ثلاث سنوات مرّت على حرب مخيم نهر البارد، إلا أن آثارها لم تُمح بعد. فحتى هذه اللحظات، لا يزال الدخول إلى المخيم مستحيلاً من دون تصريح من مركز استخبارات الجيش في محلّة القبة بطرابلس. وليس أي تصريح، فقد تنوعت تلك الأوراق وتلوّنت بحسب ما يرتئيه العسكريون من تقسيم للمهام والأماكن في المخيم


راجانا حمية
كان حلمها بسيطاً. لا يشبه تلك الأحلام العصية على التحقيق. كان صغيراً.. «على قدّي»، تقول. مجرّد تمنٍّ، لا أكثر ولا أقل، بإقامة حفل زفافٍ «يضلّو الناس يحكوا فيه».
كانت صغيرة عندما راودها ذاك الحلم. كبُرت، وأصبحت الصبية المقبلة على زواجٍ قريب. في أحد الأيام من العام الماضي، افترضت الصبية أن حلمها اقترب من التحقق، عندما تحدّد موعد «كتب الكتاب». دعت الكل: أقارب وأصدقاء ومقرّبين، وطلبت من خطيبها أن يُكثر «المعازيم». عصر ذاك اليوم، استقلّ أهل العريس سياراتهم، قاصدين مكان إقامة العروس: مخيم نهر البارد.
إلى الحاجز، وصل «العرّاسة». العروس منتظرة في منزلها: في «معسكر» البارد. لم يخطر في بالها أن الواقفين عند الحاجز لن يدخلوا ومع ذلك فإن ما حلمت به سيتحقق، ولكن بطريقة أخرى: عرس «يضلّو يحكوا العالم فيه».
ففي ذلك اليوم، لم يدخل العريس بيت العروس. خرجت هي إليه.. لتكتب كتابها عليه عند الحاجز العسكري، بعدما رفض «الحاكم العسكري» إدخاله وعائلته لأنه لا يحمل تصريحاً يسمح له بعبور الحاجز إلى الداخل، وهو الآتي من مخيم عين الحلوة.
لم تنس تلك الصبية حفلها إلى الآن، تماماً كما لم ينس أبناء البارد أنفسهم الحادثة الشهيرة التي حصلت على أحد حواجز المخيم العسكرية، عندما حاول العسكري المناوب تفتيش تابوت أحد الأموات.
على ما يبدو، كل ما هو غير متوقع يحصل هناك، حتى بعد ثلاث سنوات على انتهاء الحرب المشؤومة التي احتاروا في تسميتها: أهي حرب على «الإرهاب» كما يقال؟ أم على البشر العاديين ويومياتهم كما يحصل فعلاً؟
مرت الحرب، لكن آثارها لم تُمح إلى الآن. فحتى هذه اللحظات، لا يزال المخيم، المعلن منطقة عسكرية، أشبه بثكنة. عسكر في كل مكان: عند المداخل، وفي قلب بعض أجزاء المخيم القديم. واليوم، ثمة وظيفة جديدة لهؤلاء العسكر غير الحراسة، وهي «مرافقة» الزائرين الغرباء، خاصة الصحافيين، إلى البارد، حتى درجت في المخيم عبارة «مع كل غريب عسكري هدية».
