تنتشر منتديات وملتقيات ثقافية في عدد من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، يعدّها القيّمون عليها جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني وتاريخه الحضاري. وتهدف، برأيهم، إلى مواكبة الحركة الثقافية الفلسطينية، والعمل على تنظيمها وتنشيط فعاليتها في أوساط شرائح اللاجئين الفلسطينيين كافة، من خلال برامج ونشاطات ثقافية واجتماعية تحمل رسالة الثقافة للأجيال المقبلة، بطريقة إبداعية وتنموية خلاقة، قادرة على إحداث تغيّر نوعي في الواقع الثقافي الفلسطيني بشكل عام.

«الأخبار» جالت على عدد من المخيمات الفلسطينية في محيط دمشق، لتنقل انطباعات عن بعض المبادرات الثقافية الفردية، وتلك الجمعية في تأسيس هذه المنتديات والملتقيات الثقافية، ومنها منتدى «كوشان» في مخيم خان دنون، الذي يضع شعاراً «فلسطين تستحق - المخيم يستحق»، ووفق أمين سرّه، زكريا السيد أحمد، فإن هذا الشعار «تعبير حقيقي عن هدف كوشان».

انتماء وتشبث بالعودة
يرى أحمد أن الملتقى «إطار ثقافي وطني فلسطيني، يعنى بالحفاظ على الهوية الفلسطينية من خلال تكريس ثقافة وطنية سليمة في جميع مفرداتها وعلى الصعد الفكرية والأدبية والفنية والتراثية كافةً، بالاعتماد على الطاقات والإبداعات في المخيم، وكل من يرى نفسه قادراً على العطاء الوطني، وتقديم كل ما هو متاح لتكون محطة وطنية يعبّر فيها الجميع عن صدق الانتماء والتشبث بالعودة إلى فلسطين الكاملة».
محطات مهمة في مسيرة «كوشان»، يشير إليها أحمد، إذ أقيمت على مدار السنوات، ومنذ تأسيسه إلى الآن، عدة فعاليات، منها ندوة «شعب يأبى النسيان»، و«كاتبات واعدات»، و«فلسطين في الدراما السورية»، و«الفن التشكيلي الفلسطيني - تاريخ وطموحات»، وغيرها من الندوات والفعاليات التي شارك فيها مثقفون ومبدعون فلسطينيون وسوريون.
يشير أحمد إلى أن العديد من الورشات الحوارية التثقيفية الأسبوعية التي أقامها المنتدى، تناولت مواضيع تخص القضية الفلسطينية، الغاية منها «نشر الثقافة الوطنية الفلسطينية والتحريض على البحث الموضوعي في التاريخ وفي الفكر، وبناء الشخصية الفكرية المثقفة عند المشاركين»، ومن بين هذه القضايا «التيارات الفكرية في الوطن العربي»، و«اليهود في التاريخ ونشوء الحركة الصهيونية»، و«فلسطين في التاريخ القديم».

«بالدم نكتب لفلسطين والوطن العربي»
يبحث الفلسطينيون في هذه الملتقيات عن الملاذ الدافئ، ومحاكاة الوطن عبر خطاب الروح والجمال، وهي أيضاً الرافد الرئيسي ثقافياً في مسيرة بناء العقل ضمن مسار إبداعي في خدمة الثقافة الفلسطينية. في مخيم السيدة زينب، بدأ «ملتقى مخيم الشهداء الثقافي»، كما يبيّن أمين سره فادي عيسى: «الملتقى حالة إنسانية وطنية جميلة، تجمع ثقافات مختلفة من أدب وفن تشكيلي وموسيقى وشعر، ضمن توليفة تصنع إنساناً ووطناً، لنفهم الحياة بطريقة شفافة وبدون ظلامية، فالوطن بحاجة إلى كل مبدع، وكل محب للجمال، ولكل من حمل وردة وقلماً وبندقية». يواجه أبناء مخيم السيدة زينب، مثل كل أبناء المخيمات الفلسطينية والشعب السوري، تداعيات الحرب في سوريا والقضية الفلسطينية، ما أعاق على الأنشطة الثقافية وغيرها. يؤكد عيسى أن الملتقى، وهو المعنيّ بالشعر والسرد والفن والفكر، تخطّى بعض التحدّيات، لكن الامتحان الأصعب والشاقّ كان في سنوات الحرب، إلا أنها لم «تزدنا إلا إصراراً وعناداً في نشر رسالة الملتقى الوطنية، ورسالته المقاومة، وبجهود ذاتية محدودة، وقد تمكّن الملتقى من تقديم الإنجازات، وإحياء النشاطات بإرادة قوية، صلبة وقد لاحت بوادر النجاح وظهرت ملامحها بالاهتمام والحضور والمشاركات الفعّالة، والعلاقات التي تم نسجها مع جهات ومراكز ومنتديات أخرى، فتمكّن الملتقى من نيل ثقة شريحة واسعة من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين والعرب ليكونوا من أعضائه».

