لم ينته الرصاص من جعبة الفدائي الأسير ثائر حماد (42 سنة) من بلدة سلواد قرب رام الله، على الرغم من مضي 18 عاماً على اعتقاله. فقد أطلق حماد «صلية جديدة من الرصاص في وجه الاحتلال» عندما أعلن من داخل سجنه عن روايته الجديدة «فارس وبيسان» في حفل أقيم في بلدته قبل أيام.

وحماد يُعرف بين الفلسطينيين بـ«القناص»، وقد اكتسب هالة مقدسة نظراً للعملية المعقدة التي نفذها بمفرده في آذار 2003، ضد الحاجز العسكري الإسرائيلي بين مدينتَي رام الله ونابلس، في منطقة «وادي الحرامية» التي تمكّن فيها من قتل 11 جندياً إسرائيلياً، وجرح 6 آخرين، 3 منهم كانت إصاباتهم خطرة قنصاً، حتى قيل إن أياً من رصاصاته لم تُخطئ هدفها، ولولا انفجار بندقيته لما توقف عن قنص الجنود، فنهض ونفض الغبار عن يديه وعاد إلى منزله ونام بهدوء.


لم تفتت سنوات الاعتقال والعزل والتنكيل من عضد وعزيمة ثائر، وإيمانه بالمقاومة طريقاً للحرية والخلاص، وعلى نقيض كل الكتّاب الذين يحتفون بإصداراتهم الأدبية باحتفالية يجتمع فيها الأصدقاء والمتابعون، ويحظون فيها بالأضواء والمقابلات الصحافية، كان حماد يحتفي بروايته الجديدة من خلف القضبان، بعيداً من والدته وأصدقائه، بينما حضرت كلماته القليلة التي قال فيها «إن إطلاق روايتي اليوم ما هي إلا صلية جديدة أطلقها في وجه هذا الاحتلال الجبان الذي يقتل ويهدم ويقتلع ويعتدي ويتغطرس - إنه الاحتلال الذي قتل ابنة بلدي الشهيدة مهدية وقتل أيضاً الإعلامية الإنسانة شيرين أبو عاقلة ومئات الأطفال الأبرياء من أبناء شعبنا الأبي».
وقال حماد «أؤمن يقيناً أن مقاومة الاحتلال ممكنة ومتاحة في كل الظروف والأمكنة، فلا شيء يمكن أن يحول بينك وبين أن تعبر عن رفضك وتمردك على الاحتلال، فالفضاءات واسعة، والآفاق رحبة إذا توافرت النية والإرادة، ولعل تجربة الأسر خير دليل على ذلك، إذ أن المتمعن في تجربة الحركة الأسيرة، يجد أن إسهاماتها في استمرار مسيرة الكفاح الوطني شكّلت عاملاً حاسماً في استمرار الثورة، وما الذي أقوم به الآن ومعي الكثيرون المناضلون الأسرى إلا تأكيداً على أن جبهة مقاومة الاحتلال أوسع مما يتوقع البعض. فكل إنسان تواق للحرية، يستطيع أن يقوم بعمل من شأنه أن يقصّر من عمر الاحتلال، وأن يقوض دعائمه، فإنهاء الاحتلال لن يتم بالضربة القاضية، وإنما من خلال نضال شمولي تراكمي سيؤدي حتماً إلى دحره وزواله».
لم يكسر الاعتقال والتحقيق وسنوات العزل إرادة حماد، فالهدف لا يزال واضحاً في عين القناص، وهو مقاومة الاحتلال في كل ساحة وطريقة، وهو ما دفعه إلى إكمال دراسته الثانوية العامة (التوجيهي) في سجون الاحتلال، التحق بعدها بالدراسة الجامعية، ليحصل على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، ليبدأ في الكتابة والتأليف داخل الأسر، حتى رأت رواية «فارس وبيسان» النور أخيراً.
ولد حماد في بلدة سلواد عام 1980، ومنها اكتسب معاني الصمود والعناد والتحدي والاستعداد الدائم للتضحية، كما يقول هو، فترعرع في ربوعها وتعلّم وكبر في أزقتها، وتكرست في قلبه معاني الانتماء، وفي جبالها حمل بندقيته والقيم الثورية التي استمدها من الثقافة الجمعية في بلدته، متأثراً بجده قدورة حماد الذي علمه القنص، ومشعلاً وقود الثورة والمقاومة في صدره من الحكايات عن عمه الشهيد نبيل حماد.
تقول والدته رحمة حماد لـ«الأخبار» إن ثائر يمر بظروف صحية صعبة، ورغم ذلك يحرص على الاتصال يومياً بها


