الجزائر | تنطلق اليوم جلسات الحوار الليبي التي دعا إليها مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، برنادينو ليون، لبحث خارطة الطريق بين الفرقاء الليبيين المتخاصمين لتسوية الأزمة الليبية التي «تتمحور حول ثلاث نقاط».

وعلمت «الأخبار»، من مصادر ليبية رفيعة، أن رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، ولجنة الحوار، ومستشاري الرئيس، اتفقوا خلال اجتماعهم مع ليون، في مقر مجلس النواب في طبرق، على أن تكون الجلسات المقبلة من الحوار خارج ليبيا.

وأشار مصدر مطلع لـ«الأخبار» إلى أن الأطراف المجتمعة حدّدت 5 أو 10 كانون الثاني 2015 لانطلاق جلسات الحوار، غير أنه، وبعد توسيع المشاورات، تمّ الاتفاق على يوم الاثنين 5 كانون الثاني الحالي، واقترحت الأطراف أن يكون انطلاق الحوار من إحدى الدول الآتية: الجزائر، مالطا، سويسرا، وتونس، مبرزاً أنه تمّ الاتفاق بخصوص المشاركين في الحوار المقبل، بعدما استثنوا الأطراف الإرهابية والمتطرفة، ما يعني أن رئيس «حزب الوطن» عبد الحكيم بلحاج، وعلي الصلابي، الشخصية الدينية، ورئيس حزب «العدالة والبناء الاخواني» محمد صوان، ورئيس البرلمان المنتهية ولايته نوري بو سهمين، إضافة إلى شخصيات من التيارات الديموقراطية والعلمانية، ومن القبائل والطوارق، والحكومة والبرلمان، ومن النظام السابق، ومؤسسات المجتمع المدني، سيجلسون إلى طاولة الحوار، بعيداً عن اللواء خليفة حفتر، قائد حملة «الكرامة».
وفي السياق، كشف مصدر دبلوماسي جزائري لـ«الأخبار» أن الجزائر استطاعت أن تقنع قيادات من «فجر ليبيا» بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار، وأشار المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه إلى أن محمد الصلابي قام بوساطة كبيرة، ولا يزال، بين الأطراف الليبية، بهدف إقناعها بضرورة الحوار، وذلك بتكليف من الجزائر. وأضاف أن «ترحيب «فجر ليبيا» بالحوار نقطة فاصلة باتجاه الطريق الصحيح»، غير أن مصادر سياسية ليبية أوضحت لـ«الأخبار» أن اجتماع قيادات من «الإخوان» و«فجر ليبيا» في سويسرا، برعاية مؤسسة «بن جلون» المغربية، يطرح التساؤل حول خلفيات اللقاء، وأيضاً حول مدى صدقية «الإخوان» و«فجر ليبيا» في قبول الحوار، خاصة أنه تم الاتفاق على تكوين مجلس يضم مندوبين عن كتائب «ثوار ليبيا»، المشاركين في عملية «فجر ليبيا» في طرابلس وبنغازي، يكون بمثابة المجلس العسكري لثوار الجبهات، وأيضاً تأسيس مجلس سياسي، أعضاؤه رؤساء المجالس المحلية في المناطق التي لم تجر انتخابات بلدية، والمؤيدة لعملية «فجر ليبيا»، وكذلك تأسيس مجلس رئاسي من 7 أعضاء.
وكان وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، أكد في تصريحات صحافية سابقة أن إعداد الحوار الليبي ـ الليبي حساس ودقيق، موضحاً أن الدور الذي تلعبه الجزائر لإطلاقه هو دور «المسهل» بين الفرقاء الليبيين، وشدد على أن القرارات الخاصة بإعداد الحوار بين الفرقاء الليبيين تستدعي بناء توافق ليبي ـ ليبي حولها، ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يأتي بالحلول في غياب الليبيين أو باستثنائهم.
