علاء الزعتر

ها أنت تنزل الدرج متوجهاً إلى صخرة اليرموك مجدداً. «مجدداً»؟ ألم تكن هذه الكلمة عنوان نصٍ «توعدت» أمام حسان وعبد الناصر بكتابته لتروي وقائع ليلة أمضيتها في غرفة على سطح منزل حسان؟ فبعد اعتذارك عن كل الدعوات لترك منزل سامر في مخيم اليرموك، لم تتردد في قبول دعوة حسان. أغرتك فكرة المبيت في غرفة سقفها من الزينكو. جعلتك تلك الليلة تسترجع ذكريات الماضي ومنزل جدك المبني من الصخر في عين الحلوة. فرحت بالاستيقاظ مبكراً بفعل ارتفاع الحرارة. سرحت بك مخيلتك فتمنيت هطول المطر في عز الصيف. لا لتخفيف الحرارة بل للاستمتاع بصوت قطرات المطر على الزينكو! والآن ها أنت تجلس قرب شاطئ البحر في بيروت وعلى صخرة «مخيم اليرموك». كم الساعة الآن؟ وكم بقي لبزوغ الفجر؟. لماذا تنتظر الفجر أصلاً؟ هل نسيت «فلسفة الأجداد» التي روى وقائعها عاطل من العمل من مخيم شاتيلا؟ فلسفة ترى أن الفجر يزرع الأمل في قلوب كل البشر إلاّنا؟. كانت الحكمة بعينها أن يُبنى المخيم بأزقة ضيقة حتى لا يدخل الفجر منها ويزعجنا بآماله الكاذبة. لجأت إلى هنا الليلة كما فعلت في ليالٍ سابقة. لجأت إلى صخرة وصلتها ذات مساء بارد مع «ماجدة» الفلسطينية البولندية التي التقيتها في اليرموك. فرحت لبحثها عن جذورها. قادتك مصادفة أخرى مع عبد الناصر إلى هنا، ثم حولت الزيارة إلى عرفٍ لكل قادم. ودارت أحاديث في كل زيارة عن «اللاتمايز» بين لجوء ولجوء. حتى صار المكان رمزاً في داخلك يجعلك تفكر «باللافرق» بين هنا، وبين هناك وهناك.
خرجت من منزلك بُعيد منتصف الليل هرباً من ضجر الغرفة وانعدام القدرة على التفكير في جديد، هرباً من حرارة صيف يبدو أنه لا ينوي الرحيل. ها هو الفجر يقترب، ماذا سيحمل لك؟ لا جديد على الأرجح. لعلك ستكرر حديث الأمس مع أحد الأصدقاء. حين التقيت بصديقتك في موعدٍ أُجّل مراراً وتكراراً، وترافقتما للمشي في شارع الحمرا، أخبرتها عن رغبتك في لجوء جديد لعله يكون النهائي إلى أي مكان بعيداً عن هنا. توقفت للحظة أمام واجهة أحد المحال، فسألتك عن رأيك في ثوبٍ يُعرض للشتاء المقبل، ثم اعتذرت إن كان من سخافة في سؤالها، هززت رأسك نفياً، مؤكداً أنها عادة للصبايا لا بد منها. واصلتم السير وواصلت الشكوى، تحدثت عن «اللاأمل» في التغيير في كل ما حولك، قلت لها لعلك ستجد في مكان آخر فرصة باتت معدومة هنا، ولكنها توقفت مرة ثانية أمام واجهة أخرى، بادرت هذه المرة إلى إبداء إعجابك بلون الثوب المعروض واستنكرت السعر، وأدخلت غلاء الأسعار على حديثك حجة إضافية لتؤكد مشروعية قرارك. اشتكيت من المفاوضات والفصائل واللجان الشعبية والجمعيات ووكالة الأونروا، ولكنك لم تسمع سوى تكرار لعبارة واحدة مغلّفة بابتسامة واثقة «مش رح تقدر تفل وتترك».