بدايات القرن العشرين، بدأت حركة الكيبوتس في أوساط فئة من اليهود الصهاينة المهاجرين إلى فلسطين، وخصوصاً القادمين من روسيا وشرق أوروبا. كانت فكرة الكيبوتس (الكلمة عبرية وتعني مستوطنة زراعية جماعية) مزيجاً هجيناً من الأفكار الصهيونية والشيوعية. نقول هجيناً لأن الماركسية التي كانت أيامها في طور انتشار واسع في روسيا، لا تعترف بالأديان ولا بالقوميات ولا بقصص التوراة ولا بوعود الإله لليهود، وهي الأسس التي قامت عليها واستغلتها الحركة الصهيونية حين نشأت في أوروبا.

رأى الصهاينة من ذوي النزعة الماركسية في مشروع الكيبوتس تحقيقاً لفكرتين: الحياة الجماعية القائمة على المساواة والملكية المشتركة، وهو ما بشّرت به الشيوعية، والعمل الزراعي والارتباط بأرض الميعاد، وهو ما دعت إليه الصهيونية. وينبغي تذكّر أن اليهود بشكل عام، لم ينخرطوا في العمل الزراعي ولا الفلاحة في كل تاريخهم المعروف في جميع البلدان التي عاشوا فيها، بل كانوا يتجهون في الأغلب إلى الحرف اليدوية والصرافة والتجارة. ولذلك كان مهماً جداً للصهيونية أن تغيّر تلك الحال، وأن تثبت أن اليهود لديهم انتماء للأرض واستعداد للعمل في ترابها ومائها وشجرها، وخصوصاً فلسطين التي اختاروها لتكون وطنهم القومي.
الرواد الأوائل لحركة الكيبوتس أرادوا أن يجسّدوا الحلم الصهيوني في اليهودي القوي، المزارع المقتدر، والجندي الشجاع المتحرر من خوف وعقدة الشتات. أرادوا أن يعيشوا مثالية الكيبوتس، حيث المساواة الاجتماعية بلا أي ملكية فردية، فكل شيء للجماعة والفرد يذوب في المجموع. لم تكن هناك أجور ولا مرتبات للأفراد الذين يعملون معاً، يأكلون معاً، وينامون معاً بلا امتيازات ولا طبقات.
الأطفال كانت تتم تنشئتهم بصورة جماعية، حتى أن الولد بالكاد يعرف أباه! بعمر ستة أشهر يُفصل الرضيعُ عن أمه ويُنقل إلى جناحٍ خاص للأطفال، حيث يوجد مشرفون أو مشرفات يتناوبون على رعاية الأطفال وإطعامهم والعناية بهم. جناح الأطفال كان بعيداً من أماكن نوم البالغين الذين أيضاً كانوا ينامون في أماكن تكاد تنعدم فيها الخصوصية، الملابس في رفوف وخزائن مشتركة، والأبواب بلا أقفال. الطعام يقدّم بصورة جماعية بعد العودة من العمل بالحقل، حيث يجلس أعضاء الكيبوتس ليتناولوا معاً ما أعده لهم رفاقهم الذين كان عليهم الدور في الطبخ. لم يحصل في حياة الكيبوتس أن أماً أعدّت لابنها طعاماً تختصّه به، ولا غسلت ثيابه، ولا همست في أذنه بأغنية ما قبل النوم. تلك القسوة لم تكن بالأمر الطبيعي، بل ليست أمراً بشرياً وتحتاج إنساناً في منتهى الالتزام الأيديولوجي لممارستها. الأطفال كانوا يعانون من غياب أمهاتهم وتغيّر حاضناتهم، وهناك شهادات كثيرة نشرتها الصحف الإسرائيلية لأشخاص نشأوا في كيبوتسات، ذكروا فيها أنهم كانوا يُجبرون على النوم بشكل جماعيّ، ولا يسمح لهم برؤية أمهاتهم وآبائهم، بعد عودتهم من العمل، إلا لفترة قصيرة ثم يُعادون إلى مهاجعهم المخصصة لهم. والطفلُ الذي كان بفطرته يتسلل ليلاً ليذهب إلى الجناح الذي تقيم فيه أمه لينعم بحنانها ودفء صدرها، كانت تتم إعادته قسراً إلى مكانه البعيد. ولا شك أن هذا الفصل القسري، الجسدي والعاطفي، عن الآباء والأمهات كان يترك تأثيراً عميقاً في شخصيات الأطفال الذين كان يفترض بهم أن يروا الكيبوتس أماً لهم وأباً. نظام الكيبوتس كان يعتبر أن المشاعر الفردية الحميمة من شأنها أن تشتت انتباه الفرد عن المشروع الصهيوني الكبير، وتضعف انتماءه للجماعة. تنشئة الأطفال في الكيبوتس كانت تهدف إلى إنتاج صهاينة متساوين وأقوياء. لا مجال للعواطف. التعبير عن المشاعر يعتبر ضعفاً يجب تجنبه. أحد الذين نشأوا في كيبوتس، اسمه نوعام شبنسر، قال لصحيفة إسرائيلية: «أنا لم أبكِ مطلقاً منذ بلغت سن العاشرة. كثيراً ما كنت أرغب في البكاء ولكن لا أستطيع». وأضاف «خلال فترات نومنا الإجبارية كان المشرفون يجعلون وجوهنا نحو الحائط، ونحن في الفراش. وشيئاً فشيئاً طورنا نحن الأطفال نظام تواصل سري في ما بيننا، مثل السجناء. دقة واحدة على الحائط تعني: هل أنت مستيقظ؟ دقتان تعني: نعم. ثلاث دقات: انتبه فالمشرفة قادمة!».