وتعقيباً على تطوّر الأحداث، أوضح الخبير الأمني الجزائري، علي زاوي، لـ«الأخبار»، أن مبادرة الجزائر لحل الأزمة في ليبيا عبر الحوار بين مختلف الأطراف الليبية باتت مستحيلة، وأشار إلى أن التدهور الأمني، وتوسّع دائرة الاشتباكات، يجعلان تحقيق مبادرة الجزائر السلميّة في غاية الصعوبة.
ويرى المراقبون أنّ إشكالية الوضع الليبي هي سياسية بالأساس، بسبب غياب حكومة قوية ومتجانسة، ووقوف الكثير من السياسيين خلف الميليشيات واعتمادهم على ثقل كتائبهم في الشارع، دون إعطاء أهمية للأفكار والبرامج السياسية في إقناع المواطن الليبي واستقطابه، ما جعل السلاح لغة مختلف الأطراف لفرض الأمر الواقع ميدانياً، قبل التفكير في الحوار الذي تكثّفت المساعي الدولية لاعتماده، احتواءً للاقتتال الدائر في البلاد، حيث دعا بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، الأطراف المتناحرة في ليبيا إلى وقف فوري لإطلاق النيران، مؤكداً أنه لا بديل من الحوار السياسي للوصول إلى حلّ وتسوية للأزمة في ليبيا، مبرزاً أهمية المبادرة الجزائرية في تسوية الأزمة، من خلال الحوار الذي يجب أن يشمل كلّ الأطراف الليبية من دون استثناء.
وزيرة الصحة الليبية السابقة، فاطمة الحمروش، تشدد على ضرورة توحيد المبادرات لحل الأزمة الليبية «تحت مظلة واحدة في مبادرة جامعة، تضمّ كلّ المستهدفين في كلّ مبادرة، ليكون العمل كاملاً وجامعاً». وأوضحت، رداً على سؤال «الأخبار» بخصوص الأسباب التي أفشلت المبادرات السابقة وتعرقل الحالية، أنها عديدة وأهمّها «أن بعض من يقودون هذه المبادرات يسعون لتحقيق مكسب سياسي من خلالها، حيث إنهم يتخذونها واجهة فقط لتحقيق هدف غير الحوار، ما يضعف قوة المبادرة». وأردفت الحمروش «إن الذين يعرقلون الاستقرار في ليبيا هم المجرمون من خريجي السجون، سواء كانت الجنائية أو السياسية، ومن ارتكبوا جرائم في حق الشعب الليبي سواء قبل شباط 2011 أو بعدها، إضافة إلى أصحاب الأجندات الخارجية، كـ«الإخوان المسلمين» أو «أنصار الشريعة»، رغم تظاهرهم بالدعوة إلى السلم، إلا أن السلم الذي يدعون إليه محدد بشروطهم التي تقصي الكثيرين من مواطني ليبيا الذين لا يتفقون معهم في منهجهم».
ورغم أن مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، برنادينو ليون، الذي نظّم أولى جلسات الحوار في مدينة غدامس، فشل لعدّة أسباب، أهمّها أن الفاعلين الحقيقيين لم يشاركوا في الجلسة، من جهة، ومن جهة أخرى أن الجزائر، التي تقوم بمساعي لاحتواء أطراف الأزمة، عبر محاولات تقريب وجهات النظر، تقوم بدعوة كلّ الفعاليات الليبية بشكل فردي، وأحياناً سري، لزيارة الجزائر، إلا أن انحصار المبادرات بين الجزائر والأمم المتحدة يعيد لليبيين الأمل في إنهاء المأساة التي يعيشونها.

