أثار انتشار فيروس «كورونا» في الولايات المتحدة، والارتفاع الكبير في عدد الإصابات، جدلاً كبيراً، وخلّف تساؤلات حول الأسباب التي دفعت بالدولة «الأكثر تطوراً» في العالم لتكون الأولى في أعداد الإصابات، حيث سجلت حتى الآن نحو 190 ألف إصابة، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى أكثر من 4000. وعلى مدار الأسابيع الماضية انشغلت وسائل الإعلام الأميركية بتحليل أسباب سرعة تفشي الفيروس؛ وتقاطعت تلك التحليلات في تحميل سوء تصرّف الإدارة الأميركية المسؤولية الأبرز، ولا سيما تقليل رئيس البلاد دونالد ترامب، من خطورة «كورونا»، عبر تأكيده ــ خلافاً لرأي مسؤولي الصحة ــ أن تحوّل الانتشار إلى «محلي» ليس أمراً «حتمياً».

مع توالي الإصابات، بدت واشنطن عاجزة عن رصد الأشخاص الذين كانوا على تواصل مع المصابين بشكل فعّال، ولم تتوفر الفحوصات على نطاق واسع لكشف الإصابات بالفيروس. وبداية، رفضت الحكومة الأميركية رفع بعض القيود التي تمنع الولايات من تطوير فحوصها بنفسها؛ ولم يتم ذلك إلا في 29 شباط/ فبراير الماضي، يوم حصول أول وفاة في الولايات المتحدة، وبعد أكثر من شهر على رصد أول إصابة.
في هذا السياق، قال مدير قسم طب الطوارئ في جامعة «جون هوبكينز» الأميركية، غابور كيلن، إنه «لو تمكنّا من رصد الذين تواصلوا مع الأشخاص المصابين، لكنا ربما عثرنا على المزيد من الحالات بشكل سريع، وعزلنا مواقع الانتشار الكبير»، وفق ما نقلت عنه وكالة «فرانس برس».
وسعى مسؤولون أميركيون للدفاع عن موقفهم، فردّدوا أن الفحوص التي طورتها كوريا الجنوبية مثلاً، وهي البلد النموذجي على صعيد استراتيجية الرصد الجماعي للإصابات، كانت تعطي أحياناً نتائج إيجابية بالخطأ. لكن غابور كيلن يرد: «الأمر الذي أعلّمه لتلاميذي في الطب: أي شيء أفضل من لا شيء، وكلما كان الوقت أبكر كان الأمر مجدياً أكثر».
أما أستاذ الصحة العامة في جامعة «هارفرد» توماس تساي، فقال لـ«فرانس برس» إن «الولايات المتحدة ليست مجموعة موحّدة، فهناك خمسون ولاية مع تحركات مختلفة قرّرها الحكام وإدارات الصحة العامة المحلية»، محذراً من أن الاستمرار في «ردود متباينة» بين الولايات تستهدف حركة الأشخاص، قد تجعل ولايات جديدة تشهد انتشاراً للوباء شبيهاً بما يحصل في نيويورك.

لم تتوقّف حركة الطيران فوق الولايات المتحدة


وبينما توقّعت وسائل إعلام أن يكون عدد الإصابات المعلن عنه حتى الآن «أقل بكثير من الحالات الفعلية»، حاولت بالتوازي تحديد أسباب فشل السلطات في مجابهة الأزمة. فتساءلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن «السبب الذي يجعل من الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأكثر تقدماً في مجال الطب تواجه صعوبات قصوى في تشخيص فيروس كورونا؟ ولماذا لا تظهر نتائج التشخيص مبكراً؟ وكم عدد الأميركيين الذين يحملون الفيروس في الحقيقة؟». وأرجعت الصحيفة صعوبات الفحص الطبي إلى سلسلة الإجراءات الفاشلة التي تبناها البيت الأبيض ومركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها وإدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، التي تربك الناس حول أماكن الحجر الصحي وطرق الكشف عن الفيروس.
في المقابل، عدّدت شبكة «CNBC» الأسباب المرجّحة لهذا التعثّر، كالتالي:
- قرار «مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» تطوير تقنيات التشخيص ذات الصلة في بداية انتشار الوباء، وتجاهله عينات كشف الفيروس التي قدمتها «منظمة الصحة العالمية» لأكثر من 50 دولة. كما أن المركز تجاهل تهديدات انتشار الفيروس في البلاد، ولم يتواصل بصورة جيدة مع مؤسسات الصحة العامة المحلية، ما أدى إلى تأجيل تبني تدابير فعّالة لاحتواء تفشي الوباء في بداياته، وبالتالي فشِل في اكتشاف مصدر العدوى والتحكم به بشكلٍ فعّال.
- لجوء المركز إلى تقييد معايير الكشف عن الفيروسات، ما أدى إلى قبول قليل من المواطنين الحجر الصحي في بدايات تفشي المرض.
- توزيع المركز اختبارات الفيروس على مختبرات الصحة العامة فقط في البداية، ما أدى إلى عدم مشاركة المختبرات الجامعية والمعامل التجارية في الفحص الطبي، وعدم تلبية احتياجات عامة الناس في الحجر الصحي.
- التكلفة العالية للحجر الصحي بالنسبة إلى الأميركيين العاديين وانقطاعهم عن أعمالهم، الأمر الذي دفعهم لمتابعة أعمالهم من دون الحجر على أنفسهم في المنزل.
- الكلفة العالية لفحوص «كورونا» خاصة لأولئك الذين لا يشملهم التأمين الصحي، وتأخر مجلس الشيوخ الأميركي، في إقرار مشروع القانون بشأن المساعدة في علاج الوباء حتى 18 من آذار الماضي، الذي وقّع عليه ترامب ليصبح قانوناً سارياً، وبهذا ستوفر الحكومة الأميركية فحصاً مجانياً لجميع المواطنين، ومن المتوقّع أن يكلف المشروع أكثر من 100 مليار دولار.

نشاط الطيران
رغم تصدّر الولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر تضرّراً بالوباء من حيث عدد الإصابات إلا أن سماءها بقيت مكتظّة بالطائرات. وقبل يومين نشر موقع «flightradar24» المتخصّص فى متابعة الرحلات الجوية، صورتين تظهران حركة الطيران، الأولى لرحلات الطيران فوق الولايات المتحدة، والثانية لحركة الرحلات في أوروبا؛ وبالمقارنة بين الصورتين، تبيّن أن كثافة الطيران فى سماء الولايات المتحدة أضعاف مثيلتها في الدول الأوروبية، بما يعكس توخي دول القارة العجوز الحذر بعدما أصبحت بؤرة لتفشي الوباء عالمياً، على خلاف الولايات المتحدة.