حركة الإدارة الأميركية، ومعها فرنسا، على المسار التفاوضي السوري قد لا تصل إلى النتيجة التي تتوخاها واشنطن، ومن ورائها تل أبيب. سلسلة من العقبات لا تزال تقف أمام إحداث اختراق في هذا الملف، يرتبط جزء منها بالداخل الأميركي، إضافة إلى الداخل الإسرائيلي، فيما يرتبط الجزء الآخر بحسابات الربح والخسارة السورية


علي حيدر
استقبل الرئيس السوري بشار الأسد قبل أيام، المبعوث الأميركي الخاص إلى المنطقة جورج ميتشل، في زيارة هي الرابعة له إلى دمشق، بعد زيارة مماثلة للمبعوث الرئاسي الفرنسي، جان كلود كوسران، للبحث في كيفية تحريك التسوية مع اسرائيل، على المسار السوري.
يدفع موضوع الزيارتين ومناسبتهما، الى السؤال الآتي: ما هي آفاق التوصل إلى حلول جذرية على المسار السوري، بعدما نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في إطلاق عجلة المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؟
يمكن القول ابتداءً، إن الإدارة الأميركية تدرك بأن الأهداف الأساسية من وراء التسوية على المسار الفلسطيني، لن تتحقق من دون إكمال الدائرة وضم سوريا إلى محور التسوية مع إسرائيل، وخصوصاً أن الرؤية التي تحكم حراك الإدارة الأميركية، هي أن تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، تمثّل شرطاً لازماً لمواجهة النفوذ الإيراني، وأيضاً في مواجهة ما تسميه «الإرهاب» في المنطقة.
رغم إعلان المبعوث الأميركي في دمشق أن الإدارة الاميركية مصممة على إنجاح المفاوضات المباشرة بين السلطة وإسرائيل، وأن العمل على المسار الفلسطيني لا يعني إهمالاً للمسارات الأخرى، إلا أن العديد من التقارير الصادرة في واشنطن أو في تل أبيب، تؤكد وجود تباين بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة باراك أوباما، يتصل بما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات على المسار السوري. وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، هناك داخل الإدارة الأميركية خلاف حاد حول هذه القناة (السورية)، فمن جهة، يعتقد ميتشل ونائبه فريد هوف، أنه يمكن استئناف المفاوضات على هذا المسار، وكذلك إدارة المسارين (السوري والفلسطيني) بالتوازي، ليس فقط لأنهما لا يتناقضان، بل لأن كلاً منهما يعزز الآخر ويجسد رؤية الرئيس أوباما في دفع عملية التسوية الشاملة في الشرق الأوسط الى الأمام. وتضيف «يديعوت» إن أنصار ميتشل يرون أيضاً إمكانات كامنة في إخراج سوريا من «محور الشر»، استناداً إلى تضارب المصالح بينها وبين إيران، وتحديداً في الساحة العراقية.
في مقابل ذلك، يشكك مسؤولون رفيعو المستوى في البيت الأبيض، إضافة الى مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأميركيين، بجدية السوريين. يعتقدون أن دمشق غير ناضجة لاستئناف المفاوضات. وبحسب ما يرد في الإعلام الإسرائيلي، فإن سوريا غير معنية باستئناف المحادثات مع إسرائيل، وتتركز مصالحها حالياً على العراق ولبنان والتحقيق باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري.
رغم التشاؤم على المسار السوري، تذكر تقارير إسرائيلية أيضاً أن عدداً من المسؤولين في الولايات المتحدة يرون أن تقلّص فرص استئناف المفاوضات بين اسرائيل وسوريا لا يلغي اهمية الحوار مع دمشق، إذ يكفي أن يكون الهدف هو «توفير مسار بديل للسوريين، كي لا يشعروا بأنهم محبوسون في محور الشر... بل ومن الضروري إشعارهم بأنهم ليسوا محشورين في الزاوية».
في مقابل الانقسام داخل الأروقة الأميركية، تنقسم المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية حول القضية نفسها، لكن مع فروق أساسية مردها الى الظروف الخاصة بكلتا الحالتين، ما بين متفائل ومتشائم. يترأس معسكر المتفائلين في تل أبيب رئيس وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، أمان، العميد يوسي بايدتس، الذي يُقدِّر أنه إذا استعاد (الرئيس السوري بشار) الأسد هضبة الجولان، فسيوافق على توقيع اتفاق سلام (مع اسرائيل) مع كل ما ينطوي على ذلك من فتح للحدود وعلاقات تجارية ودبلوماسية. أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكنازي، الذي سينهي ولايته قريباً، فيرى وجود احتمال معقول لنجاح المسيرة السياسية مع سوريا، وبالتالي يجب فعل كل شيء لاستنفادها. وبحسب أشكنازي، فإن أهمية ذلك أنه «ينطوي على نتائج استراتيجية حيال أمن إسرائيل ومكانتها في المنطقة».

