منذ «غزوة» الكابيتول في السادس من كانون الثاني مطلع العام الحالي، يعاني دونالد ترامب، هو ومريديه، من حملة إقصاء كبيرة في الفضاء الرقمي. الرجل الذي استخدم «تويتر» سلاحاً ضد معارضيه، ومنصة تتويج لمن سار على دربه، اندثر وجوده على منصات التواصل الاجتماعي كلها، وخبتت معه شعلة الـ«MAGA» (اجعل أميركا عظيمة مجدداً).


عاقب عمالقة التكنولوجيا ترامب، كونه برأيهم، جمع عصابة مارقة من الأميركيين، وأرسلهم لاحتلال مبنى الكابيتول ووقف عملية تنصيب جو بايدن رئيساً. ومن يومها، فشل ترامب مرّتين في أن يجد مكاناً له داخل عالم الأصفار والآحاد، فهل تنجح «غيتر» GETTR في تقديم هذه الهدية له؟

«GETTR» هي منصة للتواصل الاجتماعي، مديرها التنفيذي، جايسون ميلر، مساعد ترامب والمتحدث باسمه سابقاً، وهي منصة مطابقة لـ«تويتر» في الشكل وطريقة العمل. لونها أحمر، عكس المنصات الزرقاء الأخرى، وشعارها يدٌ ترفع مشعلاً من لهب (رمز إلى تمثال الحريّة).
ويسع المنشور 777 حرفاً، أما الاسم فهو اختصار لـ(Getting Together) بمعنى «لنصبح معاً». تم إطلاق المنصة كنسخة تجريبية في الأول من تموز الجاري، وتم إصدار النسخة الكاملة منها تزامناً مع عيد الاستقلال الأميركي، في الرابع من تموز، وهو يوم لاستقلال الشعب الأميركي عن آلهة وادي السيليكون بحسب ما نشرت منصة التواصل. وحصدت مليون مستخدم خلال 3 أيام بحسب ميلر. وهي موجودة على متجري «آبل» و«أندرويد»، كما يمكن الدخول إليها من الويب.

ذراع الحزب الديمقراطي
يمكن القول إن ترامب، هو أكثر من استفاد من منصة «تويتر» على الإطلاق. وعلى الرغم من ذلك، لم تكن العلاقة جيدة بتاتاً بينه وبين عمالقة شركات التكنولوجيا. الرئيس الـ45 كان يرى في تلك الشركات ذراعاً رقمية للحزب الديمقراطي. واتهمها مراراً بأنها تحجب محتوى وأفكار الحزب الجمهوري، وتبدّي عليها فلسفة الحزب الأزرق.

يوم خروجه من البيت الأبيض، ومن قاعدة أندروز للقوات الجوية في واشنطن، قال ترامب لأنصاره إنه سيعود بشكل ما إلى الفضاء الرقمي، بعد أن تم اجتثاثه مع أقطاب ومؤثرين يدورون في فلكه من منصات التواصل الاجتماعي (فايسبوك، تويتر، إنستغرام، يوتيوب). وخلال أسابيع قليلة، برز تطبيق جديد، اسمه «بارلر»، وما لبث أن بدأ أنصار الرئيس السابق بالهجرة إليه، حتى تمت قرصنته بدايةً، ومن ثم أزالته شركة استضافة المواقع الإلكترونية من خوادمها وبعدها أوقف عن متاجر «آبل» و«أندرويد».

بعدها، حاول ترامب الوصول إلى قاعدته الشعبية، عبر صفحة جديدة إضافية على موقعه الإلكتروني الرسمي، وكانت بشكل مدونة رقمية. لكن بعد أسابيع على إنشائها، أوقفت، حيث لم تكن جذابة ولم تصل إلى جميع الناس.



خلال مطلع الشهر الماضي، استقال جايسون ميلر من مهامه ضمن فريق ترامب، وقيل يومها إنه يستعد لإطلاق منصته الخاصة للتواصل الاجتماعي. وبحسب موقع «بلومبرغ» الذي نقل عن شخص على علم بهذا الأمر، كشف أن لا علاقة للرئيس السابق بمنصة «GETTR». وأن لا خطط له للمشاركة فيها. ويقول موقع «بوليتكو»، إن علاقة ترامب ومدى انخراطه في منصة التواصل غير واضحة، لكن الموقع نقل عن شخص على اضطلاع بالتطبيق قوله، إن «الرئيس السابق سيقوم بأخذ قرار دخوله المنصة من عدمه بنفسه. وإن حساباً على «GETTR جاهز ومحجوز وبانتظاره متى أراد ذلك... ونحن نرحب بهذا الأمر».

من الواضح أن ترامب لا يريد لمنصة «GETTR» أن تكون موقّعة باسمه، أولاً كي لا تتم محاربتها وشيطنتها، وثانياً هو يريد أن يراقب عن بعد مدى نجاحها في استقطاب المستخدمين، كي يكون دخوله إليها ذي شأن.



لكن بمعزل عن ذلك كله، وبجولة قصيرة داخل المنصة الحمراء، يمكن القول إنها أصبحت بالفعل المقر الرسمي لأنصار ترامب. نظريات المؤامرة كلها هنا، من بيل غيتس إلى أنتوني فاوتشي وصولاً إلى «كيو أنون». والأمر الأساسي الذي سرّع هذه العملية، هو أن «GETTR»، يسمح للمستخدمين، إذا ما اختاروا اسم المستخدم «UserName» نفسه الذي لديهم على «تويتر»، أن يجلبوا كل تغريداتهم بالإضافة إلى متابعيهم «followers». وهذا ما جعل من بعض المؤثرين على «تويتر»، بالانتقال إلى «GETTR» بنفس عدد المتابعين، وهو أمر أساسي وذكي من جانب المنصة الحمراء.

لكن هذا الأمر لفت انتباه «تويتر»، التي سارعت إلى منع هذه الخدمة في الساعات القليلة الماضية. ومن جهته، شن جايسون ميلر حرباً عليها، قائلاً إنها تحتجز منشورات المستخدمين، ولا تتعامل على أنها منصة تواصل بل ناشر، وطالب بتعديل المادة 230 من قانون الاتصالات الذي يحمي تلك المنصات من المسؤولية عن ما ينشره الناس عليها. وهي المادة القانونية نفسها التي كان يهدد ترامب عمالقة التكنولوجيا بتعديلها.

لا شك أن «GETTR» ستكون واحة الـ«MAGA» في هذه الصحراء الرقمية، ومن المتوقع أن دخول ترامب إليها هي مسألة وقت. وستسمح له بتصدير أفكاره وشد أواصر قاعدته الشعبية وربما تثبيتها بشكل أكبر، خصوصاً إذا ما قرر خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2024.