لم تغيّر السنوات في شكل المعسكر، لكنها غيرت في أساليب العسكر كاستبدال الجنديات المفتشات والاستعانة بآلات للتفتيش إلخ... تعدلت بعض الوظائف، إلا أن الحراسة لا تزال هي هي، تشتد كما العادة عندما تحدث خضّات أمنية أو بناء على تعليمات، أو تخفّ تبعاً للواقف عند الحاجز أو آمره. وهذا ما يطرح مسألة في غاية الأهمية تتعلق بالواقع العسكري المفروض على البارد. وفي هذا الإطار، تعود مديرة البرامج في المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان رلى بدران إلى بداية هذا الوجود، سائلة عن «مدى قانونية هذه الحالة العسكرية» المستمرة منذ بدء الحرب على فتح الاسلام الملتجئة الى البارد. تستند بدران إلى القانون اللبناني الذي ينص على أنه «في حالة الطوارئ، أي قرار بفرض حراسة عسكرية أو غير ذلك يفترض قراراً من مجلس الوزراء ومصادقة من المجلس النيابي». لكن، هل فرض الحالة العسكرية في البارد أتت استناداً إلى مثل هذه القوانين؟ ولئن كانت تلك الحواجز قد وُضعت استناداً إلى لقانون، فما الذي يبرر استمرارها؟ الجواب عن السؤال.. سؤال: هل لا تزال مقومات حالة الطوارئ، أصلاً، موجودة؟ ومن يحدد إن كانت هذه الحالة قد انتهت أم لا؟
لا أهل البارد يعرفون الجواب ولا قيادة الجيش تقدم لهم شرحاً أو مبررات لاستمرار هذا الوضع غير المقبول. ففي كل مرة تخرج فيه القيادة بتصريحٍ يقول بتخفيف الإجراءات على الحواجز وبإنهاء الحالة العسكرية «بعد فترة»، لكن، لا شيء بعد هذه التصريحات. لا بل إن أنواع «التصاريح» وألوانها زادت. فعدا التصريح الأزرق الخاص بمن يملك بيتاً في المخيم، هناك التصريح الأخضر، ثم الزهري، العائد في بعض الأحيان لزائري المخيم القديم، وعندك التصريح الأصفر لطلاب مجمع مدارس الأونروا وهو الحديث نسبياً، وهناك تصريح العمل العائد للعاملين في إعادة الإعمار في المخيم القديم (ترى ما لونه؟).
تصاريح. تصاريح. تصاريح. ومن لا يملكها، حتى لو كانت بطاقة هويته الزرقاء تثبت انتماءه للبارد، لا يمكنه الدخول إلى بيته. أما الإجراءات «فكل يوم بيومه»، تقول بدران. يوضح د. إدوار كتورة، مسؤول دائرة المؤسسات الأهلية في السفارة الفلسطينية سابقاً، ما يجري في البارد، فيقول إن تعاطي الجيش عند الحواجز وحتى القيادة ككل «هو تعاطٍ على أساس الصدمة، من دون رؤية واضحة». ويسأل «لماذا بهذا المربع الجغرافي البسيط، بدّك 3 أنواع تصاريح مثلاً؟». ثمة أسئلة كثيرة تقرب من الهواجس، وهي ما يتداولها أبناء المخيم منذ كثرت التصاريح «معقول يصير لكل برايم تصريح، أي 8 تصاريح على عدد البرايمات الثمانية؟ لماذا يحتاج الفلسطيني لتصريح كي يدخل بيته، في الوقت الذي يلفّ فيه لبنان ولا أحد يسأله وينك رايح؟». كل هذه الأسئلة تدفع كتورة للاستنتاج أن ما يجري في البارد هو «جزء بسيط من التركيبة الفلسطينية – اللبنانية، ولا يمكن حل مشاكل نهر البارد كنموذج مفصول عن غيره». وهنا، يطرح كتورة صيغة تفاهم كان قد طرحها الفلسطينيون على الدولة اللبنانية مكونة من ثلاثة بنود، «أولها العلاقة السياسية اللبنانية – الفلسطينية، وثانيها الموضوع الأمني والتنسيق الكامل مع الدولة وثالثها المرجعية المدنية». من دون صيغة التفاهم تلك، لا حل للبارد وحيداً.



وأخيراً، بعد سلسلة لقاءاتٍ بين قيادة الجيش والأونروا ولجنة متابعة إعادة إعمار مخيم نهر البارد، ألّفت رئيسة لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني مايا مجذوب لجنة لبنانية – فلسطينية، متخصصة بالتصاريح. لم تتحدد بعد الأسماء في تلك اللجنة، لكنها تضم ممثلين من لجنة الحوار ولجنة متابعة إعادة إعمار نهر البارد وقيادة الجيش ووكالة الأونروا والأمن العام، إضافة إلى المستشار القانوني الذي من المفترض أن يعيّنه رئيس الحكومة الأسبوع المقبل في لجنة الحوار، ليصبح عضواً في لجنة التصاريح. أما الهدف الرئيسي من تلك اللجنة، فهو التشاور مع المعنيين لتخفيف الإجراءات العسكرية المفروضة على البارد منذ ثلاث سنوات.