هل ترضى حكومة نتنياهو بدء المفاوضات من النقطة التي توصل إليها الطرفان خلال المفاوضات غير المباشرة؟
في مقابل هذه الآراء، يرى رئيس جهاز الموساد الاسرائيلي، مائير داغان، الذي ينهي بدوره منصبه قريباً، أن الأسد لن يوافق بالمطلق على الوصول الى تسوية سلمية مع اسرائيل. وهذا التشاؤم يمكن ايجاد تعبيراته أيضاً لدى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، عاموس يدلين، إذ إنه في الفترة الأخيرة بات أكثر حذراً تجاه إمكانات النجاح على المسار التفاوضي مع سوريا. ويحذّر من أن «أداء الرئيس الأسد في السنوات الأخيرة يدل على أنه أصبح أكثر ميلاً إلى الابتعاد عن مسار السلام». وبحسب يدلين، فإن «مرور الوقت من دون مفاوضات مع سوريا لا يصب في مصلحة إسرائيل، بل يضعف إمكانات التوصل إلى اتفاقية شاملة، تلبي المطالب الإسرائيلية».
وبالتالي، يرى يدلين أن على إسرائيل أن «تطرق باب التفاوض» طالما أن النتيجة، في حال نجاح التسوية، تخدم المصلحة الإسرائيلية بامتياز، حتى وإن كان الثمن هو التنازل عن الجولان وأثمان أخرى.
مع هذا الانقسام، تجب الإشارة الى أن أحداً في إسرائيل، من أي معسكر أو اتجاه أساسي في الدولة العبرية، لا يشكك بضرورة وأهمية التسوية السياسية مع سوريا، وصولاً إلى اعتبارها منعطفاً استراتيجياً يخدم المصلحة الإسرائيلية. إلا أن مصدر الاختلاف في الموقف ينطلق تحديداً من التباين في تقدير إمكان حصول إسرائيل على الثمن السياسي والاستراتيجي، الذي تأمله من التسوية مع سوريا.
في ظل الانقسام في الرأي الإسرائيلي، تأتي زيارة ميتشل الى دمشق، والحديث الأميركي عن مساع جدية لاستئناف المفاوضات على المسارات كلها، إذ شدد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان، في حديث الى إحدى القنوات العربية قبل أسبوعين، على أن «الولايات المتحدة تريد سلاماً شاملاً يضمّ المسارين اللبناني والسوري»، لافتاً الى أن «الزيارة التي يقوم بها مسؤولون أميركيون للمنطقة، هي في هذا المجال».
لكن برغم كل هذه الاندفاعة الأميركية، والمواقف الحريصة على تحريك المسارات كلها، إلا أن الواقع يُظهر أن هناك العديد من العقبات تقف أمام إمكان التوصل إلى تسوية نهائية وشاملة بين إسرائيل وسوريا، فضلاً عن إطلاقها في الأساس.
رغم ما يشاع عن أن المسار السوري أقل تعقيداً من المسار الفلسطيني، لكن يبقى للمسار السوري كثير من العقبات التي قد تحول دون التوصل إلى النتائج المرجوة اسرائيلياً وأميركياً، ومنها اشتراط دمشق بالعمل على «أسس واضحة وضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه»، مع التأكيد أن «ما يُطلب من تل أبيب هو إعادة الحقوق السورية المغتصبة وليس تنازلات».
وفي هذا السياق يبرز الموقف السوري بضرورة التعهد مسبقاً بالموافقة على مبدأ استعادة الجولان، ضمن خط الرابع من حزيران عام 1967.
من جانب اسرائيل، يبرز السؤال الآتي: هل ترضى حكومة بنيامين نتنياهو أن تبدأ المفاوضات من النقطة التي توصل اليها الطرفان خلال المفاوضات غير المباشرة في عهد رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، ايهود اولمرت، بتقديم أجوبة حول النقاط الست لترسيم خط الرابع من حزيران عام 1967، رداً على ما طلبته دمشق من تل ابيب عبر أنقرة.
