ملعون أبوها حمامة أم غصن زيتون؟



يا صديقي، يا رفيقي علاء، أتعلم أنني لم أعد أحبّ أن أستعمل عبارة رفيقي منذ زمن. نعم يا رفيقي، يا زعتر. فالرفاق ما عادوا يشبهوننا. الرفاق في هذا البلد أصبحوا من نوع آخر، ونحن لا نجد أنفسنا هنا كما تعلم ولا هناك، نجد أنفسنا في أمّنا الأولى ووطننا المقدس فلسطين. الرفاق هنا قد يصبحون مثل الرفاق في مكان لا يعلم ما معنى الأممية. منذ فترة وأنا لا أستيقظ إلا في الليل كما تعلم. استيقظت في المساء لأتمشى في الشارع وفوق المزبلة، حيث كتبت شتيمة لمن يرمي النفايات، ولا أقصد شارع الحمراء وهذا أكيد. وأنا أتمشى، لاحظت قرب مدارس الأونروا هناك بوستارات للعيد الـ86 للحزب الشيوعي اللبناني. كم كان مشعاً هذا البوستر. طبعاً لاحظته قرب صبرا أو شاتيلا ـــــ فأنا أشك في أنه دخلت صبرا وشاتيلا ـــــ شمسيّة حمراء تحمي الحمامة البيضاء! يا لبياض الحمامة تلك! في ذاك المساء، تركت انطباعاً سيئاً عند كل من صادفته في الطريق. لم أستطع أن أسلّم على أحد بطريقة هادئة. لم أستطع تمالك نفسي. الأمر لا يعنيني فأنا «فلسطيني»، كما لمّح لي أحدهم. ولكن أليست الأممية العالمية والعبارات الكبيرة الرنانة تلك تنطلق من كل مكان؟ أليست فلسطين هي رأس الحربة؟ كم حاربت صديقاً قومياً في الجامعة لأقنعه بأن القومية تصبّ في الأممية، وفعلاً اقتنع. لكن، من تقنع يا صديقي ومع من تتحدّث؟ فهذا كلّه واضح منذ زمن بعيد، لكن لا يصدق ال... حتى يرى! وأنا رأيت. أتذكّر من رفع السلاح في مجلس الأمن بجانب غصن الزيتون، ومع جمال هذا المشهد الشعري، فقد ضايقنا نوعاً ما. فالكلام وحده للسلاح. سقط الغصن الأخضر قبل سقوطه شهيداً. وما يحدث الآن لا يترك منبراً للكلام. أتذكّر أغنية للشيخ إمام يقول ما معناه: «ملعون أبوها حمامة بيضا أم غصن زيتون؟». إذا أردت التأكّد من كلمات الجملة مئة في المئة، فاسأل «الحفيظة» المحزّبين. لكن، أليس الشيخ إمام شيوعياً؟ ألا يعرف أصدقاؤنا المتحزبون الشيوعيون عن الرفيق الشيخ أكثر منّا؟ نحن أعلنّا ولاءنا لفلسطين، ولم يعد أمامنا غير السلاح، أما القصائد والرسوم والأفلام فلا شيء في طريق التحرير عندما لا يفيد المنطق ولا الكلام. وأظن يا رفيقي أنهم لا يعرفون إلا الكلام! وأنا ككثيرين «ضاق خلقنا من الكلام!».
شاهد عيان ـــ برج البراجنة

■ ■ ■

الرافنيلو
(شيوعيّين كانوا)



الشيخ إمام والشيوعيون! لماذا خطر لك أن تسأل عن الشيخ إمام وأنت تنظر إلى ذاك البوستر؟ أيام الشيخ إمام كانت الأمور واضحة، إذ كان للسياسة وجهان: يسار ويمين. أما اليوم فقد أصبح لليسار يمينه ويساره. وانبثق ليمين اليسار يمين ويسار. وصار ليسار اليسار يمينه ويساره. فانشغل يسار اليسار بالبحث عن سبب سقوط الاتحاد السوفياتي. وتشرذم يمين اليسار فبنى البعض مؤسساته التجارية وإن حملت طابعاً ثقافياً ـــــ سياسياً ـــــ اجتماعياً في الكثير من الأحيان. وخرج من هؤلاء مروّجون يحملون صفة كاتب أو صحافي أو مفكر لينظروا إلى الديموقراطية بأموال النفط الخليجية. أما اليمين فعلى حاله، يزداد ثراؤه ثراءً ولا يعنيه إذا ازداد الفقراء فقراً. تراه يواظب على عمله طيلة النهار. ويخرج في مسائه إلى الملهى الليلي اليميني. وللمفارقة فإن اسمه الملهى الأبيض. هناك يسكرون ويعربدون ويقهقهون «الثورة نائمة لعن الله من أيقظها». أما البوستر يا رفيقي فقد ذكّرني بصورة رومانو برودي (الرفيق رومانو) رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، حيث التقطته الكاميرا خلسة وهو يجلس مع رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت بعيد حرب تموز . كان «الرفيق» يستمع كالتلميذ النجيب لأولمرت، ليخرج بعدها الى الصحافيين، مردداً بالحرف كل ما لقّن. المفارقة أن صديقاً إيطالياً كان يشاهد الحادثة معي فانفجر غاضباً: «رافنيلو رافنيلو». ولشدة غضبه، اعتقدت أن الكلمة شتيمة. لكنني انفجرت ضاحكاً حين عرفت أن رافنيلو معناها بالعربية الفجل (آه الفجل أبو الأربع ضمم بليرة). ففي إيطاليا، تكثر الأحزاب المغلّفة بشعارات اليسارية الاشتراكية الشيوعية الحمراء. لكنها لا تتردد في الدخول مع الأحزاب اليمينية في صفقات وسياسات رأسمالية بيضاء اللون. فوجد اليساريون الراديكاليون الفجل (الأبيض في الصميم وإن كسته قشرة حمراء) وجدوا فيه أفضل طريقة للسخرية. لا بل إنهم لحّنوا أغنية عن الموضوع، ولم تلق انتشاراً كتلك الأغنية التي رافقت المقاومة الإيطالية التي اتخذت من الجبال مقراً لمقارعة الفاشية. أغنية «بيلا تشاو» تعرفها.
علاء الزعتر ــ صبرا