باتت الأمور واضحة في عيون فلسطينيّي الـ48 وعقولهم بعد خطف الناشطين أمير مخول وعمر سعيد بزعم التجسس لحزب الله: دولة الاحتلال قرّرت التصعيد ضدهما، واتباع أساليب جديدة تضيفها على سجلّها. إنها قصة قديمة بأدوات جديدة. وهنا تروي زوجتا أمير وعمر قصّة «بطلا» القضية، مع علم الجميع بأنّ أي فلسطيني قد يصبح، وفي أي لحظة، عمر أو أمير جديداً


حيفا ــ فراس خطيب
بعد السماح الجزئي بالنشر حول قضية اعتقال الناشطين السياسيين أمير مخول والدكتور عمر سعيد، يرى فلسطينيو الـ48 أنّ ملاحقتهم مستمرة، وأنّ القضية لا تقتصر على المعتقلَين الجديدَين. تتحدث كل من جنان عبده ـــ مخول، زوجة أمير، وإنعام سعيد، زوجة عمر، عن عدالة قضيتهما وثبات الموقف، وعن الحياة الجديدة ما بعد الاعتقال. في المقابل، يروّج الإعلام الإسرائيلي تحريضاً على شاكلة «حذّرناكم»، واصفاً ما يجري بأنه «ظاهرة بشارة للآتي الأعظم».
واعتقال أمير مخول وعمر سعيد، قصة أثارت سخط فلسطينيي الـ48. فمَن شارك في التظاهرة الاحتجاجية، أول من أمس، واطّلع عن كثب على مجريات القضية، يدرك بأنّ الجماهير الفلسطينية تعيش أجواء ملاحقة مستمرة لقياديّي الداخل. ومن يحدّق أكثر في كيفية الاعتقال، وأساليب منع النشر، والشبهات التي أزيل حظر النشر عنها، وهي «الاتصال بعميل أجنبي تابع لحزب الله»، و«التجسس الخطير»، إضافة إلى منع التقاء المعتقلَين بمحاميهما، يشعر بأنّ تصعيداً (جديداً) يحوم في الأفق. إنها قضية قديمة، بحلة جديدة.
القضية سياسية بامتياز. ومن وراء «الانفجار الإعلامي»، تجري أحداث قصة، هي عميقة أيضاً، لها ملامح وتفاصيل، وقد تكون بعيدة عن المشهد، لكنّها جزء مركزي منها. تفاصيل يقف في مركزها المعتقل الملاحق نفسه، لكنّها تجري بعيدة عنه، حيث ينقسم فيها العالم فجأة إلى جزءين: واحد يعيشه المعتقل في غرف التحقيق وزنزانة الاعتقال، وآخر يحياه أهله في عالم مليء بالتخمينات، يختلط فيه التضامن الواسع، مع الخوف من الآتي.
الناشطة والباحثة جنان عبده ـــ مخول، زوجة أمير (مدير حركة «اتجاه» ورئيس لجنة الدفاع عن الحريات)، تعيش، منذ اعتقال زوجها، في فجر السادس من أيار الجاري، ومنعه من لقاء محاميه، حدثاً شخصياً وجماهيرياً في آن. هي تعرف جيّداً أنها «ملاحقة سياسية، لأنه ليس لدى أمير ما يخفيه». لكن هذا لا يمنع من أنها تعيش أياماً قاسية بسبب القضية.
تقول جنان إنّ أمير بالنسبة إليها وإلى أبناء بيتها بمثابة مخطوف، بما أنّ «الأسلوب الذي اتُّبع لاختطافه في ساعات الفجر (فجر الخميس الماضي)، بهذا الشكل الإرهابي ومنعه من لقاء محاميه حتى هذه اللحظة، أمر مقلق على الصعيدين الشخصي والجماهيري». وتشدّد على أنّ «أمير، بطبيعة الحال، في موقع قيادي. إنه مدير «اتجاه»، (اتحاد الجمعيات العربية الأهلية)، ورئيس لجنة الحريات (المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا). تبدو جنان واثقة: «الصوت الذي يطلقه أمير، والذي يكشف عنصرية إسرائيل، يضايقهم». وعن طبيعة عمل زوجها «المخطوف»، تذكّر بأنه «تحدث عن حالات الإرهاب والاعتقالات والملاحقات السياسية في دولة الاحتلال، ما أدى إلى اعتقاله هو أيضاً في النهاية». وتتّخذ سخريتها من تهمة التجسس، طابع التساؤل: «ماذا يعرف الفلسطينيون في الداخل عن أسرار الدولة أصلاً كي يتجسسوا عليها؟». تساؤل لا تلبث أن تجيب عنه: «يريدون أن يبعثوا رسالة للناس. إنها سياسة الحكم العسكري في إسرائيل والسلطات تجدد أساليبها بانتظام».
