مطلع الأسبوع الماضي، نفّذ عشرات الآلاف من العمّال الفلسطينيين من الضفة الغربية إضراباً عن العمل في مناطق عملهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948. الإضراب، وإن اكتسى صفة رمزية ليوم واحد، جاء رداً على قرار الاحتلال، بمباركة السلطة الفلسطينية، بتحويل رواتبهم عبر البنوك الفلسطينية.

رفض العمّال لهذا الإجراء هو جوهر فهم الإضراب وتداعيات القرار الإسرائيلي، «الصرخة» فتحت الباب لقراءة واقع العمالة الفلسطينية من الضفة الغربية، والتي تقدّر بين 150 ألف عامل إلى 200 ألف، فعدم وجود رقم محدد لعدد العمّال العاملين داخل الخط الأخضر هو أيضاً كاشف لمظلومية العامل الفلسطيني.
منذ أشهر، اتخذت دولة الاحتلال قرار تحويل رواتب العمّال الفلسطينيين إلى البنوك الفلسطينية، ولاقى ترحيباً من قبل السلطة الفلسطينية، فالتحويل المالي جاء كخطوة ثانية من قبل سلطات الاحتلال في إقامة نظام السيطرة على العامل الفلسطيني، فيما الخطوة الأولى «السيطرة على الأجساد» عبر نظام التصاريح الذي يحدّد من يسمح له بالعمل داخل مناطق 48، بعد الفرز الأمني. الخطوة الثانية تتعلق بالسيطرة على حركة الأموال عبر إجبار المشغل الإسرائيلي على الكشف عن الراتب الفعلي الذي يقدمه للعمّال. وبذلك ينهي عملية التهرب الضريبي، ويتخلص من التعامل المالي «بالكاش»، حيث تسعى دولة الاحتلال إلى تقليص حركة «الكاش» في تعاملاتها المالية. أمّا موافقة السلطة على هذا القرار فلها أسباب كثيرة، وتصب جميعها في خدمة القطاع المالي من خلال ما ستوفره من تدفق للسيولة المالية داخل البنوك الفلسطينية التي تقدرها مصادر اقتصادية فلسطينية بحدود ثلاثة مليارات دولار سنوياً نتيجة تلك التحويلات.

مخاوف العمّال
الإضراب الذي قام به العمّال الفلسطينيون جاء بناء على المخاوف المتعلقة بالخشية من الاقتطاعات الضريبية، ورسوم فتح الحساب، كذلك عدم تسليم كامل الراتب بذريعة الأزمة المالية التي تمر بها السلطة منذ سنوات. كل تلك المخاوف، صاحبتها أزمة فقدان الثقة بين العامل والسلطة، والتي عبّرت عن نفسها منذ سنوات خلت، لكنها تعمّقت قبل سنتين أثناء أزمة جائحة «كورونا»، حيث تعاملت السلطة بإجحاف مع العامل، بعد أن قامت بمنعه من التوجه للعمل في مناطق الخط الأخضر، ولم تفِ بعهودها بتعويض العامل عن الأشهر التي توقف بها عن العمل مجبراً. فصندوق «وقفة عز»، الذي خصصته السلطة من أموال التبرعات، ذهب إلى جهات أخرى غير مستحقة.
البنك الدولي، في تقريره الصادر هذا العام، وصف حال العمالة الفلسطينية أثناء جائحة «كورونا»: «دخل نحو 110 آلاف فلسطيني إضافي دائرة الفقر. ويتركز الفقراء الجدد في المناطق الريفية بالضفة الغربية، ومن المرجح أنهم يعيشون في أسر تعولها نساء. ومع فقدان 20% من أصحاب الدخل الرئيسيين الذين سبق لهم العمل لوظائفهم، انخفض الدخل في أكثر من 60% من الأسر الفلسطينية في ذروة الجائحة».
إضافة إلى هذا كله، يعتبر العمّال أن العلاقة القائمة بينهم وبين السلطة علاقة من طرف واحد، العامل هو الذي يتعرّض فيها للاستغلال من دون أي مردود مادي وقانوني، حيث ترك العامل وحده في مواجهة سلسلة من الإجراءات الاحتلالية، سواء من سلطات الاحتلال، أو من أرباب العمل الإسرائيليين. الأولى تتعلّق بسلسلة الإجراءات العقابية التي يعاني منها العامل أثناء دخوله للعمل داخل الخط الأخضر، والثاني يتعلق بالاستغلال من قبل سماسرة التصاريح، يتقاضى هؤلاء ثلث راتب العامل الشهري، مقابل حصوله على التصريح، تشير تقارير أولية إلى أن نسبة 50% من العمّال يملكون تصاريح من خلال «السماسرة» الذين يقومون ببيعها إلى العمّال الفلسطينيين مقابل مبلغ مالي يصل إلى 650 دولاراً شهرياً، وفي حال تنفيذ قرار تحويل الراتب عبر البنوك بشكل شهري فإن ذلك سيترتب عليه إيقاف هذا النوع من التصاريح.

