مع كل عملية «قتل جماعي»، ومع كل احتجاج يتحول إلى أعمال عنف وشغب، تعود المجموعات العنفية والمليشيات، إلى واجهة المشهد الأميركي. هذه المجموعات، صنّفتها الاستخبارات الأميركية، في تقرير نشرته قبل أسبوع، على أنها «تهديد متصاعد» لأمن الولايات المتحدة الأميركية. فما هي قصتها؟
تعود جذور الميليشيات في الولايات المتحدة الأميركية إلى ما قبل التأسيس والاتحاد. فهي بدأت بالانتظام بداية، على أيدي المستوطنين البريطانيين الجدد في القارة الأميركية، بهدف محاربة السكان الأصليين، وإنفاذ قوانين التاج البريطاني في المستعمرات، وصدّ الغزاة الخارجيين، لتنخرط في مرحلة لاحقة في الثورة ضد الحكم البريطاني، التي انتهت باستقلال المستعمرات الـ13، التي تشكلت منها الولايات المتحدة الأميركية.
في العام 1791، أُدخلت 10 تعديلات على الدستور الأميركي، سُمّيت «وثيقة الحقوق». وفيها، نصّ «التعديل الثاني»، على: «لما كانت الميليشيات الحسنة التنظيم ضرورية لأمن الدولة الحرة، فلا يجوز مصادرة حق الناس في اقتناء السلاح وحمله». وقد أُدخل هذا التعديل، في حينه، لطمأنة الخائفين من النظام الفدرالي.
في العام التالي، صدر القانون الأول الذي يُنظّم ميليشيات الدولة، المُكوَّنة من ميليشيات الولايات. وقد أعطى القانون، في ذلك الحين، لرئيس الدولة، صلاحية تحريكها في حالات التمرد والغزو. وفيما بعد، تطورت التشريعات وعُدّلت، حتى بلوغ العام 1903، إذ صدر قانون يُحدّد الأُطر الميليشيوية، بالتالي: المنظمة، وهي المُكوَّنة من «الحرس الوطني» وميليشيا البحرية، في كل ولاية ومقاطعة؛ وغير المنظمة، وهي ميليشيا الاحتياط المُكوَّنة من رجال الولاية أو المقاطعة ما بين الـ17 والـ45 سنة، وغير المنخرطين في الميليشيا المنظمة. في السنوات التالية، عُدّل القانون أكثر من مرة، حتى تمّ في العام 1933، تشكيل «الحرس الوطني» للولايات المتحدة، وهي قوات احتياط تابعة للجيش، مُكوّنة من «الحرس الوطني» في الولايات والمقاطعات، لتصبح هذه، هي ذاتها، الميليشيا المنظمة التابعة لكل ولاية ومقاطعة، وفق تحديدات قانون 1903.
في الأساس، يخضع «الحرس الوطني» للولاية أو المقاطعة، بشكل مباشر، لإمرة حاكمها، إلا حين تعبئتها من قبل رئيس الدولة، الذي يُعطيه القانون صلاحية نشرها، أينما يريد، داخل الأراضي الأميركية، وخارجها، من دون إذن الحاكم. وفيما يتعلق بالمهام التي توكل إليهم، يخدم عناصر «الحرس الوطني»، البالغ عددهم نحو 450 ألف عنصر، كقوة إنفاذ قانون في حالات التمرد والشغب والفوضى والمخاطر المحتملة، وكعمال إغاثة خلال الكوارث وحالات الطوارئ، وكجنود دعم للمهام العسكرية خارج الحدود.
بالتوازي مع ما سبق، نمت على امتداد التاريخ الأميركي، وتحديداً بعد الحرب الأهلية (1861-1865) ميليشيات على أسس إيديولوجية متنوعة، بعضها يحمل أفكاراً متطرفة، وقد كانت في غالب الأوقات في الطرف المعارض للحكومة الفدرالية. هذه الميليشيات استندت في نشأتها إلى ما تعتبره حقها في حمل السلاح الذي، بالنسبة إليها، يكفله لها «التعديل الثاني» في الدستور. وهو أمر تنقسم عليه النخب الأميركية وأهل القانون والمجتمع الأميركي برمته. وقد شكل مادة جدلية منذ بدء انتشار هذه الميليشيات بعيداً عن القوانين التي نظمها الكونغرس وحدد أُطرها وأدوارها.
وصل عدد المجموعات المناهضة للحكومة الفدرالية في العام 2012، إلى 1360 مجموعة


