ولادة الحكومة رهن مشاركة «العراقيّة»... أو تفكّكها


إيلي شلهوب
تتجه العيون كلها، في المنطقة والعالم، هذه الأيام نحو العراق، حيث الوضع لا يزال متشنّجاً، رغم تسليم الجميع بوجود توافق أميركي إيراني انضمت إليه سوريا من أجل التجديد لنوري المالكي على رأس الحكومة. مصدر التشنج يعود بالأساس إلى رفض السعودية لهذا التوافق، على المستوى الإقليمي، وتشبث القائمة العراقية بمواجهته على المستوى الداخلي، إلى الحد الذي بدأ فيه البعض يتحدث عن مخاوف من حمام دم جديد، في إشارة إلى موجة من «التفجيرات الإرهابية».
حال معطوفة على ما جرى خلال الفترة الماضية في كل من البحرين والكويت ولبنان، دفعت مصادر نجفية معنيّة إلى طرح مجموعة من التساؤلات من مثل: هل قرر السعوديون قلب الطاولة في الساحات كلها رداً على الصفعة التي تلقوها في العراق؟ هل هي رسالة للأميركيين والإيرانيين تقول لهم: لن تحكموا العراق من دوني؟ ما يجري حالياً على هذه الساحات مقدمة لماذا؟
وتنقل مصادر عراقية موثوقة عن مسؤول أميركي رفيع المستوى قوله إن «السعوديين بعثوا قبل أسبوعين برسالة إلى الإدارة الأميركية يحذّرونها من أن المالكي يمثّل خطراً على الأمن القومي الأميركي، مطالبين ليس فقط بسحب تأييد التجديد له، بل العمل على الحؤول دون ذلك». وأضاف إن «مصير هذه الرسالة كان الأدراج. لم يؤخذ بأيّ من محتواها»، مشيراً إلى «تأييد الأردن لهذا الخيار وحماسة تركية له».
المصادر النجفية السالفة الذكر تؤكد «وجود تفاهم أميركي إيراني سوري على المالكي. لكن، هل هذا يعني أن مسألة عودة المالكي قد حُسمت؟ لا يزال من المبكر تأكيد ذلك»، موضحة أنه «لا يمكن تأليف حكومة من دون مشاركة القائمة العراقية لأنها ستكون غير ميثاقية. أين السنّة من أصحاب الوزن الشعبي؟ لا حلّ إلا بمشاركة العراقية أو بانفراط عقدها وانضمام بعض مكوناتها السنية الأساسية إلى الحكومة». وتضيف «هي معركة كسر عظم بين الخيار العربي ممثلاً بالسعودية ومصر والدول التي تدور في فلكهما، والخيار الإيراني الأميركي المدعوم سورياً».
مصادر قيادية في دولة القانون، تبدو أيضاً غير متفائلة، تقول «هناك محاولات للتملص من الالتزامات». وتضيف «يبدو الوضع كأنه تمرير للوقت. السعودية غير راضية. وضعها حرج وتحاول أن تربك الوضع في أكثر من ساحة. هذا على المستوى الإقليمي، أما على المستوى الداخلي فإن القائمة العراقية لا تزال تعمل على تقويض التسوية، كذلك يفعل المجلس الأعلى، رغم أنه أخذ على نفسه تعهداً بالسير في هذه التفاهمات».

السعوديّون حذّروا واشنطن بأن المالكي يمثّل خطراً على الأمن القومي الأميركي
وفي قراءتها لشبه الإجماع الإقليمي والدولي على المالكي «الذي لم يكن أحد يريده أو بالأحرى يفضله لا في الداخل ولا في الخارج»، تقول المصادر النجفية إنه «الأكثر ملاءمة لإيران، وخصوصاً من حيث محاربته للمشروع العربي (السعودي المصري) في العراق. أهدافهما تتماهى في لاوعيهما، ويعمل المالكي على تحقيقها من تلقاء نفسه، من دون طلب أي مكافأة من إيران، خلافاً للمجلس الأعلى والتيار الصدري». وتضيف إن «واشنطن اقتنعت بأن مرشحها المفضل إياد علاوي لا يمكنه الوصول إلى رئاسة الحكومة بفعل الفيتو الإيراني. الوقت يجري لغير مصلحتها، هي بحاجة إلى غطاء أمني لانسحابها من العراق، والى إنجاز سياسي يساعدها على إمرار قطوع انتخابات الكونغرس. ليس لديها أصلاً مشكلة جدية مع المالكي، الذي تعتبره، في نهاية المطاف، إسلامياً، ولكن على الطريقة الأردوغانية قادر على تحجيم المؤسسة الدينية في العراق».