بدأت منذ سنتين ملامح الحل المطروح على الطاولة؛ الحل الاقتصادي الذي يقوم في صلبه على سلسلة من الإجراءات الاحتلالية «التسهيلات المعيشية»


عودة للبدايات
منذ العام 1967 والعامل الفلسطيني من الضفة الغربية، يعاني الاستغلال من رب العمل الإسرائيلي والشركات المشغلة له. هذا الاستغلال مر بمراحل مختلفة تبعاً لحاجة السوق، لكن ملامحه وأشكاله كانت طوال الوقت متشابهة، وتتعلق في معظمها بتدني الأجر الذي يتقاضاه العامل، وعدم وجود ضمان صحي، إضافة إلى عدم وجود تعويضات نهاية الخدمة. ومع مرور الوقت، استطاع العامل، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، انتزاع بعض الحقوق، التي تتعلق بالضمان الصحي، وتعويضات نهاية الخدمة. ومع هذا بقيت الأجور دون الحد الأدنى التي يحصل عليها العامل الإسرائيلي. يتعامل الاحتلال مع شريحة العمّال الفلسطينيين من باب أنها عمالة رخيصة، ومع اندلاع انتفاضة الحجارة، ومشاركة العمّال الفلسطينيين فيها، وتنفيذهم العديد من العمليات الفدائية داخل الخط الأخضر، سعت دولة الاحتلال إلى منع العمّال الفلسطينيين من دخول الأراضي المحتلة عام 48، كعقوبة لهم بسبب تلك المشاركة. وحاولت استبدال العمالة الفلسطينية بعمالة أجنبية من تايلاند ورومانيا ودول المنظومة الاشتراكية، التي كانت تنهار آنذاك. لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، فمع قدوم السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينيات، تخلت سلطات الاحتلال عن العمالة الأجنبية، التي وصفتها بأنها عمالة غير أخلاقية، بعد قيام العمّال الأجانب بالانخراط في السوق السوداء، وزيادة ظاهرة الإجرام والمخدرات. إضافة إلى هذا الأمر، هناك أسباب اقتصادية دفعت الاحتلال للتخلي عن تلك العمالة، فبيّنت المؤشرات المالية خروج مليارات الدولارات خارج السوق الإسرائيلية، نتيجة للتحويلات المالية التي كانت ترسلها العمالة الأجنبية لعائلاتها في تلك الدول، فيما رأت سلطات الاحتلال أن العائدات المالية التي توفرها العمالة الفلسطينية، تذهب جميعها في بطن الاقتصاد الإسرائيلي المتحكم بالسوق الفلسطينية، حيث تقوم العلاقة بين تابع ومتبوع.

انتفاضة الأقصى... عود على بدء
لم تكن سنوات التسعينيات ذهبية بالنسبة للعمالة الفلسطينية، في معظمها كان العامل الفلسطيني يعمل داخل الخط الأخضر، عبر نظم التهريب، وكان هناك تواطؤ بين سلطات الاحتلال وأرباب العمل الإسرائيليين الذين استغلوا تلك العمالة ووظفوها في قطاع الزراعة والإنشاءات وبعض القطاعات الخدمية التي يرفض العامل الإسرائيلي العمل بها.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى وانخراط الكل الفلسطيني بها، عملت دولة الاحتلال على متابعة ملف العمالة الفلسطينية، ومطاردتها ومنعها من العمل كلياً داخل الخط الأخضر، حيث أقامت في العام 2002 الجدار الفاصل بين الضفة الغربية ومناطق 48، وللمرة الأولى منذ عام 1967، ظهرت ملامح الفصل المادي بين مناطق 67 ومناطق 48، حيث فرض هذا الجدار منعاً شبه كلي، وتعرضت العمالة الفلسطينية لنكسة كبرى، فأثر التوقف عن العمل في حياة مئات الآلاف من الأسر الفلسطينية، في حين وقفت السلطة الفلسطينية عاجزة عن تحمل مسؤولياتها تجاه العمّال.

السلام الاقتصادي يطل برأسه
مع انسداد أفق «السلام»، واتفاقيات التطبيع العربية، بدأت منذ سنتين ملامح الحل المطروح على الطاولة؛ الحل الاقتصادي الذي يقوم في صلبه على سلسلة من الإجراءات الاحتلالية، «التسهيلات المعيشية»، التي تتعلق بتنظيم العمالة الفلسطينية. ومنذ ذلك الوقت، وسلطات الاحتلال تسعى في إنشاء تصور عملي، لاستيعاب العمالة الفلسطينية الوافدة، التي هي أصلاً حاجة ملحة للسوق الإسرائيلية، وذلك عبر زيادة تصاريح العمل التي تعدت اليوم 150 ألف تصريح، لمن هم فوق الخامسة والخمسين من عمرهم، حيث سمحت لهذه الفئة بالعمل من دون تصريح، ولا يوجد إحصاء دقيق لهذه الشريحة، إضافة إلى وجود آلاف العمّال لا يملكون تصاريح عمل.
عام 1936، مع قيام الثورة الكبرى ضد الاحتلال البريطاني، لعب العامل الفلسطيني دوراً مركزياً في هذه الثورة عبر انخراطه في إضراب استمر ستة أشهر متواصلة، كان الركيزة الأولى لزعزعة الاحتلال البريطاني. وصف الإضراب بالتاريخي، عبّر عن أصالة العامل الفلسطيني وتجذّره في الأرض، وهو الذي اكتوى بنار الاستغلال. العمّال الفلسطينيون اليوم هم أحفاد هؤلاء، ثوار 1936، الذين لا يضيعون البوصلة، وعلى يديهم سيكسر «السلام الاقتصادي» المتوهم.