم كمنحهم مكافآت نهاية خدمة وفقا لقانون العمل، أو إدراجهم ضمن الأولويات في الحصول على تمويل المشاريع الصغيرة ومساعدات الدول المانحة، وبعبارة أخرى: طردهم من عملهم مع محاولة توفير «دخل معقول» لهم.

زاد على الأزمة «اعتداء
الأمن الداخلي» على قياديين
من «فتح»

وبقيت مشكلة الرتب كوكلاء الوزارات والمديرين عالقة تماما كمشكلة تسليم المعابر «من دون منازع ولا شراكة مع أحد» شرطا صريحا لإتمام إعمار غزة. أيضا ظلت الإشكالية الكبرى في تركيبة القوى الأمنية وعقيدتها، سواء التي أنشأتها «حماس» أو الباقية من عهد «فتح»، لذلك عُلقت/ في البيان، على «تفاهمات اتفاق القاهرة».
سرعان ما ردت «حماس» على البيان واصفة إياه بأنه «انقلاب على اتفاق المصالحة ويمثل انقلابًا عليه». وقالت في بيان أمس: «صبرنا كثيرًا على هذه الحكومة لكنها لا تزال تتلذذ على عذابات غزة، وعليها ألا تختبر صبرنا طويلاً». ومباشرة أخرج القيادي في «حماس»، موسى أبو مرزوق، محضري اجتماع مع وزراء ومسؤولين في «التوافق»، منهم وزير العمل مأمون أبو شهلا، والأشغال العامة مفيد الحساينة، فضلا عن المتحدث باسم الحكومة إيهاب بسيسو، ليؤكد فيه نقلهم «رسالة إيجابية مفادها تعهد رئيس الحكومة، رامي الحمدالله، حل كل مشكلات غزة خلال أربعة أسابيع». وأكد أبو مرزوق أن الحلول تضمنت «الأمان الوظيفي لجميع الموظفين دون أي استثناء، واستلام المعابر، ومعالجة مشكلة الكهرباء، والتواصل مع الأجهزة الأمنية، إضافة إلى صرف موازنات تشغيلية للوزارات»، كما أكد أنه اتصل خلال الاجتماع الثاني بالحمدالله، الذي وعده بالقدوم إلى غزة الأسبوع المقبل لحل الإشكالات كلها.
كذلك وصف أبو مرزوق بيان «حكومة عباس بفقدان الصدقية والمسؤولية»، وأنه «انقلاب واضح على المصالحة ‏الفلسطينية وإنهاء ‏الانقسام». وكي يؤكد البنود التي أعلنها قبل أيام، نشر القيادي الحمساوي محضري اجتماع الأول في الحادي والثلاثين من كانون الأول الماضي، والثاني في السادس من هذا الشهر. يظهر في الاجتماعين أن حدة الخلاف يعزوها الطرفان إلى تراكم التصريحات الإعلامية المتبادلة طوال الأشهر الماضية، لكنهما يكشفان جزءا كبيرا من البنود التي كان مكتوما عليها، فضلا عن أنه يظهر أنه حذفت فقرات من المحضر قبل عرضه إعلاميا، وخاصة أن بعض القضايا غير مترابطة وليست خلاصة أربع ساعات من الاجتماع، إذ يأخذ مسؤولو «التوافق» على «حماس» الإجراءات الأمنية «المغلظة» التي جرى التعامل بها معهم في غزة خلال الزيارة، مقابل أن قادة «حماس» كانوا يسألون عن مصير الموظفين والرواتب في ظل «الاتفاق مع السويسريين على دفع 30 مليون دولار جرى استبدالها بمنحة قطرية»، وفيما قالت الحكومة إن «حماس» تركت نصف مليار هي ديون حكومتها السابقة، ردت الأخيرة بالقول إن «فتح» تركت ملياري دولار ضمن الديون عام 2006.
خلال الاجتماعين، حمل كل طرف الآخر مسؤولية أزمة الكهرباء، في وقت أعلن فيه رئيس سلطة الطاقة، عمر كتانة، أن حكومة التوافق قررت إعفاء وقود محطة كهرباء غزة من الضريبة على الوقود الصناعي الذي يدخل القطاع لمدة أسبوع «رغم ما لذلك من نتائج مالية كبيرة على الحكومة»، لكن «حماس» قالت إن تركيا مستعدة للمساهمة في حل المشكلة، مبدية اهتماما كبيرا بمعرفة نتائج زيارة «التوافق» إلى السعودية على اعتبار أن «تأليف أي لجنة سعودية للإعمار من المتوقع أن تسهل مصر عملها مباشرة».
وكانت حركة «فتح» قد استنكرت ما قالت إنها جريمة «ارتكبتها أجهزة حماس بحق قيادات فتحاوية في غزة، منها أمين سر إقليم شرق غزة نهرو الحداد، وأمين السر في غرب غزة زياد مطر». وقالت «فتح» في بيان إن جهاز الأمن الداخلي التابع لـ«حماس» خطف قيادييها بعدما دهم بيوتهم، ثم أهانهم وجردهم من ملابسهم وتركهم في العراء تحت المطر لما يزيد على ست ساعات». «الأخبار» حاولت التواصل مع عدد ممن جرى تداول أسمائهم في هذه القضية لكنهم إما رفضوا التحدث «خوفا على أنفسهم»، أو أغلقوا هواتفهم المحمولة.