مخيم البداوي ــ تانيا نابلسي

هنا، عند الحاجز، انهمرت دموعي بكثرة، تقبّل هواء المخيّم وتعانقه... لقد اشتقت إليه كأنّني أُبعدت عنه قسراً. غبت لمجرد شهرين فقط، فكانا بالنسبة إلي كأنّهما قرنان من الغياب.
دخلت السيّارة أزقة المخيّم وبدأت تهتزّ على وقع مطبّات الطرقات المتناثرة طوال الطريق. للمخيّمات رائحة تميّزها عن بُعد... رائحة التعب، رائحة الحنين، رائحة اللاجئين. مخيّم البدّاوي للاجئين الفلسطينيّين في لبنان يرحب بكم. ها هو الأستاذ سمير الفنّان يقف مع ابنتيه الصغيرتين أمام محلّه. لقد رأتني الصغيرة بينهما وها هي تلوّح لي بكلتا يديها مبتسمة.
وصلنا إلى «نزلة» السوق. إلى اليسار، ممسكاً بعصاه، يجلس أبو محمود أمام مقهاه، حوله يتوزع الشباب الأماكن مرتشفين قهوتهم، أو متلذذين بارتشاف الشاي.
من بين جيران المقهى، نجد مركز الأنشطة النسائيّة، حيث نرى دائماً الأستاذ ربيع واقفاً أمام باب المبنى، ينتظر بهدوء تلاميذه... ليعطيهم دروساً في استعمال الحاسوب وبرامجه.
لدى وصولنا إلى محطّة الوقود، لمحنا أحمد كعادته يتداول الحديث مع أحد سائقي الأجرة ريثما ينتهي الشاب الذي يعمل عنده من تعبئة السيّارة بالبنزين ويمسح زجاجها الأماميّ.
وإلى جانب المحطّة، كالعادة، مجموعة من شباب المخيّم يتمترسون على الكراسي أمام كافيتريا عامر، كلّ واحد منهم تقريباً، يمسك بالنارجيلة أو بسيجارة. ما أكثر ما يدخنون! يتجاذبون أطراف الحديث ويضحكون، مبتعدين عن شجون يومية، متناسين مشاقّ يوم عمل طويل.
في المخيّم مفترق اسمه «مفرق السوق»، فإذا دخلت فيه، كما هو واضح من الاسم، تصل إلى شارع السوق، حيث تباع الخضر والأطعمة، كذلك الملابس، وحيث تجد كل الميني ماركات والديسكوتيكات الخ. لم يبدُ لي أن هذه السوق الشعبية قد تبدّلت خلال الشهرين الماضيين: ما زالت كعادتها مكتظة، ويزيد ذلك محاذاتها لمحال لبنان الأخضر وحلويات الوليد... وحارة المهجّرين.
وصلت الى بيتي، استقبلتني الجدران والنوافذ والأبواب عاتبةً لغيابي الطويل ورحيلي. ها قد رجعت إلى شوارع مخيمي، إلى بيتي، إلى أسرتي من جديد... يا الله ما أحلى المخيّم!