رعاية المواهب الشابة
تجد المواهب الشابة ملجأً لها في تلك الملتقيات، ولا سيما تلك التي تحاول أن تخطّ طريقها نحو الاحتراف، فتذهب إلى تلك الملتقيات والمنتديات لتجد رعاية ما، من المعنيين أو أصحاب التجارب الكتابية والإبداعية. إلا أن دور هؤلاء تراجع إزاء تلك المواهب لأسباب عدة. يوضح عيسى أن المصاعب لا تقتصر على هذا الشأن، ومع ذلك تبقى لدى المبدعين والملتقى معاً القدرة على تجاوز بعض العقبات: «الملتقى خرّج الكثير من المواهب الشابة، وأصدر بعض الكتب الشعرية والقصصية لهم، كما يعمل على إيصال الكثير من المواهب إلى المنابر الوطنية، لتمثيل فلسطين من دون أيّ مساعدة مادية من أيّ فصيل فلسطيني أو ما شابه... إنما على نفقة بعض الأدباء في الملتقى». ويلفت عيسى إلى أن هناك «تقصيراً واضحاً في دعم الملتقى مادياً من الجهات المعنية، أو من الاتحاد العام للكتّاب والصحافيين الفلسطينيين الذي ينبثق عنه هذا الملتقى، علماً بأنه لا يوجد مقر خاص لهذا الملتقى». ولا يقتصر نشاط الملتقى على المبدعين الفلسطينيين فقط، بل يضم السوريين والعراقيين، ويقدّم نفسه تحت شعار «بالدم نكتب لفلسطين والوطن العربي»، وفق عيسى.

ثقافة رغم التباينات
لا يختلف المشهد كثيراً في مخيم جرمانا عمّا رصدناه في مخيمَي خان دنون والسيدة زينب، من حيث النشاطات والفعاليات المختلفة الأوجه التي يقوم بها الملتقى الثقافي في هذا المخيم. وأيضاً، ومع أن إشراف الاتحاد العام للكتّاب والصحافيين الفلسطينيين يشكّل رافداً ثقافياً فقط، إلا أن الملتقى يعتمد على صندوق مالي خاص بالأعضاء لتمويل الأنشطة والفعاليات، تهدف، حسب أمين سره يوسف عبدو، إلى «نشر وتعميم الثقافة الوطنية، وتعزيز دور المثقف في رفد المشروع الثقافي بالنتاج الأدبي، وتحصين الثقافة من كل أشكال الغزو الثقافي، إضافة إلى دعم الإبداع والمبدعين على الأصعدة الأدبية كافة».
في ملتقى جرمانا، كما بعض الملتقيات الأخرى، حضورٌ للمرأة، ولصوتها الإبداعي، ويشدد على ذلك عبدو بالقول إن «الملتقى يسعى إلى تمكين دور المرأة في بلوغ الإبداع بكل أجناسه، باعتبارها ديمومة عطاء ولها الدور الأبرز في النضال عبر التاريخ». ويسعى الملتقى إلى تحقيق أهداف عديدة، عبر التعاون والتنسيق مع الملتقيات والمراكز الثقافية والمهتمين بالشأن الثقافي، لتأكيد وتكريس مركزية القضية الفلسطينية، ويأمل عبدو والقائمون على الملتقيات التمكّن من «نقل القضية الفلسطينية عبر الثقافة والفنون إلى فضاء أوسع، للتعريف بها وبثقافاتها وبمكنوناتها التاريخية وإرثها الإنساني».
غير أن صعوبات عدة تعترض عمل الملتقى في كثير من الأحيان، بسبب التباينات السياسية للقوى والفصائل الفلسطينية، وفق عبدو الذي يوضح أن «الملتقى يسعى إلى أن يكون دائماً على الحياد، باعتبار أن الثقافة جامعة ومحصّنة للقضية الفلسطينية».