نجحت الجزائر في إقناع قيادات من «فجر ليبيا» بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار

لكن ما المطلوب من أطراف النزاع؟ سؤال طرحته «الأخبار» على الوزيرة السابقة فاطمة الحمروش، التي أوضحت أن «على الجميع تحكيم العقل ووضع الوطن فوق كل اعتبار، والسعي بجدية إلى لمّ الشمل، عبر تغليب المصلحة العامة على الخاصة، لأن ما يحدث هو فتنة كبرى، واستمرار القتال هو الاستمرار في تحقيق أهداف المؤامرة ليس إلا»، وقالت «إن في كل قرية ومدينة وقبيلة، حكماء وقيادات يمكنهم فرض الحق وتلبية نداء الواجب، لأجل حاضر واعد بمستقبل أفضل».
من المعلوم أنه يصعب الوصول إلى توافق في ظلّ انتشار السلاح ووجوده في أيدي كلّ الليبيين، من المسالمين إلى المتقاتلين، الأمر الذي أكّده خالد بورنين، القيادي في حزب «تحالف القوى الديموقراطية الوطنية» بزعامة رئيس الحكومة الأسبق محمود جبريل، إذ قال لـ«الأخبار» إن «الحوار في ليبيا لا يمكن أن ينجح بوجود السلاح بين أيدي الفرقاء»، مبدياً تخوّفه من التدخل الدولي على الأرض، بعد ارتفاع أصوات الداعين من أفريقيا ودول الجوار والغرب، وتابع «الأمور غامضة، وهناك أطراف خارجية لا تريد استقرار ليبيا، لأنه ليس في صالحها، على العكس من الجزائر وبعض الدول التي تسعى لحلّ سلمي».
وفي ردّه على تساؤل حول الدول التي يتهمونها بتعقيد الوضع، يشير بورنين، صراحةً، إلى دول الخليج وتركيا، بمباركة أميركية بريطانية فرنسية. ويتابع، بخصوص دور حزبه في إنهاء الصراع، «إن التحالف كانت له مبادرة لحلّ الأزمة في 2013، لكن حاربها «الإخوان» و«المقاتلة» وأفشلوها، لذا فإنه لا حوار مع من يرفض الحوار»، وتابع «إن ما يحدث حالياً هو صراع جهوي أيديولوجي، فقد اختارت بعض القبائل، كمصراتة وقبائل الشرق، مصالحها مع الإسلام السياسي، فيما راحت الزنتان وبعض مناطق الجنوب مع الخيار الديموقراطي»، مشيراً إلى أن قوات اللواء خليفة حفتر، وميليشيات «فجر ليبيا»، هي من تقود الحرب الأيديولوجية الجهوية.
من ناحية أخرى، يقول القيادي في حزب «تحالف القوى الديموقراطية» إنّه لا أثر لأي مبادرة على المستوى السياسي إطلاقاً، موضحاً أن المبادرات كثيرة، لكن المجتمع الدولي خلط الأوراق باعترافه بحكم المحكمة العليا، وببعض الممارسات المشبوهة. وأردف، حول مبادرة الجزائر، «إن هذه الأخيرة غامضة لأنها تتعامل مع أطراف فاقدي الشرعية، مثل رئيس المؤتمر الوطني المنتهية عهدته، نوري بوسهمين، وغيره ممن يلتقي بهم المسؤولون الجزائريون في إطار لمّ الشمل، وفق ما يروّج له، ونحن نطالب بأن يكون الحوار بين كلّ من هو خارج دائرة المجرمين والقتلة، الذين أشعلوا الحرب في طرابلس وقتلوا الليبيين، وأحرقوا المدن والقرى، من أمراء الكتائب والميليشيات».
وخلص إلى القول إن أيّ مبادرة لا تقصي أي طرف، إلا من أجرم، «نحن معاها»، والأمل في جهود الخيرين وأصحاب النيات الصادقة.
من جهته، رأى مدير «مركز الدراسات والأبحاث في العالم العربي» في جنيف، حسني عبيدي، أن «ليبيا تعاني من صراعات ضخمة حول النفوذ وتقسيم الموارد، لا سيما النفط، وفي الوقت نفسه هي ضحية صراعات لأطراف أجنبية». وقال عبيدي في حديث إلى «الأخبار» إن «المرء يرى اليوم بوضوح كيف أثرت خلافات النفوذ بين مصر وبعض دول الخليج وكذلك دول أوروبية، على الصراعات الداخلية الليبية وأدّت إلى تأجيجها».






اجتماع طارئ للجامعة العربية لبحث الأوضاع في ليبيا

تعقد جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً اليوم على مستوى المندوبين لبحث مواجهة «الإرهاب» في ليبيا.
وأوضح نائب الأمين العام للجامعة، أحمد بن حلي، للصحافيين، أن الاجتماع «سيخصص لتدارس التطورات الخطيرة التي تشهدها ليبيا وتصاعد وتيرة العنف والأعمال الإرهابية التي لم تعد تقتصر على استهداف المواطنين أو المقيمين بل طالت أيضاً المرافق الاقتصادية الحيوية التي تمثل ثروة الشعب ومقدراته وخزانات النفط».
وأضاف بن حلي أن الأمين العام للجامعة نبيل العربي سيعرض خلال الاجتماع «تقريراً حول تطورات الأوضاع في ليبيا والمساعي التي يقوم بها مبعوثه الخاص إلى هذا البلد ناصر القدوة».
وأوضح مكتب الأمين العام للجامعة العربية أن الاجتماع يعقد بناءً على طلب تقدمت به الحكومة المعترف بها دولياً وعربياً وأيّدته مصر والإمارات العربية المتحدة.
(أ ف ب)