حسابات محليّة وإقليميّة أخمدت ألسنة اللهب وتركت الجمر مستعراً


جمانة فرحات
هل كانت الجولة الأخيرة؟ هل سيصمد وقف إطلاق النار؟ متى موعد الجولة المقبلة؟ أسئلة كثيرة تتردد بعد مرور سبعة أيام على إعلان السلطات اليمنية والحوثيين وقف إطلاق النار في محافظة صعدة ومحيطها، عقب ستة أشهر من القتال.
أيام قليلة، يبدو أنها استطاعت أن تضع حداً للجولة السادسة من الحرب، التي اعتاد اليمنيون معايشة فصولها المتكررة منذ ست سنوات، من دون أن يغادر شبح عودتها.
وجاء إعلان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وقف العمليات العسكرية، على وقع اشتداد المطالب الانفصالية في الجنوب واسترجاع تنظيم القاعدة في البلاد لسطوته، ما جعل البعض يتحدث عن وقف تكتيكي للحرب يسعى من خلاله صالح إلى تحقيق هدفين:
الأول خارجي مرتبط بمحاولة الظهور بمظهر المتجاوب مع المطالب الغربية برفع درجة الملاحقات الموجهة إلى عناصر «القاعدة»، سعياً وراء المزيد من المساعدات المالية لبلاده، ولا سيما أن السعودية ستشهد أواخر الشهر الحالي انعقاد اجتماع متابعة لمؤتمر لندن، سيحدد خلاله حجم هذه المساعدات ووجهة إنفاقها.
وهي مساعدات يدرك النظام اليمني أن شروط الحصول عليها باتت أكثر صعوبة وتتطلب التزاماً بمعالجة المشاكل التي تتخطّى مجرد وجود تنظيم «القاعدة»، لتطال مختلف الأزمات التي تتوزع بين أزمات سياسية وأخرى اجتماعية واقتصادية.
واستطراداً، فإن الهدف الثاني، الأكثر أهمية، داخلي، يتوزع على الجبهتين الشمالية والجنوبية. فمن جهة يرغب الرئيس اليمني في حالة الوقف المؤقت للحرب مع الحوثيين، وذلك بعدما استطاع، من خلال التدخل السعودي المباشر، أن يضع الحوثيين بين كماشة جيشي البلدين، موجهاً ضربة موجعة إلى أنصار عبد الملك الحوثي، وإن لم تستطع القضاء عليهم.
ضربة استدعت في الوقت نفسه استنفاراً للجيش اليمني، ولذلك فإن استراحة المحارب باتت مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً في ظل تعدد المهمات التي باتت ملقاة على عاتقه في مختلف أنحاء البلاد.
كذلك فإن الرئيس اليمني بات في الآونة الأخيرة أكثر ميلاً للموافقة على وقف إطلاق النار للالتفات إلى المشكلة الجنوبية. فالشطر الجنوبي للبلاد يشهد منذ العام الماضي، على نحو متصاعد، مطالب انفصالية باتت تتخذ مع مرور الأيام طابع المواجهة المسلّحة، و«انتفاضة حجارة» أُعلن الاستعداد لإطلاقها السبت المقبل.
وبعد أن أسهم القتال في الجبهة الشمالية في تراجع المسألة الجنوبية، من المرجّح أنها ستتصدر قائمة الأولويات جنباً إلى جنب مع ملاحقة قيادات تنظيم «القاعدة» الذي استطاع أن يحوّل اليمن إلى أخطر مراكزه خارج أفغانستان. وإن كانت الدلالات الداخلية للحرب مع الحوثيين وطريقة توقفها هما الطاغيتان، فإن ذلك لم يمنع وجود دلالات خارجية، إقليمية الطابع.
فالجولة السادسة تخللتها رسائل إقليمية على خط الرياض ـــــ طهران. والسعودية، التي انخرطت للمرة الأولى في المعارك مباشرة عبر قصف متواصل للحوثيين امتد ثلاثة أشهر، كانت واضحة لجهة عدم استعدادها للتهاون مع أي مجموعة تحاول أن تكون شوكة في خاصرتها، ولا سيما أن هذه الشوكة تلاحقها تهمة التبعية لإيران، ما يفسّر إصرار الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز على استمرار مرابطة قواته على الحدود مع اليمن، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
في المقابل، لخّص الموقف الإيراني الهادئ في معظم الأحيان تجاه ما يتعرّض له الحوثيون، عدم رغبة طهران في مواجهة مباشرة مع الرياض في المرحلة الراهنة، والاكتفاء فقط بمناوشتها.
مناوشة خرجت منها إيران خاسرة سياسياً إلى حد كبير. فالحوثيون تكبّدوا خسائر بشرية جسيمة، دفعتهم على مدى الأسابيع القليلة إلى طرح المبادرة تلو الأخرى، سعياً وراء وقفٍ لإطلاق النار، بعدما أيقنوا أن رهاناتهم الخارجية لا تستطيع أن تحميهم في المرحلة الراهنة، ما سمح للسلطة اليمنية، ومن خلفها السعودية، بتحقيق انتصار سياسي عبر فرضها لشروطها الستة التي مهّدت للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدّمها تعهّد الحوثيين بعدم التعرّض لأراضي المملكة.
شروط ستة شددت على أهمية فتح الطرقات وإزالة الألغام وعدم التدخل في شؤون السلطة المحلية والالتزام بالدستور، من دون أن تتطرق إلى الجذور الحقيقية للمشكلة مع الحوثيين، التي كانت فيها المطالب الاجتماعية أكثر بروزاً. فمعدلات الفقر والبطالة المرتفعة، والشعور بالغبن والتهميش والإقصاء لطالما كانت محركاً أساسياً للحرب من وجهة نظر الحوثيين.
وفي ظل هذه المعطيات، التي تساندها خمسة اتفاقات سابقة أثبتت عجزها عن وضع حد نهائي لمشكلة الحوثيين، تبرز الخشية من تجدد الحرب في جولة سابعة.
خشية يعزّزها ما خرج به بيان زعيم المقاتلين عبد الملك الحوثي، الذي اتهم تجار الحروب بالوقوف وراء محاولة اغتيال وكيل وزارة الداخلية محمد القوسي بعد ساعات فقط من سريان مفعول وقف إطلاق النار، ووسط حديث عن تصفية النظام لبعض الحسابات السياسية على خلفية حرب صعدة.
تصفيات أطاحت محافظ صعدة، حسن محمد مناع، بعد أقل من أسبوعين على اعتقال شقيقه فارس منّاع بتهمة الاتجار بالسلاح، على الرغم من أن صالح كان يأتمن الأخوين منّاع على إدارة عملية الوساطة مع الحوثيين.
كذلك عززت الانتقادات التي وجّهها نجل شقيق صالح، العميد يحيى محمد عبد الله صالح، للشروط الستة التي لم تحسم الحرب في رأيه، إمكان اندلاع حرب سابعة.