ثقافة في مواجهة التطبيع
يسعى الاتحاد العام للكتّاب والصحافيين الفلسطينيين في سوريا إلى تشكيل المنتديات والملتقيات الثقافية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، لما لهذا الأمر من أهمية، ويرى أحمد صالح نصار أمين سر «ملتقى الشهيد زياد أبو خولة الثقافي» في مخيم الحسينية أن «الاتحاد» شعر بالحاجة الملحّة إلى تشكيل ظاهرة ثقافية مقاومة، «تواجه ثقافة الانهزام والتطبيع على مستوى جميع المخيمات، كي تبقى الذاكرة الوطنية حاضرة لدى الكاتب والأديب الفلسطيني، لذلك شكّلت الأمانة العامة للاتحاد ملتقى الشهيد زياد أبو خولة الثقافي، وهو من أول التشكيلات الثقافية التي تأسست».
ويواجه الملتقى صعوبات عديدة مثل بقية الملتقيات في المخيمات، وهو ما يوضحه نصار بقوله: «هناك صعوبات على المستوى اللوجستي والمادي يعانيها المبدع في التجمع، من حيث الدعم في طباعة المؤلفات وتكاليف الأنشطة والفعاليات، لكن يحاول المبدع دوماً تذليل هذه الصعوبات بروح وطنية عالية، إذ تم نشر العديد من المطبوعات على مستوى الشعر والقصة والأجناس الأدبية والثقافية الأخرى لمبدعين فلسطينيين وسوريين في تأكيد على وحدة الدم والمصير»، ويضيف «نبقى بالدم نكتب لفلسطين والوطن».

«بدنا أفعال مش بس كلام وخطابات»
تتباين رؤى رواد المنتديات والملتقيات الثقافية إزاء ما تقدّمه من نشاطات وفعاليات على مدار العام، فمنهم من يعتقد بأنها تقدّم ما يفيد وينمّي الحسّ الأدبي والثقافي والوطني في أوساط اللاجئين الفلسطينيين، بما يفوق ما تقدّمه الفصائل والقوى الفلسطينية، لكنهم أيضاً يرون تقصيراً كبيراً من قبل هذه المنتديات والملتقيات، وخاصة أن البعض يصف نشاطاتها بأنها تنسجم فقط مع أهواء وأهداف القائمين عليها.
«أ. م.»، طالب جامعي فلسطيني من مخيم الحسينية، يقول لـ«الأخبار»: «أحضر معظم النشاطات الأدبية والثقافية، في عدد من الملتقيات، سواء التابعة للفصائل أو تلك التي يشرف عليها بعض الأدباء وهي تقدّم كل ما ينفع المجتمع، على الصعد كافة، وألمس من خلالها تزايد الاهتمام بالقراءة». لا تتّفق «ث. ع.»، وهي في العقد الخامس من عمرها وتسكن مخيم جرمانا، مع الرأي السابق، إذ ترى أن «هذه الملتقيات والمنتديات فيها تقصير كبير، وما في فايدة كبيرة من النشاطات لأنها محصورة بناس معينين، ومشاكلنا كبيرة والمعيشة صعبة كتير، وكثير من الناس عم يهاجروا، وفي عدد كبير من الأطفال والشباب، وخاصة البنات والنساء، بلا دراسة وعمل، وما في حدا لحدا... إحنا بدنا أفعال مش بس كلام وخطابات».