«نجم إرهابيّ» أم صورة صنعتها المصالح؟


جمانة فرحات
هل بات أنور العولقي خليفة زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن التائه، أم أنه مجرد واعظ ديني اجتمعت مصالح أطراف متعددة على استغلال ما يتمتع به مواصفات، لتحوله إلى رمز جديد للإرهاب العالمي تستفيد منه كلّ بحسب احتياجاتها؟
تساؤل يتبادر إلى الذهن بعد سلسلة من التطورات جعلت الإمام المتشدد يرتقي، في وقت قصير، من مجرد واعظ ديني يتقن اللغة الإنكليزية، ويتخذ من الإنترنت منبراً له، إلى «إرهابي عالميّ» لا يُحتمل خطره من وجهة نظر الاستخبارات الأميركية، ما دفع الرئيس الأميركي باراك أوباما، إلى ضمّه إلى قائمة «المطلوب القبض عليهم أو تصفيتهم»، بغضّ النظر عن مدى جدية واشنطن أو قدرتها على تنفيذ هذه الخطوة.
والتساؤلات عن الدور الجديد الذي يظهَّر فيه العولقي، المولود في الولايات المتحدة، تبررها جملة من الأسباب، إن من حيث توقيت تسليط الضوء عليه، أو من حيث طريقة تعامل الغرب مع قضيته، أو الأهداف التي يحققها وجوده لعدد من الأطراف.
فمن حيث التوقيت، جاء خروج أنور العولقي، المتهم بأنه العقل المدبر لسلسلة من الاعتداءات على الولايات المتحدة، إلى النور في وقت يشهد فيه الدور الإعلامي لزعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن تراجعاً ملحوظاً، في ظل محدودية إطلالاته أو ظهور نائبه أيمن الظواهري، وتضارب الترجيحات بين من يعتقد أن بن لادن متوفّى منذ حين، وبين الآخر المرجح لاختبائه على الحدود الباكستانية ـــــ الأفغانية، يكافح معاناته مع المرض.


تحوّل من مجرد واعظ دينيّ إلى «إرهابيّ عالميّ» لا يُحتَمل خطرُه
وفي الحالتين فإن المحصلة واحدة، فراغ في المشهد الإعلامي المرتبط بتهديدات «القاعدة» للغرب، كان لا بد من أن يملأه شخص آخر يمتلك مواصفات تجعل المواطنين الغربيين يشعرون بخطره وتهديده لهم، في كل حين، وأينما كان، بعدما اسُتنزفت تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول.
وهذا ما أتاحه الحديث عن تورط العولقي في التخطيط لعدد من الهجمات التي تستهدف الغرب، أبرزها مهاجمة الرائد في الجيش الأميركي نضال حسن لقاعدة «فورت هود» العسكرية في تكساس وقتله ثلاثة عشر جندياً أميركياً.
فالعملية حملت أهمية نظراً لكونها استطاعت أن تقرن العولقي بأول هجوم دموي عُدّ المحرض الرئيسي عليه، وذلك على عكس محاولة تفجير الطائرة الأميركية المتجهة إلى ديترويت عشية عيد الميلاد الماضي، أو عملية الطرود المفخخة، وهما عمليتان تكمن أهميتهما في أنهما أعادتا إحياء الشعور بغياب الأمن الجوي، الذي انتشر بعد هجمات الحادي عشر من أيلول، وكان مبرراً لسياسات أمنية مشددة لا تزال مستمرة حتى اليوم.
وللعولقي ميزات إضافية، قد تكون جعلت منه كنزاً ثميناً للاستخبارات الغربية والأميركية خصوصاً، لم يكن من الممكن أن تتخلى عنه ما دام في إمكانه أن يحقق لها أهدافها في ما يتعلق بتقديم التبرير لمواصلة حربها على الإرهاب من دون أن يدفعها ذلك إلى توسعتها.
فالإمام المتشدد يقيم في جنوب اليمن، وهي بيئة تبدو أكثر مناسبة لمنح الغربيين شعوراً إضافياً بالخوف. فالفوضى الأمنية تعمّ الجنوب إن بسبب انتشار الحراك الجنوبي، أو بسبب اتخاذ عناصر تنظيم «القاعدة» لبعض مناطقه مأوىً لهم. كذلك تتمتع المنطقة بمساحات صحراوية شاسعة، وجبال وعرة، يصعب الوصول إليها فتشكل مخابئ آمنة للعولقي، فضلاً عن حماية توفرها قبيلة العوالق الكبيرة لابنها المختبئ.
واستطراداً، يصبح من غير الصعب تبرير عدم قدرة الاستخبارات على إلقاء القبض على العولقي، أو حتى قتله، شأنه في ذلك شأن أسامة بن لادن المطارَد منذ سنوات.
وإن كانت الولايات المتحدة الأميركية تبدو أكثر المستفيدين من وجود العولقي، فإن هذا الأمر لا يمنع تلاقي مصالح الولايات المتحدة مع أطراف أخرى، تعتقد بدورها أن بإمكانها استغلال العولقي لتحقيق مكاسب لها، وفي مقدمتها تنظيم «القاعدة» والنظام اليمني. ويبدو هنا أن التنظيم يستغلّه لإعادة إحياء حملته الدعائية، من دون أن يأخذ العولقي، بالضرورة، صفة تنظيمية بين صفوفه، ولا سيما أن التنظيم يكتفي بأن يطلق عليه صفة «الشيخ الداعية».

