نضال في وجه السجّان

في الحالة الفلسطينية، يعاني المناضل من ظلم احتلال مجرم، مدعوم من أميركا التي تدّعي ديموقراطية مزعومة، من خلفها مارست الإرهاب والسيطرة على الشعوب ونهب ثرواتهم. لذا، فالسائر في طريق المواجهة، خياراته ضيقة، فإمّا المطاردة وإمّا الأسر وإمّا الاستشهاد، فإذا ما قدّر له الاعتقال، تبدأ مرحلة جديدة وصعبة من التحدّي، لأن السجن ساحة مواجهة، لكل محاولات السجّان تطويع السجين وحرفه عن نهجه وإيمانه بعدالة قضيته.


في السجون الإسرائيلية، تدور معركة الإرادة؛ بين إرادة السجين المجاهد وإرادة السجان المجرم، فيتمكّن الأسير، صاحب الحق، من اكتساب المناعة الذاتية، بالتعبئة والتثقيف وزرع الوعي وتطهير الجسد والروح.
وفي ظل هذه الظروف، يقوم الأسرى بإنتاج مئات الإصدارات والكتابات والمقالات، التي تحلّق خارج الأسلاك الشائكة والجدران الحصينة، وتتجاوز كل إجراءات المحتل القمعية، ووحداته الخاصة التي تسعى إلى مصادرة كل ما ينجزه الأسرى.
وأذكر عندما كتبت رواية «اغتيال ريحانة» استمرت معركة الإرادة مع السجّان، حتى إنجازها، وتأمينها إلى فضاء الحرية، وهي رواية تتحدّث عن الأمل وحياة الأسير وآمال شعبنا وحرّيته وحبّه للأرض، استمرّت تلك المعركة ثلاث سنوات، كذلك عمليّة «نفق الحرية» في جلبوع تشكّل مثالاً حقيقياً، يعبّر عن صراع الإرادة مع الاحتلال ومنظومته الأمنية التي تحاصر شعبنا وتحاول تحطيم اَماله.

نصنع المستحيل
نحن في السجن نصنع المستحيل، ولا نبالي رغم كل المنع والتضييق والحظر، وبعون الله، المكتبة العربية الفلسطينية لا تخلو من أدب المقاومة وأدب السجون، وإنّ رواية المناضل، رفيق القيد والزنزانة، رأفت البوريني، الذي أطلق عليها «رحلة في متاهات الأسر»، تمثّل صوتاً جديداً، تصدح بالقول إن ظلم السجان لن يدوم، وإن فجر الحرّية قادم، وعمر المستعمر مهما طال قصير.
إن الأخ رأفت البوريني يسير على درب رفاقه الأسرى والمبدعين الذين أصدروا الكتب والروايات، وأصبحت إبداعاتهم في عالم الحرية تتحدّث عن أحلامهم وعن مستقبلهم، وعن سنوات العذاب والإضرابات المفتوحة والاعتقال الإداري وجرائم المحققين، وعن الحرمان، وعيادة الموت في سجن الرملة والكثير الكثير، كما تتناول أعمال الأسرى في موضوعاتها، الأمل والحرّية والعاطفة والأرض والمقدّسات والتاريخ وكل مناحي الحياة. وهكذا عمل رأفت البوريني، الفلسطيني الحرّ المتقدّم دوماً، والذي شارك في كل المواجهات والإضرابات ضد إدارة السجون، وهو الوحدوي الوطني الذي تربطه علاقة مميّزة مع كل أبناء الفصائل، فالجامع بينهم فلسطين وحبّهم للقدس وللأرض.

