خلال غزوة القوى الأمنية على نابلس لاعتقال مُصعب اشتيه وعميد طبيلة، المطلوبين للاحتلال، ليلة 20 أيلول الجاري، قتل عناصر من تلك القوى الأمنية التابعة للسلطة المواطن فراس يعيش (53 عاماً)، وهو شقيق الشهيد أمجد يعيش الذي استشهد برصاص الاحتلال قبل سنوات.

استشهد فراس، بينما كان يتظاهر محتجاً مع أقرانه من أهالي نابلس، رفضاً لما تقوم به هذه القوى الأمنية التي يفترض بها حماية الفلسطينيين، فيما هي تقوم، على الأقل ضمنياً، بحماية دولة الاحتلال. وعلى الرغم من قول قادة السلطة عكس ذلك، فإن كل ما يجري على الأرض يؤكد أن السلطة بقواها الأمنية تنفذ أجندة إسرائيلية، بعدما عجزت حتى الآن عملية «كاسر الأمواج» عن تحقيق أهدافها بوأد المقاومة في شمال الضفة.
وحتى لا يسأل «سحيج» للسلطة، أين هذه المقاومة؟ فالإجابة ببساطة، إن ما تفعله تلك القوى والكتائب المنظمة وغير المنظمة أشرف وأنظف بكثير مما تفعله السلطة بالشباب الفلسطيني. الفرق كبير جداً وصارخ، بين من يقاتل عدوه ولا يتركه يرتاح في المناطق المحتلة، وبين السلطة التي توجّه جهد شبابها الفلسطينيين أولاً وآخراً نحو أبناء شعبها.
إن ما تفعله السلطة الفلسطينية فقط في هذه المرحلة هو تقسيم الشعب الفلسطيني المقسّم بخبرات «مطبخ أوسلو»، فالفعل الذي جرى منذ أيام بمحاولة اعتقال شاب فلسطيني مطلوب للاحتلال، وقتل مواطن، لن يفعل أي شيء، سوى أن بعض البنادق ستوجّه رصاصها نحو السلطة، لا من أجل احتراب داخلي (لا قدر الله) بل من أجل كفّ يد السلطة ورجالاتها الذين يعتقدون أنهم أكبر من شعبهم المضحّي والمستعد للتضحية كل يوم، وقد ضحى منذ وجود الانتداب البريطاني وما بعده.
وهنا يبدو أن العقل الأمني الفلسطيني في السلطة متكبر أكثر من أي شيء آخر، وينظر بسخرية إلى الفلسطينيين، ولو أنه فكّر مرة بأن هذا الشعب الذي ما ملّ ولا كلّ (قلة من تقول إنها اكتفت من المواجهة) سيستمر يقاتل، ولن توقفه لا سلطة ولا منظمة ولا حركة ولا حزب ولا تكليف شرعي ولا مبايعة. فهذا الشعب المخذول من قيادته يصنع معجزته الشخصية، الفلسطينية. فالعقل الأمني الفلسطيني المتكبر على شعبه، والمتكبر على تضحياته، أصغر بكثير من أن يتمكن على طريقة الأمن العربي من قمع شعبه. والتمثيل هنا فقط لأن السلطة الفلسطينية استنسخت الأنظمة العربية مجتمعة، وكانت هي، إلا أنها نسيت أن الشعب الفلسطيني لم يُحكم حتى اليوم من دولة، كانت بريطانيا، فكانت احتلالاً، وكانت إسرائيل، فهي احتلال، وأتت السلطة، ولم يشعر الفلسطينيون بأنهم مواطنون في دولة، وذلك لأن السلطة نفسها لم تشعر بأنها دولة، ولا الاحتلال أعطاها مكانتها كدولة. فحين يحدث، في يوم من الأيام، أن يمر الفلسطيني من معبر الكرامة نحو الأردن، من دون أن يمر على الإسرائيليين، فحينها قد يشعر الفلسطيني في الضفة بأن أفقاً ما يفتح. وفي ظل الظروف الراهنة، يبدو من الصعب أن يرى هذا الأفق النور، وعلى السلطة أن تدرك أن الانفجار بات وشيكاً، لا لشيء، بل لأنها طبيعة التاريخ.
وإن كانت غزوة نابلس أو جنين أو أي مدينة أخرى، رسالة موجّهة إلى من يهمّه الأمر، للإسرائيلي الذي في الغالب جرى ذلك بالتنسيق معه، وللأميركي راعي إسرائيل، وللأوروبي الذي يموّل «مؤسسة» السلطة، وللدول العربية المعنية، فمهمة الرسالة إيصال الخبر بأنها ما زالت قادرة على حفظ «الأمن» ووقف العمليات ضد الاحتلال، وأنها لم توقفها، لتقول هذا ما يحدث إن انتهت السلطة. لكن هل إسرائيل معنية أصلاً بإنهاء السلطة، وهل هي مستعدة لأن تتولى المهام الموكلة للسلطة؟ بالتأكيد، لا يرغب هذا الاحتلال، المستريح بفضل السلطة، في أن يدفع قرشاً واحداً ثمناً لاحتلاله، ولا يريد أن يتولى شؤون النظافة والتعليم والتوظيف وووو، ويتلقى الضربات اليومية من الفلسطينيين (أكثر من اليوم بالتأكيد). العقل السياسي الفلسطيني يريد أن يوصل تلك الرسائل، وإسرائيل تعلم الأمر جيداً، ومثلها أميركا. لكن كل تلك الجهات، لأنها لا تكترث بالشعب الفلسطيني، ولا بوجوده، ولا بأهمية وجوده (هذا بفضل السلطة أيضاً) ستفكر وتقرّر ما يحفظ أمن إسرائيل ومصالحها، إلا أن المضحك أن الشعب «غير المهم» يكتب واحدٌ منه الآن، ويقرأ واحدٌ منه أيضاً «ستسقطون»!