حسابات حزبيّة تتحكّم بأداء رئيس الحكومة... ولا تسوية مع الفلسطينيّين


علي حيدر
تمثّل حالة التجاذب التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بين مطالب البيت الأبيض المرتبطة بالعملية السياسية على المسار الفلسطيني، والقيود الحزبية والائتلاف الحكومي، علامة فارقة في أدائه رئيساً للحكومة. من أبرز تجلّيات هذه الحالة، المواقف المترددة التي يبديها حيال العرض الأميركي مقابل تمديد تجميد الاستيطان لمدة محددة لا تتجاوز ستين يوماً.
يتضمن التعهد موافقة أميركيّة على إبقاء قوات إسرائيلية في غور الأردن، في إطار الحل النهائي مع تعاون أميركي لمنع تهريب الوسائل القتالية. ويتضمن التعهد أيضاً تقديم معونات ومعدات عسكرية أميركية مميزة للجيش الإسرائيلي، لم يسبق أن تلقتها تل أبيب من واشنطن، إضافة إلى تعهد بتعاون أمني خاص في مواضيع حساسة للغاية، وتحديداً ما يرتبط بإيران والوقوف إلى جانب إسرائيل في الأمم المتحدة.
رغم حال اللاتناسب بين الطلب الأميركي والثمن المقابل، ووضوح كونها في مصلحة إسرائيل قياساً بالعروض الأميركية وفترة التجميد المحدودة بشهرين، إلا أن نتنياهو يحرص على التعامل مع المطالب الأميركية بجدية وتريث وإظهار أن إسرائيل ستقدم على تنازل غير مسبوق.
لكن من الواضح أن ما يسيطر على تفكير نتنياهو وأدائه، هو الخشية من تكرار سابقة سقوطه عام 1999، بفعل حراك اليمين المتطرف في حينه، بعد توقيعه اتفاقية واي ريفر. وهذه الخشية تدفعه إلى تجنب الإقدام على أي خطوة، وإن كانت مقرونة بطلب وإلحاح أميركيين، وبأثمان وعوائد، إلا بعدما تتوافر بيئة ملائمة ومناسبة إسرائيلياً، وكل ذلك في جزء من استخلاص عِبَر تجربة السقوط السابقة.
بناءً على هذه الخشية، يمكن تفسير حال التعارض التي يبديها نتنياهو، إذ إنه في الوقت الذي يتريث فيه بإطلاق مواقف علنية مباشرة حيال العروض الأميركية، يجري مشاورات موازية مع الإدارة الأميركية ومع شركائه في الحكومة للتوصل إلى صيغة ترضي الأميركيين، ولا تدفع الأمور نحو تفكك الائتلاف الحكومي.
في هذا السياق، يريد نتنياهو التزام الرئيس الأميركي باراك أوباما رسالة الضمانات الأميركية لإسرائيل، التي قدمها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عام 2004، لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون. رسالة تنص على تعهد بضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية إلى إسرائيل، في أي تسوية نهائية مع السلطة الفلسطينية، ورفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وتمكينهم فقط من العودة إلى حدود الدولة الفلسطينية المقبلة.
وسواء توصل نتنياهو إلى «انتزاع» إعادة التزام إدارة أوباما برسالة ضمانات بوش لشارون، أو توصل الطرفان إلى ثمن آخر، فإن توجه نتنياهو وأداءه يشيران إلى استبعاد ضم حزب «كديما» إلى الحكومة من حساباته، رغم إدراكه أنه قادر على كبح جماح اليمين المتطرف ضمن الائتلاف من خلال القدرة على توفير غطاء سياسي ونيابي مطلوب لإمرار أي خيارات سياسية تتصل باستمرار المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. من منظور حزبي ضيّق، وعلى خلفية حسابات المحافظة على الزعامة، يرى نتنياهو أن استبدال اليمين المتطرف بحزب «كديما»، ينطوي على مخاطر كبيرة، بينها استغلال رئيسة الحزب تسيبي ليفني للأزمة التي تدفع نتنياهو لإشراكها في الحكومة، والمبادرة إلى إسقاطه بدل تعويمه.
ما يقيد توجه نتنياهو أيضاً نحو استبدال اليمين المتطرف بحزب «كديما»، أنه إذا قررت تسيبي ليفني الوقوف إلى جانب خياراته التسووية فقد ينطوي على مخاطر من نوع آخر، تتمثل بإمكان حدوث أزمة داخل حزب «الليكود» على خلفية التسوية نفسها.
وللتذكير، سبق للخلافات على الموقف من خيار الانسحابات الأحادية الجانب (الانسحاب من قطاع غزة عام 2005)، أن أدت إلى انشقاق في حزب «الليكود»، الأمر الذي دفع رئيس الحكومة والحزب في حينه، آرييل شارون، إلى تأسيس «كديما».
في السياق نفسه، فإن تكرار نتنياهو لخيارات شارون عام 2005، أي الانسحاب من «الليكود» وتأسيس حزب آخر، مع اعتماد مواقف سياسية «وسطية»، سيكون خياراً خاسراً ومساراً خطراً، من شأنه أن يُعبّد الطريق أمام رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، لترؤس معسكر اليمين وامتلاك جمهوره العريض. فخيارات شارون وإمكاناته عام 2005، تختلف كثيراً عن خيارات نتنياهو وإمكاناته، ولا مجال للقياس.
إذاً، لا يمكن نتنياهو أن يتخلى عن ائتلافه الحالي، ما لم يكن مضطراً إلى ذلك، وهو في هذه المرحلة يرى أنه لا يزال قادراً على المناورة. ومن الواضح أن الحسابات الداخلية هي العامل الأول المتحكم بأداء رئيس الحكومة الإسرائيلية ومواقفه، وبالتالي لا يمكنه أن يتوصل إلى حلول وسط تتعلق بالقضايا الأساسية العالقة مع الفلسطينيين في إطار التسوية، على خلاف ما تريده إدارة الرئيس باراك أوباما وتُعدّ له.