مواهب


الجميل في مخيم القاسمية أن جميع الأطفال متشابهون، حتى ولو اختلف الحذاء عن الشحاطة في أقدامهم أحياناً، لكن اللعب التي يتسلّون بها هي ذاتها للجميع، وكذلك قصّة الشَعر عند أبو علي، الحلاق الوحيد في المخيم. والسبب هو أن المصدر واحد لهذه المواهب البهلوانية التي يبتكرها الأطفال هناك، بالإمكانيات المُتاحة لديهم. مثلاً، كان طارق، ابن «الدكنجي»، يزوّد رفاقه بعبوات مياه فارغة، إضافة إلى عدد من البالونات المطاط. يقصّ الأطفال العبوة الفارغة مع الحفاظ على قسمها العلوي فقط، ثم يحضرون البالون الصغير ويربطونه بالمطاط لصنع «نقيفة» متينة تُعرض للبيع لاحقاً بـ250 ليرة! لكن، تلك «النقيفة» رغم انتشارها الكثيف بين الأولاد، لم تكن تستهويني بقدر تلك المصنوعة من الخشب والمطاط العريض، التي لم تكن تباع إلا للأكبر سناً. أضف إلى ذلك أن سعرها كان يفوق إمكاناتي المتواضعة.
ثمة مواهب أخرى، مثل اختراع «عربة». هذا الاختراع لم يكن سهلاً تطبيقه، إنما كان من اختصاص «أبو الرووس» وأشقائه فحسب، وهو كان عبارة عن دولاب دراجة مُحطم يقودونه بواسطة سلك حديدي عريض. ما زلت لا أفهم تلك اللعبة حتى الآن، ولا أعرف كيفية اختراعها.
كل ما أذكره أن الأولاد كانوا يتنازعون على قيادتها، وخصوصاً أن أبو الرووس لم يكن يُعطي سره لأحد، ولا يبيع مثل هذه اللعبة لأحد، فقط يُعيرها لمن يهمه الأمر!
لا أرى الأطفال في المخيمات اليوم يلعبون بالطريقة نفسها التي كنّا نلعب بها. ربما «البلاي ستايشن» و«الإنترنت» هما السبب، فإيجارهما لا يتعدى الألف ليرة اليوم في المحال الصغيرة المنتشرة في أزقة المخيمات، على عكس الليرات التي كنا ندفعها على نقيفة أو استعارة «سيارة» أبو الرووس، والتي كانت تفوق ميزانيتنا.
ايمان بشير ــــــ بيروت

■ ■ ■

لم يأت الكره من فراغ

أذكر جيداً يا إيمان النقيفة وعربة ابو الرووس المصنوعة من الاسلاك الحديدية. لكن لا أظنك تذكرين الالعاب التي لا تتطلب أدوات، مثل «الغارات» التي كنا ننفذها، أو الاضطهادات التي كان يتسلى بها الاكبر سناً، لأننا كنا نرفض اصطحابك معنا لصغر سنك.
أعتقد أنك تذكرين جيداً التينة الضخمة التي كانت موجودة قرب بيت الشقيقتين سارة وام جودات. كانت عصابتنا مؤلفة من 5 صبيان وفتاتين. كنا نتسلق التينة المحرمة على الاطفال لنسرق أكوازها. كان ابن خالنا المصاب برمد في العيون، يقف بعيداً عن الشجرة حاملاً كيساً اسود يملأه بأكواز التين التي نرميها إليه. لم تكن سارة تمنعني أنا وأخي من قطف التين من شجرتها، بل كانت تنادينا في معظم الاوقات من بين الاولاد لتقطف لنا التين «المعسّل».
لا ادري لماذا كان طعم التين المسروق ألذّ. ربما لأنه كان محفوفاً بالمخاطر، كأن تصاب سارة بنوبة غضب، وتبدأ بالصراخ، وما هي الا ثوان حتى تكون تحت الشجرة حاملة قضيب رمان غليظاً. كنا نقفز عن الشجرة وكلّ منا يركض في اتجاه. حتى منعتني وأخي أخيراً من الاقتراب من الشجرة، ما رأيناه نصراً حينها. لا اذكر آخر مرة رأيت فيها شجرة التين تلك، لكن أذكر أن السوس أصابها وانهارت كما كل اشجار التين. وفي زيارتي للمخيم قبل عامين تقريباً، لحضور عزاء ابن خالنا المصاب بالرمد، لاحظت أن شجرة تين صغيرة نبتت مكان التينة الضخمة.
هل تذكرين يا ايمان فؤاد ابن الاستاذ نمر؟ هل تذكرين كم كنا نكرهه؟ لم يأت كرهنا له من فراغ. لقد كان اكبر منا سناً، وكان يتسلى بتعذيب كل من يصغره سناً. هل تذكرين الانتقام العظيم منه؟ كانت خالتي تحرق بعض الثياب البالية قرب بيتها، وقتها وقعت قطعة من الثياب بعيداً عن النار، لم اكن أعلم أن طرفها مشتعل. احرقت اصبعي ما ان أمسكتها، فصرخت وبكيت. فبدأ هو بتقليدي بطريقة أضحكت الحاضرين. ومن لي غير أختنا الكبرى، عبير، لأشكو إليها؟ ربما صفعته حينها، لا اذكر! لكنها أخذت دولابه الحديدي ورمته فوق بيت خالتي، التي لا يجرؤ أحد من الاولاد على الاقتراب من حائط بيتها من دون إذن «مقنع». فؤاد غادر المخيم وهاجر إلى بريطانيا، وحتى عبير تزوجت وغادرت البلد.
لا أعتقد يا إيمان أن الاطفال في المخيم يمارسون «المواهب» ذاتها الآن، لأن من اخترع الالعاب البدائية هاجر وترك المخيم من دون نقل خبراته إلى من هم أصغر سناً.
سحر البشير