في خضم هذه المعمعة، خرجت القائمة «العراقيّة» بعرض، قالت إن الأكراد يقبلون به، ويفيد بأن يتولى عادل عبد المهدي رئاسة الحكومة بعد تقليص صلاحياتها، على أن تكون رئاسة الجمهورية من حصة العراقية، ورئاسة البرلمان من حصة الأكراد، في خطوة تزامنت مع حديث للرئيس جلال الطالباني عن أن الرئاسة منصب قابل للتفاوض، في مقابل تطبيق المادة 140 من الدستور المتعلقة بكركوك، وعن مبادرة كردية لم تتضح معالمها.
وتقول مصادر دولة القانون «ليس ثابتاً أن هناك مبادرة كردية. هناك أطراف كردية تعمل في هذا الاتجاه أو ذاك. الطالباني خرج من عنده من ينفي أن يكون قد قال إن منصب الرئاسة قابل للتفاوض في مقابل تطبيق المادة 140». وتضيف إن رئيس إقليم كردستان مسعود «البرزاني اتصل بنا ونفى أن يكون قد قدم عرضاً كهذا أو أن يكون طالب بتقليص صلاحيات رئيس مجلس الوزراء. أصلاً مجرد المطالبة بتقليص الصلاحيات يعني أن هناك تسليماً بأن رئاسة الحكومة ستؤول إلى المالكي».
المصادر النجفية المعنية ترى في كل من مطلب تقليص صلاحيات رئاسة الحكومة وتسليم كركوك للأكراد بأنه «تعجيزي. الأول لأنه بحاجة الى تعديل دستوري لا يمكن أن يحصل من دون حكومة، فيما الثاني لا يمكن أحداً أن يقبل به مهماً كان المقابل». وتضيف «لا يمكن قراءة دعوة فؤاد معصوم، رئيس السنّ الكردي للبرلمان، إلى انتخاب رئيس للجمهورية ورئيس لمجلس النواب قبل الاتفاق على اسم رئيس الحكومة إلا تسليم كردي بالمالكي رئيساً للحكومة».
وكانت مصادر منخرطة في «المساعي الحميدة» الرامية إلى تذليل العقبات بين الأطراف العراقية قد أكدت أن «مشكلة المجلس الأعلى يمكن القول إنها انتهت. عُقد اجتماع قبل أكثر من أسبوع وحُلّت المسألة. جماعة المجلس مهجوسون بالتفاصيل. ناقشوا آلية اختيار مرشح التحالف الوطني لرئاسة الوزراء من ضمن التحالف. كانوا يطالبون بالإجماع أو بالحد الأدنى موافقة 80 في المئة. قبلوا أخيراً بـ 65 في المئة».
مصادر دولة القانون ترى أن «حتى هذا الرقم غير مقبول بالنسبة الينا. الآلية المنطقية هي النصف زائداً واحداً. بالحد الأقصى 60 في المئة، ولا نرضى بأكثر من هذه النسبة. لكن هذا الموضوع لم يُبحث بعد بين الأطراف المعنيّة».
المصادر النجفيّة القريبة من المجلس الأعلى تقول إن هذا المجلس «قاوم الضغوط الإيرانية والأميركية للإتيان بالمالكي وضغوط الشارع الذي يريد الانتهاء من تأليف حكومة لأكثر من خمسة أشهر. ماذا يسعه أكثر من ذلك؟ هو يدرس خياراته الآن وسيبني على الشيء مقتضاه».