جارة القمر



بالنسبة لستي أُم ناصر، كريستوفر كولومبوس ملعون لإكتشافه القارة الأميركية، و(غراب البين) هتلر مغضوب عليه لإعطائه يهود العالم حجّة لإحتلال فلسطين بعد محرقة الهولوكوست، أمّا نيل آرمسترونغ، رائد الفضاء، فكذبة أمريكية مُحكمة لإحتلال العالم تكنولوجياً عبر إيهامه أن (الأمريكان كمان وصّلوا على القمر)!.
"هاد كلام كُفر وحرام، ما حدا بيقدر يطلع على القمر!"، ستي أُم ناصر لم تستطع حتى فترة وجيزة الإقتناع أن البشر إستطاعوا الوصول إلى الكوكب المضيء، وحتى الآن لا أعرف كيف أصارحها بحقيقة أن الأمريكين يفكرون جدياً بالعيش هناك إذا ما تحوّلت الكرة الأرضية إلى صحراء بسبب الجفاف بعد إكتشاف وجود مياه على سطح القمر، فوقع الحقيقة الأولى كان صعباً جداً عليها عندما شاهدت روّاد الفضاء على سطح القمر للمرة الأولى على الشاشة. "هادا فيلم، هُمّا بدهم الناس تفكّر إنهم بيقدوا يوصلوا وين ما بدّهم حتى لو للفضا"، هكذا تقول ستي أُم ناصر، وهذا فعلاً ما يؤكده بعض المتعلمين إذ يقولون أن فيديو نيل آر مسترونغ وهو يضع العلم الأمريكي على سطح القمر سجل في أحدى صحاري ولاية تكساس الأمريكية! ورغم ذلك، أنا لا أعتبر ستي (دقة قديمة) على الإطلاق، لأنها تتبع الأخبار يومياً، مع أنها لا تجيد لا العربية الفُصحى ولا الإنكليزية، فستي تحلل الأخبار ولديها رأيها في السياسة، ومؤخراً حصلت على موبايل للتواصل مع أبنائها المقيمين في الخارج، ولقد تعلمت بيسر كيف تجيب عليه وكيف تغلق الخط، على أمل تعلّم كيف ترسل رسالة في المستقبل القريب. لكن حالها كحال جميع كبار السن فيما يتعلق بالمنطق العلمي أو التكنولوجي على وجه الخصوص، فهناك أمور تتابعها وإن كانت ليست مقتنعة بها، تماماً كالوصول إلى سطح القمر، أو فيروس الجمّرة الخبيثة، أو تقنية الإستنساخ أو حتى أحداث 11أيلول، وتصوير الطائرة وهي تخترق مبنى التجارة العالمي مباشرة على الهواء، فكلها بالنسبة لستي (فبركات) أمريكية للسيطرة أخيراً على العالم، وبصراحة أنا أوافق ستي في أغلب تلك الأمور، من دون وجود أي تفسير علمي لها في الحقيقة!.
القمر الذي تتشاركه ستي مع فلسطين، لا يمكن لأحد إحتلاله، ربما هذا هو المنطق بالنسبة لها، أو ربما كانت هي تستند إلى مفاهيم دينية لا تجعلها قادرة على تقبُّل أمور مشابهة، لست أدري.
ايمان بشير ــــــ بيروت

■ ■ ■

زميلتي العزيزة إيمان



مهما كانت جدتك واعتباراتها فإنها لن تكون كالحاجة فاطمة جدتي لوالدي التي ولدت في بدايات القرن المنصرم في يازور، وهي قرية قريبة من مدينة يافا لدرجة الملاصقة. جدتي، والدتها، مطلقة، تسكن في قلقيلية في الضفة الغربية، وانفصلت عنها منذ الطفولة. ومع التهجير والنكبة، فقدت كل أمل بلقاء أمها آمنة، وسكنت اثر هجرتها في دير أبو مشعل قرب رام الله لتلد عمتي، آمنة، التي سميت تيمناً بجدتها المباركة. بعد ميلاد عمتي آمنة ذهبت العائلة إلى نابلس وتحديداً لمخيم بلاطة للاجئين، لممارسة رياضة اللجوء: كتعبئة الماء بأوعية من عين بلاطة القريب من المخيم والدراسة في مدارس الأنروا العظيمة.
وفي عام 1967 عندما قامت حرب الأيام الستة التي حققت فيها الجيوش العربية أكبر فضيحة منذ النكبة ، حصلت حركة عُرفت بالنزوح، وامتلأت ساحات المدارس بلاجئين جدد. محمود الطيب كان يساعد النازحين كما ساعدهم أهل المناطق التي لجأوا إليها، بالبطانيات والماء والشاي، وكان يسألهم من أي المناطق هم. وعندما سمع بوجود أناس من قلقيلية توجه للسؤال عن الحاجة آمنة نزال، وعثر على حماته التي لم يرها من قبل مع بناتها.
توجه نحوهم وعرفهم بنفسه على انه زوج ابنتها فاطمة. لم تصدق الحاجة آمنة الكبرى ما حدث، ولكنه طلب منها مرافقته لتقابل ابنتها التي لم ترها منذ ما يزيد عن 40 عاماً.
دخل البيت الصغير قبل الحاجة آمنة ونادى على جدتي: أم درويش، أم درويش! فأجابته أنها بالداخل. فقال لها: معي ضيوف تعالي استقبليهم. فلما خرجت فاطمة لترى زوجها محمود يصطحب امرأة كبيرة في السن، أمعنت النظر في الضيفة، فإذا بها والدتها. لقد كان لوجه أمها ملامح رسخت في مخيلتها. الحاجة آمنة لم تتمالك نفسها وهتفت: فاطمة! سمعت جدتي صوتا غاب عن أذنها عشرات السنين فهرعت لمعانقتها وسط سيول من الدموع أغرقت وجنات الموجودين. ببساطة يا إيمان هذا الجيل رأى الأهوال عاش الأمل واكبر خيباته. لندعهم في عالم يستحيل الصعود فيه إلى القمر. لأنه لن يكون الصعود إليه ممكناً في عالم تستحيل فيه العودة الى وطنهم المسلوب، من وجهة نظرهم على الأقل.
 معاذ عابد ـــــ الأردن