من ناحية أيديولوجية، أراد رواد الكيبوتس أن ينسلخوا عن بنية نظام العائلة التقليدي الموروث، لصالح نظام جماعي. ليس هناك الكثير من الأمثلة في التاريخ على نظام تنشئة ومنامات وحياة جماعية مثل الكيبوتس. النساء في الكيبوتس كنّ كالرجال، في العمل الزراعي والوظائف وحتى حمل السلاح. نظام الكيبوتس كان يهدف لتحرير المرأة من وضعية العائلة التقليدية.

الصهاينة كانوا مدركين وواعين تماماً للطبيعة العدوانية للكيبوتسات تجاه أهل البلاد الأصليين من العرب الفلسطينيين. لم تكن لديهم أية أوهام بهذا الشأن


كان الأطفال يعلّمون أن الملكية الفردية شرّ، والرأسمالية شرّ، وأن العالم الخارجي ينخره الفساد. لم يخطر ببال رواد الكيبوتس أن الفساد والضعف ممكن أن يصل إلى مجتمعهم المثالي.
في الكيبوتس، لم يكن هناك حافز قوي للتعليم المدرسي. نظام الكيبوتس يكفل لجميع أعضائه الوظيفة والعمل، السكن والطعام. في الكيبوتسات الأولى، أغفل نظام التدريس الامتحانات والدرجات للطلاب. كان هناك نفور من مبدأ التمييز بين الطلاب حتى على أساس الكفاءة والذكاء. ومن أجل منع تكوّن الفوارق بين الأعضاء، أهمل نظام الكيبوتس فكرة التخصص. الوظائف القيادية في الكيبوتس كانت تمنح للأعضاء على أساس المداورة بينهم وليس على أساس المواهب والميول والتدريب. اعتقد رواد الكيبوتس أن نظامهم سوف يتمكن من المحافظة على نمط حياة لأعضائه، يستند للمبادئ والثقة والروح الجماعية على المدى الطويل، وأنه سوف يقاوم تأثيرات العالم الخارجي وأنه سيحمي نفسه من الأمراض والعلل التي لوثت المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ: الطمع والحسد والأنانية.
العمل الزراعي كان جوهر حياة الكيبوتس. الرجال والنساء على السواء كانوا يعملون كفلاحين في الحقول. الأماكن التي أقيمت عليها الكيبوتسات الأولى في فلسطين كانت مناطق خصبة وذات قابلية للتطوير الزراعي، نجحت الوكالة اليهودية في الحصول عليها عن طريق رشوة بعض الحكام الإداريين الفاسدين أيام الدولة العثمانية أو عن طريق شرائها من عائلات إقطاعية لبنانية أو سورية.
الصهاينة كانوا مدركين وواعين تماماً للطبيعة العدوانية للكيبوتسات تجاه أهل البلاد الأصليين من العرب الفلسطينيين. لم تكن لديهم أية أوهام بهذا الشأن ولذلك بدأوا مبكراً في إعداد مجتمعاتهم الكيبوتسية للصراع المسلح مع العرب، وشيئاً فشيئاً حوّلوا الكيبوتسات إلى مواقع عسكرية متقدمة في خدمة المشروع الصهيوني تدريباً وتسليحاً وجاهزية للقتال.