يعاني حماد من ظروف حياتية وصحية صعبة داخل معتقل عسقلان، فهو يشتكي من ظفر في عينه اليمنى منذ عام 2014، أي خلال فترة اعتقاله، وقد أجريت له فحوصات مراراً وتكراراً في عيادة سجن الرملة، وعيادة إيشل، وكثيراً ما أوصوا بضرورة إجراء عملية لعينه، وذلك لازدياد حالتها سوءاً، إذ أصبح يعاني من غباشٍ وضعف في الرؤية، إضافة إلى معاناته من عدة مشاكل صحية أخرى، بينها مشكلة الديسكات في الظهر. كما تصنف «إدارة السجون» الأسير حماد بوصف «ساجاف»، أي أن سلطات الاحتلال تعتبره أسيراً خطيراً وتتخوف من هروبه.
وتقول والدته رحمة حماد لـ«الأخبار» إن ثائر يمر بظروف صحية صعبة، ورغم ذلك يحرص على الاتصال يومياً بها كي يطمئن على صحتها وأحوالها، لافتة إلى أنه يتعرض بشكل دائم للتنقل والعزل، وهو ما دعاه في شهر تموز للطلب مني عدم زيارته، خشية من نقله من سجن عسقلان قبل الزيارة. وتمنع سلطات الاحتلال أشقاء وشقيقات ثائر من زيارته، وتكتفي بوالدته فقط.
تندرج رواية «فارس وبيسان» تحت راية أدب السجون، وهي عمل أدبي وطني، أخلاقية، اجتماعية بامتياز، مكتوبة ببساطة، مليئة بتفاصيل موجعة داخل السجن وخارجه. نثر حماد على صفحاتها إحساس ومشاعر السجين، والأمل الذي يعتريه. وتؤرخ الرواية أيضاً لجزء من مرحلة عاشها حماد، تمتد من انتفاضة الحجارة حتى يومنا هذا، مسجلاً فيها عذاب الأسرى في سجون الاحتلال والعزل، وتحديهم للاحتلال.
وقال رئيس نادي الأسير قدورة فارس لـ«الأخبار» إن الرواية متعددة الأغراض، وأحد أهم دلالاتها رؤية ثائر حماد المناضل لدوره في السجن بعد الاعتقال، وهي تحمل رسالة حب وتعاضد، تتحدث عن مناضل فلسطيني، وكيف تأثر بالاحتلال وجرائمه وانحيازه لوطنه انطلاقاً من مسؤولية المشاركة في عملية النضال التي دفع ثمنها بالاعتقال، مجسداً أن رحلة المناضل لا تنتهي بالاعتقال، فهو يكتب ليغني أدب السجون، من خلال تفاعلهم مع هموم شعبهم ورفد مسيرة الثورة والأدب والفكر. ولفت فارس إلى أن ثائر تعرض للتحقيق بعد إصدار روايته، وخلال التحقيق معه أجرى ضباط الاحتلال حواراً معه للوقوف على أفكاره، وإن كان قد أعاد النظر بها بعد 28 عاماً على اعتقاله، حيث أكد لهم أن المشكلة تكمن لديهم وهم الذين يجب أن يعيدوا النظر في موقفهم، بحيث يرحلون.
ونظرة ثائر للصراع بسيطة، واضحة، مختصرة؛ إمّا نحن أو هم على هذه الأرض، إذ يقول الأسير المحرر عصمت منصور لـ«الأخبار»، وهو الذي عايشه في سجون الاحتلال، «ثائر لديه نظرة صقر ثاقبة وقوية، تعكس شخصيته وثقته بحاله، وهو إنسان بسيط، متواضع هادئ جداً، لا تشعر به، لا يثير ضجيج حوله، ولا استعراض، لديه شهامة نادرة، وصفات الرجولة والأصالة».
ويشترك منصور مع ثائر في كونه أصدر روايات ومجموعات قصصية داخل سجون الاحتلال، مشيراً إلى أن الكتابة تعني الكثير للأسير، بخاصة إذا كان محكوماً لسنوات طويلة، فهو يتعلم ويتثقف وينتج، ودليل على إرادة الإنسان وقوته ومدى الأمل لديه، ورغبته في التواصل مع الناس وترك بصمة في الحياة، معتبراً أن إصدار الأسرى للكتب والتأليف علامة حياة وقوة وتفوق أخلاقي لدى الأسرى، لأن العمل الأدبي والروائي بحاجة لحس إنساني ومرهف، وهو نقيض الصورة التي يحاول الاحتلال تصويرها عن الأسرى بأنهم وحوش ودمويون. وتابع منصور: «حين تعيش مع ثائر تشعر أنه قادم من زمن آخر، كريم الخلق، وصاحب مبدأ لا يتنازل عنه، ورجل مستقيم ومقاييسه الأخلاقية عالية جداً، ولديه نظرة مبسطة وواضحة ومختصرة للصراع، إما نحن وإما هم».
ويشرح ثائر في مقابلة سابقة له كيف تبلور النضال لديه، إذ يعود ذلك إلى العام 1991 عندما جرى اغتيال عمه نبيل وكان عمره 11 عاماً، يقول عن ذلك «كان لاغتياله الأثر الكبير في مقاومتي للاحتلال، فخلال جنازته، رفعت العلم الفلسطيني بشكل عفوي، فحملني الشبان ورفعوني على الأكتاف لأصبح بمستوى النعش، وكم أثرت فيّ كلمات ذلك المقنع وهو ينعى عمي معاهداً إياه على مواصلة المشوار والسير على الطريق نفسه حتى النصر». ويضيف: «خلال الانتفاضة الأولى، اختلط عليّ مفهوما القلم والحجر، وكنت ما زلت في المدرسة آنذاك، فاستبدلت الألعاب بالحجارة، أرجم بها جنود العدو خلال التظاهرات والاحتجاجات، وأشعر بثورة تتفجر في صدري، وبأن الحجر وسيلة للرد على جريمة الاحتلال بقتله عمي بوحشية، إذ أنه أصيب في قدمه، فألقى الجنود القبض عليه، ثم رموه من أعلى قمة الجبل ليتدحرج نحو الشارع حيث وضعوه في المركبة العسكرية وانهالوا عليه ضرباً، وخصوصاً على موضع الإصابة، وشرعوا في تكسير عظامه، مثلما كان قد أمرهم يتسحاق رابين الذي كان وزيراً لجيش الاحتلال، قبل أن يصبح رئيساً للحكومة، وأخيراً أعدموه بثلاث رصاصات في صدره، فارتقى شهيداً مغدوراً بتلك الوحشية والسادية اللائقتَين بعقلية الاحتلال الصهيوني الإجرامية».