منذ الاعتقال، تغيّرت الحياة بالنسبة إلى عائلة مخول رأساً على عقب. فمنذ الخميس الماضي، استجدّت تفاصيل على أهل المنزل وقلبت روتينهم اليومي، والحديث يبقى لرب المنزل الجديد، جنان: «أنا بطبيعة الحال مشغولة بالموضوع على نحو مكثّف. القلق دائم، وخصوصاً أنني لا أؤمن بعدالة القضاء الإسرائيلي، وهذا ما يجعل الأمور مقلقة أكثر».
وحين تسألها عن أثر الاختطاف على أجواء منزلها، تقول «كانت ابنتي الصغرى تشاهد نشرة الأخبار، وطلبت مني أن أطفئ التلفاز. قالت إنّها لم تعد قادرة على أن تسمع، فمن خلال ما يُنشَر، تشعر بأنّ والدها سيعتقل لفترة طويلة، وهذا يضايقها جداً».
أكثر من ذلك، فإنّ شرطة الاحتلال صادرت هواتف العائلة، بما في ذلك هاتفي الابنتين هند وهدى، «لكن، رغم ذلك، فإنهما تتصلان يومياً به، مع علمهما بأن هاتفه ليس بحوزته، لكنّهما تتركان له رسالة صوتية: نحن نحبك».
من يعرف جنان، التي تعمل في مركز أبحاث «مدى الكرمل» في حيفا، يشعر بأنّ قوةً انتابتها رغم صعوبة الحدث. وعن تلك القوة تقول «لديّ قوّة لا أعرف أحياناً من أين تأتيني. أستمدّها من إيماني بعدالة قضية أمير ومن الدعم الجماهيري والشعبي الذي نحظى به. فالقضية اليوم لم تعد شخصية، وكلنا في خطر، ما دام الأمن الداخلي (الشاباك) مسيطراً على الدولة».
قد لا يهتم المرء كثيراً بالتفاصيل، لكنها غالباً ما تكون شديدة الأهمية. ففي اليوم الذي نظمت فيه التظاهرة الاحتجاجية والتضامنية مع مخول وسعيد، صادف عيد مولد هدى (13 عاماً)، ابنة أمير: «سبق أن خططنا بأن نحتفل معاً بالمناسبة. أنا أعرف أن أمير يفكر بها. الأمور محزنة، فما حصل للبنات على وجه الخصوص، نتيجة الاعتقال البشع، علّمهما درساً قاسياً. إنهما غاضبتان وحاقدتان على ما جرى من اعتقال تعسفي وهمجي، ولا يمكن إقناعهما الآن بما هو مغاير».
تنتقل جنان للحديث عن شخصية زوجها؛ «يشارك بكل الأدوار المنزلية. يقضي وقتاً طويلاً وهو يعمل. يحب الكتابة والقراءة، ويكتب عن البعد الإقليمي والعربي للصراع، وهذا أمر يهمّه». وعن بدايات علاقتهما، تكشف أنهما التقيا قبل 20 عاماً، حين كانت جنان ناشطة في جامعة حيفا، بينما كان هو رئيساً للاتحاد القُطري للطلاب الجامعيين. ثمّ تركِّز في حديثها على تاريخ مركزي في نضال أمير: عام 1994، كتبَ عريضة ضد قتل النساء بموجب «شرف العائلة». أمر طبيعي بما أنه «يؤمن بحرية المرأة وحقوق الإنسان. إنه انسان يحب محيطه وطبيعته، ومدمن على السياسة وأخبارها. هذا هو أمير».
الانتقال من أمير مخول إلى عمر سعيد قد يكون انتقالاً بالمساحات فقط، لكنّ الأجواء التي يعيشها الاثنان قد تبدو متشابهة. فالدكتور عمر شخصية بارزة في العمل السياسي، إذ إنه من مؤسسي حزب «التجمّع الوطني الديموقراطي» الذي لوحق أيضاً مؤسسه عزمي بشارة. وإضافة إلى السياسة، ذاع صيت الدكتور في مجال الطب البديل وفي الكتابة الصحافية. غالباً ما تكون مقالاته فكرية، وتستقطب قراءً كثيرين.
عمر معتقل منذ 24 نيسان، حين كان متجهاً إلى الأردن، وسُمح له، قبل يومين فقط، بلقاء محاميه. اعتقال توّج فترة من الملاحقات السياسية بحقه، علماً بأنه خضع للعديد من الإقامات الجبرية. هو أب لخمسة أبناء، أكبرهم بيسان وعمرها 17 عاماً. زوجته إنعام مربية، وهي أيضاً تعيش منذ فترة حالاً من القلق، لكنّها