لم يكن هناك اهتمام يذكر بالدين في مجتمعات الكيبوتسات الأولى التي كانت ذات طبيعة علمانية صارمة. ولكن بمرور الوقت، وفي مراحل متأخرة، تم إنشاء عدة كيبوتسات مخصصة لليهود المتدينين، وبها أماكن للعبادة. وبشكل عام كانت الكيبوتسات رأس الحربة للحركة الصهيونية، وكانت تطلب من أعضائها استخدام اللغة العبرية وحدها للتخاطب من أجل تدعيم هوية يهودية متميزة، والتمهيد للوطن القومي اليهودي في فلسطين.
شيئا فشيئاً تضاءلت أعداد الكيبوتسات ولم يعد ينضم لمجتمعاتها أعضاء جدد كثيرون. تحول تركيز الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى المستوطنات التقليدية التي صارت تستقطب المهاجرين الجدد، ومع بدايات القرن الواحد والعشرين انتهت الكيبوتسات فعلياً، وصارت من التاريخ بعد أكثر من 80 عاماً من تأسيس أولها.
موشيه ديان (يمكن ترجمة اسمه للغة العربية كما يلي: القاضي موسى)، ولد عام 1915 في كيبوتس ديغانيا، قرب بحيرة طبريا في أعالي الجليل الفلسطيني. أبواه البيولوجيان هما شموئيل وديفوره ديان، مهاجران من أوكرانيا وصلا فلسطين عام 1908. كان ديغانيا أول كيبوتس على الإطلاق يتم تأسيسه في فلسطين، وذلك عام 1910 على يد 11 رجلاً وامرأة.
كان موشيه ديان ثاني مولود يولد في كيبوتس على الإطلاق، سبقه واحد فقط (جدعون باراتز عام 1913). سمّي ديان على اسم موشيه بارسكي، وهو عضو مؤسس في «ديغانيا» قتل في اشتباك مع العرب في المنطقة. كان أبوه من النواة الصلبة للمتأدلجين الصهاينة، ومن رواد حركة الكيبوتس. ربما بتأثير الطبيعة الجافة والخالية من العواطف في الكبيوتس، لم يكن موشيه ديان يكنّ لأبيه مشاعر حبّ تذكر. كتب ديان في ما بعد: «لم أكن أحترم أبي على الإطلاق!» وقد وصف طفولته وسنواته الأولى في «ديغانيا»، فقال: «من الصباح الباكر كنت أواجه الحر والعطش، والماء الآسن. بعد الظهر تأتي الرياح الجافة اللاهبة. وفي الليل، العرق والغبار والبعوض الذي ينقل الأمراض للإنسان والحيوان».
عندما بلغ موشيه ديان السادسة من عمره، انتقل أبواه للعيش في مستوطنة زراعية تأسست حديثاً اسمها «نحالال»، غير بعيدة من «ديغانيا». تلقى أول تعليم له في كوخ هش بني في «نحالال» حيث كان مدرسٌ شاب يحضر ليعطي دروساً للتلاميذ. في فترة لاحقة انضم ديان إلى مدرسة البنات التي أقيمت في «نحالال» حيث كان يمضي ساعتين في اليوم. وعندما بلغ العاشرة كان ينهمك في العمل الزراعي: يحلب الأبقار، يقود عربات البغال، يحمل المحاصيل وينثر البذور. وفي تلك الفترة تعلم ديان المحادثة باللغة العربية عن طريق المخالطة مع أحد البدو في المنطقة، اسمه «الوحش»، أصبح صديقاً له.
عندما تصاعدت حدة التوترات بين العرب واليهود في أواخر العشرينيات انضم ديان، وعمره 14 سنة، إلى الفريق الأمني الذي شكله الصهاينة لتسيير دوريات لحراسة مستوطنة «نحالال» والكيبوتسات المجاورة. كان بارعاً في ركوب الخيل وأظهر جرأة وجسارة، وبانت عليه الصفات القيادية مبكراً. وفي أحد الاشتباكات مع العرب تلقى ديان ضربة قوية على رأسه بواسطة قضيب ثقيل، مما أوقعه فاقداً الوعي بارتجاج في الدماغ.
هكذا كانت بداية موشيه ديان، ابن الكيبوتس، في طريق الصعود في سلّم العسكرية.