ويرتبط ارتفاع نشاط هذه الميليشيات وانتشارها، وضمورها، بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الداخل الأميركي، وتنسب إليها، على الأقل خلال العقدين الأخيرين، عشرات عمليات القتل الجماعي التي تُصنّفها الحكومة تحت خانة «الإرهاب الداخلي»، أضخمها «تفجير أوكلاهوما» في العام 1995، الذي استهدف مبنى فدرالياً في ولاية أوكلاهوما، وأسفر عن مقتل 168 وإصابة 600 آخرين.
وكان نشاط هذه الميليشيات ارتفع بشكل ملحوظ، في ما بعد انتخاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، على خلفية أصوله الأفريقية، وهو ما اعتبرته المجموعات التي تؤمن بتفوّق العِرق الأبيض، تهديداً للهوية الأميركية وسكانها الأوائل. فبحسب «Southern Poverty Law Center»، بلغ عدد المجموعات المناهضة للحكومة الفدرالية، في العام 2008، أي قبل وصول أوباما إلى الحكم، 149 مجموعة. ومع وصول الرئيس الديمقراطي للحكم، في العام 2009، قفز عددها إلى 512 مجموعة، ووصل إلى الذروة في العام 2012، مع بلوغه 1360 مجموعة. ومع وصول الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عادت هذه المجموعات إلى الصورة من جديد، والمفارقة هنا، أن كثيراً من هذه المجموعات التي كانت دائماً ما تقف في موقع المعارض للحكومة الفدرالية، تماهى خلال الولاية الرئاسية الماضية مع حاكم البيت الأبيض.
وبحسب «Southern Poverty Law Center»، وصل عدد المجموعات المناهضة للحكومة الفدرالية، في العام 2019، إلى 576، من بينها 181 ميليشيا مسلحة. وقد كان التماهي بارزاً في محطتين بارزتين؛ الأولى في أيار 2020، إذ شهدت ولايات أميركية احتجاجات وأعمال شغب، بعد قتل شرطي أبيض مواطناً أميركياً من أصول أفريقية، هو جورج فلويد. وحينها، تحركت ميليشيات مؤيدة لتفوّق العِرق الأبيض في وجه أعمال الشغب، التي اتُّهمت مجموعات يسارية بالوقوف وراءها. والمحطة الثانية، كانت تزخيم ترامب خطابه الشعبوي خلال فترة الانتخابات الرئاسية، وادعاءه بعد صدور النتائج حصول تزوير فيها، وهو ما انتهى إلى اقتحام مناصرين لترامب مبنى «الكابيتول» في العاصمة واشنطن، خلال جلسة التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية. وقد وثّقت الصور وجود مسلحين من بين المقتحمين، وهو ما أكدته التحقيقات في ما بعد. وقد شهدت الفترة التي سبقت حفل تنصيب الرئيس الديمقراطي الجديد، جو بايدن، استنفاراً أمنياً، حوّل العاصمة واشنطن إلى ثكنة عسكرية، في مشهد غير مسبوق، بسبب تحذيرات صدرت من أجهزة الاستخبارات، عن نية لدى مجموعات مسلحة مناهضة، ومؤيدة لترامب، تخريب حفل التنصيب عبر اقتحام مقرات رسمية وتنفيذ أعمال شغب. وبحسب ما أفادت به صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، خلال تلك الفترة، وصل عدد أفراد الميليشيات النشطة إلى 20 ألف عنصر، خمسة آلاف منهم من قدامى المحاربين. وبحسب الصحيفة الأميركية، يتوزع هؤلاء على 300 مجموعة وميليشيا.

أشهر الميليشيات

ميليشيا «كو كلوكس كلان»: هي من أقدم الميليشيات المتطرفة وأكثرها شهرة. تؤمن بتفوّق العِرق الأبيض المسيحي، وتسعى لتحويل النظام من فدرالي إلى كونفدرالي. قُدّر عدد أعضائها خلال ذورة انتشارها، في عشرينيات القرن الماضي، بستة ملايين فرد.

«جيش الرب»: ميليشيا تشكلت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وهي مسيحية متطرفة معارضة للسلوكيات التي «تخالف الدين». تُصنّف الحكومة الأميركية أعمالها على أنها «إرهابية».

«الثلاثة بالمئة»: ميليشيا أُنشئت في العام 2008، لمواجهة تدخل الحكومة الفدرالية في الولايات والوقوف في وجه المناهضين لـ«التعديل الثاني» في الدستور. يعود اسمها إلى اعتقاد يؤمن به بعض الأميركيين، بأن ثلاثة في المئة منهم، هم من حمل السلاح في وجه البريطانيين، خلال ثورة الاستقلال. تُصنف هذه الميليشيا من قبل الدوائر الأمنية، أنها من بين الأخطر.

«حراس العهد»: تأسّست سنة 2009، وهي ميليشيا يمينية متطرّفة، تشكلت بعد وصول أوباما إلى البيت الأبيض. تُعرّف عن نفسها بأنها مُكوّنة من جميع من أقسموا على الحفاظ على الدستور وحمايته من جميع الأعداء المحليين والخارجيين. تسعى إلى ضم قدامى المحاربين إلى صفوفها، وهي تدّعي أنها مُكوّنة من قرابة 35 ألف عنصر مسلح.

«بوغالو»: هي من الميليشيات التي تؤمن بتفوّق العِرق الأبيض، تأسّست في العام 2012، وبرزت بقوة بعد مقتل جورج فلويد، الأميركي من أصول أفريقية، خنقاً، تحت ركبة شرطي أبيض، في العام 2020، إذ تحركت في وجه ما تلى الحادثة من احتجاجات عنيفة وأعمال شغب استمرت لعدة أيام في ولايات عديدة.

«براود بويز»: هي ميليشيا يمينية متطرفة، أُنشئت في العام 2016، تدافع عن القيم الغربية، ويؤمن كثير من أعضائها بتفوّق العِرق الأبيض، وكانت من أبرز الداعمين لخطاب ترامب.

«NFAC»: معروفة إعلامياً باسم «ميليشيا السود». ظهرت في العام 2020، في ردّ فعل على تكرار حوادث قتل الأميركيين من ذوي البشرة السوداء، على أيدي رجال شرطة بيض. من أهدافها حماية أبناء مجتمع العِرق الأسود وتعليمه حمل السلاح.

«أنتيفا»: وهي ميليشيا يسارية مناهضة للتطرف اليميني والنظام الرأسمالي، توعّدها ترامب بتصنيفها في «لوائح الإرهاب».