عمر سعيد من مؤسسي «التجمع» واعتقاله توّج فترة من الملاحقات السياسية

أمير مخول مخطوف: ماذا نعرف عن أسرار إسرائيل كي نتجسس عليها أصلاً؟

تؤكد: «في النهاية، عمر إنسان ملاحق سياسياً بسبب نشاطه الحزبي والسياسي». تستعيد إنعام سعيد حياة ما بعد الاعتقال: «زيارات كثيرة، وتضامن كبير جداً من قبل الأقرباء والأصدقاء ونشطاء حزب التجمّع». لكنّها، في الوقت نفسه، متفاجئة «من حجم التهم وتضخيمها»، معترفة بأن زوجها «لم يحسب يوماً حساباً لأساليب السلطات». وبالنيابة عن زوجها، تنفي إنعام «كل التهم الموجهة إليه»، مطمئنة إلى أنه «صامد وثابت ويلتقي أشخاصاً في إطار عمله فقط». ورغم شعورها بالظلم والقهر، إلا أنها ترفع سقف التحدّي: «إذا اعتقدوا أنهم يستطيعون كسر شوكتنا وشوكة عمر، فهم واهمون».
ثمّ تستعيد إنعام اللحظة التي أزيل فيها حظر النشر عن قضية زوجها، فتصدّرت المسألة كل العناوين على المواقع العبرية والإذاعات والتلفزيون: «هواتفنا لم تصمت. الناس زارونا من كل حدب وصوب. الصحافيون جاؤوا أيضاً. كل هذا ونحن لا نعرف أنّ أمر النشر قد أُزيل. وعلى الفور، وبشكل تلقائي، سافرنا من قريتنا في كفركنّا إلى حيفا للمشاركة في التظاهرة. وهناك اشتدت عزائمنا».
تحكي إنعام سعيد عن يوم الاعتقال، وعن محاولة الحفاظ على «طبيعية الحياة» وسط حالة غير طبيعية: «أنا مدرِّسة وأحاول أن أواصل عملي كالمعتاد، وأحاول أن يحافظ أولادنا (الخمسة) على حياتهم الطبيعية. ابنتنا (بيسان) تستعد لامتحانات الثانوية، وقد انشغلنا أخيراً، عمر وبيسان وأنا، في البحث عن مستقبلها، محاولين مساعدتها على اختيار موضوع تدرسه في الجامعة».
ثمّ تنتقل سعيد للحديث عن عمر «الإنسان الناجح مهنياً»، واصفةً إياه بأنه «مثقف ومناضل سياسي، أرادوا النيل منه وهو في أوج نجاحه وعطائه في عمله وأبحاثه. إنه باحث في علم الأدوية الطبية، ومنتِج للكثير من هذه الأدوية، وهو ناجح في عمله وبات صيته في هذا المجال عالمياً». كلام تسرده لتخلص إلى أنه «لا يستطيع شخص ناجح مثله أن تتلاءم شخصيته مع هذه شبهات التجسس التي يتهمونه بها من دون أن يكون لها أساس».


أبواق التحريض

تصدّرت قضية اعتقال أمير مخول وعمر سعيد، الصفحات الأولى من الإعلام العبري أمس. وسارعت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى إطلاق حكمها، وتعاطت مع الشبهات ضد الاثنين كأنها حقيقة، واضعةً عنوان «الذراع الطويلة لحزب الله». وواصل الإعلام العبري، وخصوصاً في الصحيفتين الكبيرتين «يديعوت أحرونوت» و«معاريف»، «التذكير» بقضية المفكر العربي عزمي بشارة (الصورة)، الذي كان قد لوحق سياسياً في عام 2007 بذريعة اتهامات أمنية خطيرة كـ«التجسس» و«الاتصال بعميل أجنبي» أدّت إلى منفاه القسري. وقد كتب اليميني بن درور مقالاً قال فيه «إذا كان هناك شخص يؤيد سلطة حماس، وإطلاق القذائف على إسرائيل وتفكيك دولة إسرائيل، فثمة خوف من أنه لن يقول فقط هو أيضاً سيفعل. من الممكن أن نطلق على هذا ظاهرة بشارة».