من المؤكد أنه في مثل هذا اليوم قبل 40 عاماً كانت ترتكب مقتلة في بيروت، ولست متأكداً تماماً، إن كان في مثل هذه اللحظة قبل 40 عاماً، التي تقرأ فيها أيها الإنسان هذه الكلمات، ذبح إنسان في مخيم شاتيلا ومنطقة صبرا المجاورة. من المؤكد أيضاً، أن المقتلة التي حصلت، لم يحاسب عليها أحد، كحال كل مقتلة في هذا العالم الذي يميّز بوقاحة بين الضحايا، فيرفع واحدة ويدني أخرى.

الفنان العراقي ضياء العزاوي

النزف المستمر في صبرا وشاتيلا، مستمر ليس بفعل موت مباشر، لكن الجدران هناك، تنزّ منها رائحة الموت، فالشهداء نيام، يخرجون كل ليلة لتفحّص مكان قتلهم، فيعود طازجاً كما كان، وسيظل طازجاً إلى أن يحاسب من أمر ومن قتل. والنزف الفلسطيني اللبناني السوري المصري الأردني السوداني الجزائري التونسي الإيراني الباكستاني البنغلادشي التركي، وعدد آخر للضحايا لم تعرف جنسياتهم، فضلاً عن المفقودين من الجنسيات السابقة، إضافة إلى بريطاني. تقول الدكتورة بيان نويهض الحوت في كتابها «صبرا وشاتيلا - أيلول 1982» ما يأتي: «تقودنا أعداد الأسماء المسجلة في اللوائح، وأعداد اللوائح التي لم نطّلع عليها، مع الأسباب المجتمعة أعلاه لغياب الكثير من الأسماء حتى عن ذاكرة الناس، إلى تقدير عدد الضحايا بما ليس أقل من 3500 ضحية» (ص 542).
جنسيات الضحايا وأعدادهم التقديرية، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن القتلة أكثر من عنصريين، وأكثر من فاشيين، وأكثر من صفات كثيرة تدلّل على البشاعة والقذارة. فالاستهداف كان للفلسطينيين وللبنانيين المتعاطفين ولمن يسكنون المخيم وجواره، ولما في بطون النساء من ساكنيه، فهذا الجنين حيدر ابن زينب حسن إدلبي حيدر، والجنين الآخر وهبه ابن ناهد سعد، ضحايا وثّقتهم التقارير والكتب الصادرة عن المجزرة (ص654 - ص 676، الحوت: المصدر السابق نفسه).
تلك المشاهد وجدت لنفسها طريقاً في نفوس هؤلاء وحياتهم، فلم تتركهم إلا ضحايا أحياء لمجزرة مروّعة


وثّقت ليلى شهيد ثلاث شهادات لناجيات من المجزرة في صبرا وشاتيلا، تروي إحداهن ما شهدت «ما إن خرجنا من المنزل حتى فاجأنا ثلاثة رجال مسلحين، فأوقفونا وقالوا لنا: لا تخافوا، نحن من الكتائب، أنتم فلسطينيون؟ فقلنا لهم إننا لبنانيون فأجابونا بأنهم لا يمسّون اللبنانيين، ثم اقترب أحدهم […] وطلب هوية أحدنا الذي أجابه: وحياة الشيخ بشير أنا فلسطيني. فقال له الآخر: إذاً أنتم جميعاً فلسطينيون. إلحقوني. بعدما جمعوا الرجال […] أمرونا بالسير. كنا خمس عائلات في هذا الحي. حرش ثابت، قبالة مستشفى عكا. مشينا، […] فجأة طلبوا من الرجال التوقف وأمرونا بمتابعة سيرنا، فبدأنا بالبكاء والصراخ، فقالوا لنا: إذا تابعتم الصراخ نقتلكم أنتم أيضاً. ما إن تجاوزناهم ببضعة أمتار حتى سمعنا الطلقات النارية فأدركنا أنه قضي علينا ورحنا نصرخ من جديد. فقال لنا أحدهم: ماذا تعتقدون، إنها فوضى؟ نحن لا نقتل، نستجوبهم ثم نحاكمهم. […]» (مجازر صبرا وشاتيلا - شهادات - ص 128، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 13، العدد 52، خريف 2002).
هذه الشهادة، وغيرها عشرات كتبت ونشرت، وتنشر هذا العام، وستنشر في الأعوام المقبلة، ولن تنتهي الشهادات، حتى لو مات كل الشهود، فما خلفته تلك المشاهد من مأساة في ذاكرة أهالي الضحايا، تم توريثها، ليس بقصد نقل المأساة للأحفاد، بل لأن تلك المشاهد وجدت لنفسها طريقاً في نفوس هؤلاء وحياتهم، فلم تتركهم إلا ضحايا أحياء لمجزرة مروعة.
فمن المؤكد والحتمي أن أحداً ما سيخرج ويذهب في طريق محاكمة المجرمين، خارج البيانات والمطالبات المنبرية التي تحصل في المناسبة، ولعلها ستكون من أبسط القضايا التي يمكن أن يعالجها قضاء، فالشهود والشهادات والوثائق التي تدلل على القتلة موجودة في عشرات الكتب المعتمدة والمشهود بجدارتها وأمانتها البحثية، وإن الإشارة إلى بعضها في هذه العجالة المناسباتية، ما هو إلا تحريك البنان فقط.