تواصلت الاحتجاجات والتظاهرات ضد العنصرية وعنف الشرطة في الولايات المتحدة حتى وقت متأخر من ليل الثلاثاء ـــ الأربعاء، رغم المواجهات مع الشرطة وتهديدات الرئيس دونالد ترامب المصمّم على إعادة فرض النظام ملوّحاً باستخدام الجيش.

غير أن الحدث الأبرز اليوم، كان تمايز وزارة الدفاع الأميركية بموقف مخالف للبيت الأبيض؛ إذ قال وزير الدفاع مارك إسبر، اليوم، إنه يعارض استخدام القوات العسكرية لإنفاذ القانون في ضوء الاحتجاجات الحالية.
وفي مؤتمر صحافي، بعد أقلّ من 48 ساعة على تهديد ترامب باستخدام «قانون الانتفاضة - 1807» لاحتواء الاحتجاجات، إن لم يكن حكّام الولايات قادرين على التعامل معها، أشار إسبر إلى أن هذا القانون يجب اللجوء إليه «فقط في الحالات الأكثر إلحاحاً... ونحن لسنا في مثل هذا الموقف الآن».
وكان إسبر، بتحفيز من ترامب، قد سمح بالفعل بنقل حوالى 1300 وحدة من الجيش إلى قواعد عسكرية خارج العاصمة مباشرة، لكنهم لم يدخلوا المدينة؛ ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية عن مسؤولين عسكريين، قولهم إن بعض القوات بدأت في العودة إلى قواعدها الأصلية، اليوم الأربعاء.
وألمح اليوم مسؤولون في البيت الأبيض إلى تراجع ترامب عن التذرّع بالقانون لقمع الاحتجاجات، ولكن الأخير جادل بأن «عرض القوة الهائل» تسبّب في هدوء التظاهرات، مكرّراً انتقاده للحكام لأنهم لم ينشروا «الحرس الوطني» بشكل كامل.

«جريمة مروّعة»
بلهجة حادة وصريحة، انتقد إسبر في مؤتمر صحافي في البنتاغون، تصرفات شرطة مينيابولس في الحادث الذي وقع الأسبوع الماضي والذي أشعل الاحتجاجات.
وكان إسبر قد تعرّض لانتقادات لاذعة، منها ما صدر عن كبار الضباط المتقاعدين، لأنه كان من بين الشخصيات التي رافقت ترامب خلال خروجه من البيت الأبيض مساء الاثنين، لالتقاط صورة رئاسية أمام كنيسة كانت قد تعرّضت لأضرار من التظاهرات.
وبرّر إسبر تواجده بأنه لم يكن يعلم أنهم يتجهون نحو الكنيسة، ولم يكن يعرف ماذا سيحدث هناك، وأضاف: «لم أكن أعلم أن هناك صورة فوتوغرافية... ولا أن الشرطة فرّقت بالقوة متظاهرين سلميين لتمهيد الطريق» أمام ترامب.
وجاء موقف إسبر بعدما كشفت وكالة «أسوشييتد برس» أن وزارة الدفاع وضعت بالفعل خطط طوارئ لنشر الجيش إذا لزم الأمر، بما في ذلك ترتيب نشر فرق عسكرية لحماية البيت الأبيض والمقرات الفيدرالية الأخرى، في حال تدهور الوضع الأمني ولم يتمكن «الحرس الوطني» من حمايتها.

تظاهرات أكثر هدوءاً
على الأرض، سار المتظاهرون اليوم الأربعاء في تظاهرات سلمية تطالب بإنهاء وحشية الشرطة، بعد ليلة أكثر هدوءاً من الليالي السابقة.
وتحدّى المتظاهرون في نيويورك وفي لوس أنجلوس، حظر التجول حتى وقت متأخر من الليل، مع تسجيل عدد أقل من أعمال النهب والتخريب من الليالي السابقة. وقال عمدة نيويورك بيل دي بلاسيو: «الليلة الماضية خطونا خطوة إلى الأمام للخروج من هذه الفترة الصعبة التي مررنا بها في الأيام القليلة الماضية والانتقال إلى وقت أفضل».
وقالت شرطة نيويورك إنها اعتقلت نحو 280 شخصاً بتهم تتعلق بالاحتجاج ليلة الثلاثاء، مقارنة بـ 700 شخص في اليوم السابق. وفي عموم أميركا، ارتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 9000 منذ اندلاع أعمال التخريب والحرق، فيما تم الإبلاغ عن 12 حالة وفاة على الأقل.
وبينما وجّهت تهم القتل من الدرجة الثالثة والقتل الخطأ من الدرجة الثانية إلى الضابط الذي قتل جورج فلويد، بشكل مباشر، وأقيل ثلاثة ضباط آخرين كانوا في مكان الحادث ولكن لم توجه إليهم اتهامات، دعت عائلة فلويد، في زيارة اليوم الأربعاء، إلى ضريح مؤقت أقيم في زاوية شارع مينيابولس حيث مات جورج، إلى القبض على الضباط الآخرين؛ وهو ما ردّده محاميه بن كرومب.
وخلال تظاهرات ليل الثلاثاء ــ الأربعاء، استخدمت قوات الشرطة والحرس الوطني الغاز المسيل للدموع وغيره من وسائل تفريق الحشود، بالقرب من منطقة الشرطة في سياتل، وفي وسط أتلانتا وفي تامبا وسانت بطرسبرغ وفلوريدا.

ردود عالمية
من ناحيته اعتبر البابا فرنسيس اليوم الأربعاء أن أي شكل من أشكال العنصرية «غير مقبول»، معلقاً على مقتل جورج فلويد، مندداً في الوقت نفسه بأعمال العنف خلال التظاهرات التي تلت. ودعا إلى «الصلاة لراحة نفس جورج فلويد ولكل الذين قضوا بسبب خطيئة العنصرية».
وأضاف: «في الوقت نفسه علينا الإقرار بأنّ العنف الذي شهدته الليالي الأخيرة هو تدمير ذاتي (...) لا مكسب من العنف في حين أنّ أشياء كثيرة أخرى تضيع»، وذلك في رسالة إلى الناطقين باللغة الإنكليزية.
وواجهت الولايات المتحدة انتقادات غير معتادة من حلفائها، من بينهم ألمانيا وبريطانيا وأستراليا. كذلك، اعتبرت إيران، من جهتها، على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي، أن وفاة جورج فلويد كشفت عن «طبيعة أميركا» و«ما فعلته دائماً مع العالم بأسره».
وتعهّد وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير، الأربعاء أن «(يخضع) كل خطأ وتجاوز وكلمة، بما في ذلك العبارات العنصرية لعقوبة»، وذلك غداة تظاهرات خرجت في باريس للتنديد بـ«عنف الشرطة» في أعقاب الاحتجاجات المناهضة للعنصرية في الولايات المتحدة.
وتظاهر حوالى 20 ألف شخص في باريس، أمس، خلال تجمّع غير مرخص له بدعوة من عائلة أداما تراوري الشاب الأسود الذي توفي في عام 2016 بعد توقيفه. واستخدم المتظاهرون شعارات الحركة في الولايات المتحدة.
وأُوقف 18 شخصاً خلال حوادث في نهاية التظاهرة بين الشرطيين والمتظاهرين. في موازاة ذلك أُوقف سبعة أشخاص وأصيب عشرة شرطيين بجروح طفيفة في حوالى عشرة تجمّعات في مدن فرنسية أخرى.