النظام اليمنيّ يضاعف خطر «القاعدة» لاستجداء دعم عسكريّ وماليّ غربيّ
والملاحظ هو أن العولقي لم يبخل بأداء هذا الدور. فهو ظهر في مقابلة أجرتها معه مؤسسة «صدى الملاحم»، التي تمثل الجناح الإعلامي لـ«قاعدة الجهاد في جزيرة العرب». ويتولّى فتح أبواب جديدة أمام التنظيم للتجنيد، ولا سيما في الغرب، من خلال محاضراته باللغة الإنكليزية، التي يتقنها بطلاقة، ومن خلال ما يشاع من إشرافه على إصدار مجلة «إنسباير»، وهي أول مجلة لـ«القاعدة» تصدر باللغة الإنكليزية. كما أنه يعتمد في تسجيلاته الصوتية خطاباً تعبوياً متماهياً مع الدعوات العامة لتنظيم «القاعدة» لمقاتلة الأميركيين والأجانب، مركّزاً في الوقت نفسه على قضايا عامة، بينها العراق وفلسطين، إلى جانب خطاب مذهبيّ موجَّه ضد الشيعة وإيران، فيما الشخص الثاني في «قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» سعيد الشهري (سعودي)، الملقب بأبي بصير، يتولّى في خطاباته التركيز على مهمة التنظيم الأساسية، وهي مهاجمة السعودية من «أرض الجهاد والإعداد».
وكان لافتاً في خطبة بعنوان «نصرة للشيخ أنور العولقي» أذيعت للشهري، تعمّد الأخير مخاطبة العولقي ليس بوصفه قيادياً في التنظيم بل «مستغيثاً»، وصل إلى أيد أمينة لن تتخلى عنه وستوفر له ما يحتاج إليه.
أما الطرف الثالث المستفيد من تضخيم دور العولقي، فليس سوى النظام اليمني، الذي وضع الإمام اليمني في سجونه، قبل أن يعود ويطلق سراحه على غرار العديد من عناصر تنظيم «القاعدة» وقادته. ويستغلّ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، مضاعفة خطر التنظيم لاستجداء دعم عسكريّ وماليّ غربيّ، في الوقت الذي يعاني فيه من تعدد الجبهات المفتوحة ضده في الشمال والجنوب.


دعوى على أوباما وبرّرت المنظمتان الأميركيتان وقوفهما في وجه قرار أوباما بعدم تمتّع الأخير بصلاحية قانونية، تجيز له إصدار أمر باغتيال مواطن أميركي.
لكن الفتوى القانونية قد تكون حاضرة من خلال العودة إلى تشريع أقرّه الكونغرس الأميركي في عام 1940، يجرد أي مواطن، تلقائياً، من جنسيته، في حال ارتكابه عدداً من الأفعال، من بينها قسَم الولاء لقوة أجنبية أو الخدمة في جيش بلد في حرب مع الولايات المتحدة أو الخيانة.
وهو ما رأت صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية أنه ينطبق على العولقي، نظراً لدوره في الهجوم على قاعدة «فورت هود»، والمحاولة الفاشلة لتفجير طائرة فوق ديترويت.