أحلام الأسرى... نجوم ونفق
أذكر أنني كنت في سجن صحراء النقب في 6 أيلول 2021، في ليلة هادئة تواصلت مع الحرّية عبر نجوم السماء الصافية، وخاطبت العالم والحرّية والأحباب، وهي بدورها نقلت لي أخبار العالم، أفراحه وأحزانه، وأخبرتني عن الأهل والأرض والقدس وأبناء شعبي المقاوم. تلك الليلة كانت غريبة بكل معانيها، نظرت إلى النجوم في السماء عبر الأسلاك الشائكة التي تعلو خيامنا المتراصة في وسط الصحراء، تلفّها جدران اسمنتيّة عالية، وطائران من الذي نسمّيه في فلسطين الدويري، كانا يتنقّلان على كتفي، كنت قد اعتنيت بهما منذ صغرهما.
أعلم أن النجوم في تلك الليلة كنّ يحضرنَ ذلك العرس، لاستقبال أبطال الحرّية محمود ومحمد العارضة وزكريا الزبيدي ويعقوب قادري ومناضل انفيعات وأيهم كممجي، كل شيء كان يوحي بأن شيئاً جديداً سيحل على الحركة الأسيرة وعلى أبناء شعبنا، لأن الاحتلال لفلسطين يختلف عن أي احتلال، لذا فالمعركة ضده يجب أن تكون مختلفة، فمعركتنا في الأسر، في جانب منها، حرب الكلمات والمصطلحات، وكتابة تاريخنا عبر أقلام الحق التي نستخدمها في ذلك، وتغذية عقولنا عبر حبّنا لفلسطين وإيماننا بالله في التحرير.
في صباح 6 أيلول 2021، استنفرت ما تسمّى بمصلحة السجون، عقب عملية نفق الحرّية، وفي 8 أيلول 2021، داهمت أقسامنا، وبسرعة البرق قامت بتشتيت أسرى «الجهاد الإسلامي»، ودخل عشرات الجنود إلى الزنزانة التي كنت فيها، فكلبشوني ونقلوني إلى أقسام الغرف، وإذا بوجوه تبتسم ابتسامات النصر، فرحاً بعملية الهروب إلى الحرّية، وابتسامة الداعمين لأخيهم الجديد في الظروف الصعبة القادمة.

تآلف الأسرى... تضافر النضال
تقدّم الرفيق رأفت البوريني من بينهم، وكنت أعرفه من قبل، فاستقبلني استقبال الإخوة، وأجلسني على «برشه» الخاص، ذلك الأسير المخلص لفلسطين وهو الذي عاش في الأردن، كان يقدّم لي كل ما أحتاج إليه، بعدما كان هدف السجّان كسر إرادة أسرى «الجهاد»، بتشتيتهم، إلا أن ذلك انقلب عليهم، بعدما أصبحت جميع الغرف في الأسر داعمة لهم، فخاب ظن المحتل في كسر إرادتنا.

رواية للحرية... رواية من قلب وعقل
كان رأفت في ذلك الوقت قد أنجز روايته، وقدّمها لي لقراءتها وتقييمها، رواية تعبّر عن الإنسان الفلسطيني الصابر والحالم، ولعلّ أكثر ما لفتني، طريقة تعرّفه على الحرّة نجود، خطيبته التي تحدّث عنها في الرواية، ولم أكن أعلم أنّ هذه الرواية ستغرّد يوماً ما في فضاء الحرّية، وتحوز جائزة، فهناك كلمات يكتبها الأسير لا تخرج إلا من قلبه وعقله، ولا يعرفها إلا العاشق للعلم وللأدب وللكتابة.
وقد كان لهذه الجائزة ولهذا التكريم أثر معنوي على نفوسنا في داخل السجون، وكذلك الحضور المميز من أدباء ومثقفين وقادة من قوى المقاومة، ومؤيدي نضالنا الطويل الذي لن يتوقف حتى يحسم الصراع لمصلحة شعبنا. هذه الرواية وغيرها من إنتاج وإبداع السجون، ستبقى صلة تواصل مع الخارج، فما تخطّه أقلام الأسرى، حول السجون إلى حواضن مقاومة وإعداد وثورة، وسيبقى الشعار الدائم لنا، نردّده: اقرأ ثم اقرأ حتى لو ذهب بصرك، ولا تترك القراءة إلا لما هو ضروري ومهم، والمثقف هو أول من يقاوم وآخر من ينكسر.

أمل في كل شيء
إنجاز رفيقنا المناضل رأفت البوريني مدعاة أمل، واستحقاق للمباركة للأسرى والأسيرات كافة، في كل السجون، في جلبوع وغيره من سجون الاحتلال. رأفت البوريني الأسير والمثقف والقارئ والمنتمي للمقاومة، إنجازه يدفعنا إلى النهوض نحو مزيد من إبداع القصص والروايات والمقالات والدواوين الشعرية، والأعمال الفكرية والسياسية.
إن قيمة ما ينجزه الأسرى والشهداء، قيمة عالية، فهم رموز النضال والكفاح الوطني الطويل حتى تحرير كل فلسطين، وإن حلمنا الأكيد هو الاحتفال بإشهار ما نكتب في ساحات وشوارع القدس، وهي محررة بأكملها.
ويبقى في ختام هذه المادة، أن أتوجّه بالشكر والتقدير إلى كل من عمل ويعمل على إخراج وإنجاز وكتابة وإشهار ونشر إنجازات وإبداعات الأسرى داخل سجون الاحتلال، والشكر هنا موصول لكل من ساهم بنشر رواية الرفيق الأسير رأفت البوريني.

* أسير لدى سجون الاحتلال