رائد السعدي، حكاية الصبر الفلسطيني الذي تجلّى في حكاية لا تزال تنسج فصولها على وقع احتلال يعادي الإنسانية. وعلى الرغم من أن الأسير الرهينة رائد السعدي، الذي دخل قبل أيام عامه الـ 34 في الأسر، يروي سيرته تحت عنوان «أمي مريم الفلسطينية» التي صدرت مطلع العام الجاري. إلا أن تلك السيرة التي كتبها في محبسه لا تعطيه حقه، لأنه الراوي المضحي بكامل سنوات شبابه، ففي نهاية هذا الشهر يطوي 33 عاماً في الأسر.

ويعلل الأسير رائد أسباب الكتابة، بأن هذه التجربة «إعلان لتحطيم كل القيود والحدود الوهمية التي أرهقتنا، لأكتب وأوثق تجربتي، كما حدثت على مدار اثنين وثلاثين عاماً». كان من الممكن أن تنتهي حكاية رائد مع الأسر، مع قيام السلطة الفلسطينية، فضمن الاتفاقيات الموقعة، أقرت دولة الاحتلال بإطلاق سراح كل الأسرى الموجودين في سجونها ومعتقلاتها، إلا أنها ماطلت في إخراج بعضهم، وبعد مرور أكثر من ربع قرن من الاتفاق لا يزال حوالى 30 أسيراً يرفض الاحتلال إطلاق سراحهم.


وما بين رواية رائد وفلسطين، تحضر الأم التي حملت كل العبء وتحملت كل الآلام، في مسيرة تجاوزت أكثر من ألفي عام، فهي خزان الذكريات الذي لا ينضب وهي مشعل الأرض المقدسة، من مريم الفلسطينية أم المسيح إلى مريم نابلس والقدس وغزة، إلى أم رائد التي فارقت الحياة قبل سنوات وهي على أمل اللقاء به، ففي هذه اللحظة يقول رائد «طلبت من أخي أن يضع جهاز الاتصال بالقرب من أمي، أودعها، طلبت منها مسامحتي لغيابي عنها كل هذه السنين».
يتنقل رائد في سيرته بين المريميات، يمر عليهن واحدة واحدة، يقطف من كل بستان وجع مريمنا الأولى، ويحفر على صخر ذاكرتنا أسماءهن، كي لا ننسى. في سيرته، «أمي مريم الفلسطينية» يخصّص رائد مكاناً لهن يحضن فيه وجعه، ويحمل صبره وإيمانه زاداً للصمود في بئر يوسف الحالي الذي لا قاع له ولا نهاية، ينتظر بعض السيارة، لتفتح السيرة على فصل جديد، فعلى «الأرض ما يستحق الحياة».
في الأسر، يعني نقيض الحرية، الزمن، الأحداث، والوجوه، والأشخاص، تتكرر، ويبقى العقل وما يحتوي شاهداً على ملحمة فلسطينية لم يشهد تاريخ الإنسانية جمعاء مثيلاً لها. فهذا الاحتلال السادي من رأسه حتى أخمص قدميه يعتاش على قهر أهل الأرض، يمارس توحشه، ويختبئ خلف روايته التلمودية، ليبرر ساديته، ففي عام 2014، وفي خضم مفاوضات كانت تجري بين السلطة وحكومة بنيامين نتنياهو، لم يفرج الاحتلال عن الدفعة الرابعة والأخيرة، بعد أن تعهد بالإفراج عن 104 أسرى من ما قبل أوسلو، أفرج عن 74 منهم، ثم أقفل الباب على البقية من إخوة رائد.
يقترب أكثر وهو يحاول أن يخترق الجدران، الذاكرة وحدها قادرة أن تهزم واقع الزيف الذي يبنيه الاحتلال، وكل أسير يدرك ذلك، فكل فلسطيني لديه حكاية مع الاحتلال، لكن الأسرى لديهم حكايتهم الخاصة، ولكل منهم طريقته في التعبير عنها، تجتمع فصولها لترسم لوحة من الألم والمعاناة، كل بمقدار، تحت الاحتلال، أنت في الأسر، في مدينتك تحت حظر التجول، أنت في الأسر، في معتقلاته، أنت في الأسر، داخل المعتقل مراتب، في زنزانة التعذيب أو زنزانة العزل الانفرادي، وكثرت الحكايات كثيراً، فمنذ عام 1967 عايش تجربة الأسر في معتقلات الاحتلال، أكثر من نصف مليون فلسطيني أغلبهم من الشباب، لأيام ولأشهر ولسنوات.
الذاكرة وحدها قادرة أن تهزم واقع الزيف الذي يبنيه الاحتلال، وكل أسير يدرك ذلك