اضافة الى ذلك، تبرز سلسلة من الأسئلة مرتبطة بالموقف الاسرائيلي تحديداً، وتدفع الى تبني التحليل المتشائم لإمكان النجاح على المسار السوري: هل يعتقد نتنياهو أن الانسحاب من الجولان يتصل بخط الرابع من حزيران 1967؟ هل يعتقد بإمكان تحقيق الهدف السياسي من وراء التسوية مع سوريا، أي إخراجها من «محور الشر» مع إيران وحزب الله وبقية قوى المقاومة؟ هل الوضع داخل حزب الليكود يسمح بتمرير التسوية مع سوريا، والتنازل عن الجولان وغيرها؟ بل هل تسمح تركيبة الحكومة الإسرائيلية نفسها، بتمرير التسوية، وهي التي يغلب عليها الآن الطابع اليميني واليميني المتطرف؟
أما لجهة الطرف الآخر، أي الطرف السوري، فيبرز السؤال الكبير الآتي: هل توافق القيادة السورية على فك تحالفها مع إيران وحزب الله في لبنان، كشرط مسبق لأي مفاوضات مع إسرائيل، أي هل يمكن سوريا أن تغير ثوابتها التي تمسكت بها طوال فترة الحصار الماضية، وتتنازل عنها في فترة فك الطوق والحصار عنها؟ هل ترضى القيادة السورية بالتنازل عن مكتسباتها في لبنان والعراق، نتيجة لتمسكها بهذه الثوابت؟
إلى ذلك، هل يمكن أن توافق دمشق على اتفاق نهائي وشامل مع إسرائيل، في حال عدم التوصل إلى اتفاق نهائي على المسار الفلسطيني؟ أو حتى التوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية نفسها، التي لا تحظى بدعم شعبي فلسطيني، رغم أن من الثابت السوري أن تشمل أي محادثات سلام فلسطينية ـــــ إسرائيلية، جميع الفئات الممثلة للشعب الفلسطيني.
من ناحية نظرية، قد يكون بالإمكان، تطويع بعض العقبات التي تحول دون انطلاق المفاوضات على المسار السوري، وقد يمكن الطرف الأميركي أن يضغط في هذا الاتجاه، لكن آفاق التوصل إلى حل نهائي، يبقى أمراً مستبعداً ومستعصياً، وخصوصاً أن الإسرائيلي لم يعد يكتفي بمجرد التوصل إلى تسوية مع دمشق، يتم من خلاله حل القضايا العالقة بين الطرفين، وإنما إملاء توجهات سياسية إقليمية على سوريا، وهو أمر قد تكثر فيه التقديرات والتقديرات المضادة، لكن التطورات الإقليمية ومعادلات القوى في المنطقة تكشف أنه لم يعد بوسع الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، فرض الأثمان الواجب دفعها على القيادة السورية، وخصوصاً بعد تمكن دمشق من تجاوز المحطات المصيرية بنجاح، وبعد التراجع الذي أصاب الولايات المتحدة على مستوى المنطقة.
على كل ما تقدم، وبناءً على العقبات غير القابلة للحل والتليين، هل يؤدي «الانسداد التسووي»، في ظل الضرورات الأميركية للتسوية، وعدم القدرة على تحريكها، إلى حرب شاملة تعيد إنتاج خريطة سياسية إقليمية جديدة؟ إنه سؤال قديم جديد ولا يزال قائماً، لكن في الوقت نفسه، لم تعد موازين القوى في المنطقة، وتحديداً موازين القوى المحدّثة فيها في مرحلة ما بعد حرب تموز 2006، تتيح لصانع القرار في تل أبيب وواشنطن الكثير من المناورة، وتدفعه أكثر كي يكون أكثر واقعية وأكثر تواضعاً.


أقوى الجيوش

ذكرت وكالة نوفوستي الرسمية الروسية للأنباء، في تقرير، أول من أمس، أن الجيش السوري من أقوى جيوش منطقة الشرق الأوسط ومن عصور مضت.
وأضاف التقرير إن الجيش السوري يملك أكثر من ألف صاروخ بالستي، يتراوح مداها بين 300 كيلومتر و700 كيلومتر، علماً بأن المسافة كخط نظر بين الجولان السوري وتل أبيب لا تتجاوز 150 كيلومتراً. وتستطيع صواريخ «سكود» التي لا تزال القوات السورية تتسلح بها أن تصل إلى أي بقعة على «الأراضي الإسرائيلية». كذلك يملك الجيش السوري صواريخ «توتشكا» من إنتاج المصنع الروسي الواقع في مدينة فوتكينسك. ويبلغ مدى صاروخ «توتشكا» 120 كيلومتراً. وتم تجهيز قسم من الصواريخ السورية برؤوس كيماوية وربما بيولوجية لإيجاد نوع من الردع من الترسانة النووية الإسرائيلية. وتابع التقرير إن الجيش السوري يضم أكثر من 320000 شخص، وهو سادس عشر أكبر جيش في العالم.