رائد، كما يروي، بدأ مسيرته النضالية الكفاحية عام 1985 بعد الانضمام للعمل المسلّح السري، حيث انخرط في صفوف حركة «فتح»: «التحقت بالفعل المقاوم عن طريق قيادي فلسطيني أسير محرر اسمه أبو علي شاهين». قاد خليته التي نفذت عدة عمليات عسكرية استهدفت المستوطنين، لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد سنوات قليلة، اندلعت انتفاضة الحجارة، انخرط فيها ليتمّم سيرته الأولى في تجربة علنية، ويتحول بعد أشهر قليلة إلى مطارد من قوات الاحتلال، التي بدأت رحلة البحث عنه، سنتان ورائد في حاضنته الشعبية يعيش ويتنقل وينام، كل ليلة في بيت من بيوت قريته سيلة الحارثية، لم تمنعه المطاردة من قيادة النشاطات الشعبية التي شارك بها الجميع، لكن نموذج إعلان الحارثية منطقة فلسطينية محررة، واستخدام سماعات المساجد كأداة تواصل بين الجميع، تماماً كما الإذاعة في لحظة الحرب، كانت التجربة الخاصة والإبداعية التي لعب رائد دوراً أساسياً في تشكيلها، وأنا ابن قريته، شاهد على ذلك مع من تبقى من أبناء جيلي.
سنتان ورائد في رحلة المطاردة التي عجز فيها الاحتلال من الوصول إليه، تمنع رائد من محاولة العيش وأن يبقى قريباً من العائلة، التي تحمّلت عبء عشرات الاقتحامات لمنزلهم، واعتقال الإخوة والوالد للضغط عليه لتسليم نفسه، حيث يشير رائد إلى ثبات الوالد، ورفضه الإفراج عنه مقابل أن يسلم ابنه نفسه للاحتلال. ويضيف: «أرسل لي من داخل السجن أن لا أوافق على تسليم نفسي». ما أعظم موقف الرجل، وقد قرأت له مقابلة صحافية قبل أشهر وهو يتحدث عن آخر أمنياته، وهي أن يخرج ابنه رائد من الأسر، ليحتضنه ويضمه، بعد أن فقد بصره قبل سنوات، فيما يمضي يعقوب الفلسطيني منتظراً ريح يوسف لعل البصر يرتد إليه.
في الأسر يريد الاحتلال أن يتوقف الزمن عند الأسير، عبر تحويل آدميته وإنسانيته إلى مجرد لحظة عابرة، ومهمة الأسرى على الدوام، وفي صراعهم اليومي المفتوح مع السجان أن يبقى حضوره الإنساني، ففي السجن ينهي الثانوية العامة ويلتحق بالجامعة، ويتخرج، ويبدأ بالدراسات العليا، يشارك الأهل والأقارب أفراحهم وأتراحهم، عبر الاتصال بالهواتف النقالة المهربة إلى السجن، وقد زاد الإبداع عند الأسرى في السنوات الأخيرة، بالنطف المهربة التي أحيت الحياة مجدداً، وصار للأسرى أبناء وهم خلف القضبان.
إن إطالة أمد الأسر، له فلسفة خاصة لدى العقل الاحتلالي، فهو لا يعاقب الأسير فقط، بوضعه في السجن داخل الأسوار، بل يطال الأهل عبر سلسلة من العقوبات التي لا تنتهي، خاصة أثناء زيارة الأسير والتي أصبحت في السنوات الأخيرة نادرة. وقد تكون العقوبة بحق الأسير، وقد تكون أيضاً بحق الأهل، عبر ما يسمى المنع الأمني، حيث تحرم الأم من زيارة ابنها تحت هذا البند. يروي رائد قصة حدثت مع الأسير أيهم كممجي، عندما منع الاحتلال أمه من زيارة أيهم، واشترطوا عليها أن تطلب منه، كتابة استرحام، كي تتمكن من زيارته، ولم تكن تدرك أم أيهم أهداف الطلب، وبعد أن بيّن لها أيهم أن الطلب رسالة اعتذار عما فعل، قالت لأيهم عبر الهاتف «بغضب عليك إذا فعلت ذلك»، هذا موقف مريم مرة أخرى يتجلى. وبعد سنوات من وفاة والدة أيهم، تمكن من التحرر من سجن جلبوع، قبل أن تتمكن سلطات الاحتلال من اعتقاله وإعادته إلى السجن. أيهم يقول في إحدى لقاءاته مع والده أنه حقق أمنياته أثناء التحرر من الأسر، باستثناء أمنية واحدة، وهي عدم تمكنه من زيارة قبر والدته.
تمتد الفلسفة الاحتلالية، لترسم لكل الشباب الفلسطيني صورة المحتل الحقيقية، لمنعهم من السير على طريق من سبقوهم من الأسرى، وعلى الرغم من كل ممارسات الاحتلال طوال سنوات وجوده على الأرض الفلسطينية، بقي الأسير يمثل صورة البطل والقدوة وعنوان الوجود وجدوى المقاومة في ذهن كل شباب فلسطين.
رائد في «أمي مريم الفلسطينية» يحفر على كل الوجع، ويمضي، لكنه يعزي نفسه بمواقف كثيرة جعلته قادراً على الصمود، وعلى رأس تلك المواقف يروي رائد في سيرته الذاتية (روايته)، كيف أرسلوا رسالة إلى الشهيد فتحي الشقاقي، رسالة نقدية وقوية طالت حتى شخص الشهيد فتحي، ليأتيهم رد الشقاقي على الرسالة، طالباً منهم الصبر والصمود خاتماً رسالته بالقول «لا والله حتى تروا دمي على صدري». يشير رائد إلى مدى تأثير تلك الرسالة عليه حتى يومنا الراهن، فالقائد الشقاقي كان عند قسمه، وهذا هو القائد التاريخي الذي يختار وينحاز لخيار الشعب، ليلتحق بقافلة الشهداء.