صادقت إسرائيل في نهاية تموز على اقتطاع 176 مليون دولار من أموال «المقاصة»، وهو نفس المبلغ الإجمالي الذي قالت إسرائيل إن السلطة الفلسطينية حوّلته العام الماضي للأسرى في سجون الاحتلال، إلى جانب اقتطاعات أخرى تقوم بها من تلك الأموال، مثل ديون الكهرباء المستحقة للشركة القطرية الإسرائيلية، وديون شركة المياه «ميكروت»، وفواتير المستشفيات الإسرائيلية، والغرامات.

بلغ متوسط أموال المقاصة عام 2021، بعد الخصومات الإسرائيلية، 700 مليون شيكل (220.8 مليون دولار) شهرياً. وتشكل أموال المقاصة قرابة 63 في المئة من الدخل الشهري للحكومة الفلسطينية.
تجبي إسرائيل أموال الضرائب والجمارك المفروضة على السلع الفلسطينية المستوردة من الخارج، نيابة عن السلطة الفلسطينية، مقابل نسبة 3 % مما تجمعه، وفق ما جاء في اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة بين السلطة وحكومة الاحتلال عام 1994، والتي تعد الملحق الاقتصادي لاتفاقية أوسلو، نظراً لتحكم إسرائيل في الحياة الاقتصادية الفلسطينية من خلال سيطرتها على الموانئ والمعابر، وكذلك العمل بما يسمّى الغلاف الجمركي الموحّد من دون اعتبار لمستوى النمو والتطور في الاقتصاد الفلسطيني الناشئ مقارنة بالإسرائيلي.
اتفاقية باريس الاقتصادية تشبه اتفاق أوسلو، بأنه لفترة زمنية محددة (الفترة الانتقالية) التي كان يجب أن تفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية، ومناقشة قضايا الوضع النهائي التي تم ترحيلها آنذاك، مثل: القدس والحدود والأمن، وفي ذلك الإطار جرى تشكيل لجنة إسرائيلية - فلسطينية مشتركة، لبحث القضايا الاقتصادية كافة بشكل يومي، لكن هذه اللجنة التي لم تجتمع سوى مرات قليلة، قامت إسرائيل بتجميدها عام 2000 مع اندلاع انتفاضة الأقصى.
ولطالما طالبت السلطة الفلسطينية حكومة الاحتلال بإدخال تعديلات على اتفاقية باريس، وأدخلت وساطات دولية من أجل ذلك، لكن إسرائيل كانت ترفض في كل مرة.
وتنفذ إسرائيل هذه الاقتطاعات بشكل شهري على مدار العام وتعلن عنها رسمياً، وبالتزامن مع تلك الاقتطاعات، تواكب حكومة الاحتلال تأثير تلك الاقتطاعات على استقرار السلطة الفلسطينية المالي، بحيث لا تلحق بها الضرر أو تقودها إلى الانهيار، ولعل ما يعزز ذلك، ما كشفته صحيفة «يسرائيل هيوم» في منتصف تموز عن «صندوق سري» خارج موازنة الحكومة الإسرائيلية مهمته تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية، ويدار من الإدارة المدنية وجهات أمنية مع وزارة المالية، وذلك لدعم التعاون الأمني والمدني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
وإذا كانت كلمة «المقاصة» أقرب هجائياً إلى كلمة «المقصلة»، فإنها تشبهها في المعنى وفي الحالة الفلسطينية، حيث تحولت تلك الأموال إلى مقصلة على عنق السلطة الفلسطينية، وأداة لابتزازها، كونها باتت تشكل شريان الحياة لوجودها واستمرارها، إذ تشكل ما بين 65 – 70 % من إيرادات السلطة.
يقول أستاذ الاقتصاد نصر عبد الكريم، لـ«الأخبار»، إن الفلسطينيين حين وقعوا اتفاق أوسلو ومن ثم اتفاقية باريس، انطلقوا من طموح أنها فترة انتقالية ستقودهم إلى الدولة، بمعنى أن اتفاقية باريس جاءت لخدمة مرحلة انتقالية بتعقيداتها الأمنية والسياسية، ومن ثم قيام الدولة، بالتالي يستطيعون تغيير اتفاقية باريس إلى شكل وأداة اقتصادية مختلفة، وتأسيس اقتصاد وطني ينسجم مع المبادئ الأساسية لوثيقة الاستقلال بما يضمن قيم العدالة وتوزيع الثروات ومراعاة حقوق الناس. ويلفت إلى أن المرحلة الانتقالية لم تُفض إلى إنهاء الاحتلال وقيام الدولة، ولذلك جميع المخططات الفلسطينية أربكت ولم تتحقق، الأمر الذي أدى إلى زيادة التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، والهيمنة على الاقتصاد الفلسطيني، وبقي اتفاق باريس قائماً نظرياً ومطبقاً من جانب واحد وبالبنود التي تخدم إسرائيل، ومن ضمنها المقاصة. ويشير إلى أن إسرائيل سطت على أموال الفلسطينيين، ووضعت قواعد كثيرة على هذا الصعيد، فأصبحت تقتطع وتخصم بذرائع واهية، الكثير من المبالغ، لأن المقاصة معها، الأمر الذي أدى إلى تشوه الوضع الاقتصادي، لأن العلاقة مع الاحتلال أصبحت تحكمها، قوة الاحتلال العسكرية على الأرض.
تظهر الأرقام مدى ارتباط الاقتصاد الفلسطيني المبني وفق تلك الاتفاقية بالاقتصاد الإسرائيلي، إذ تستورد فلسطين من الخارج ومن إسرائيل ما بين 80 – 90 % من احتياجاتها، وتصدّر لإسرائيل 90% من صادراتها مع اختلاف حجم الصادرات والواردات، ويبدو أن حجم المقاصة يتأثر بالعجز في الميزان التجاري، فكلما زاد العجز في الميزان مع العالم وإسرائيل زادت المقاصة، وكلما زاد عدد العمّال الفلسطينيين في الداخل المحتل زادت المقاصة، كون إسرائيل تقتطع من العمّال ضريبة الدخل التي تحولها للسلطة الفلسطينية.

وضعت إسرائيل قواعد كثيرة على هذا الصعيد، فأصبحت تقتطع وتخصم بذرائع واهية، الكثير من المبالغ


وبشكل واقعي لا تبدو هناك خطط أو سيناريوهات قريبة لتحرير السلطة عنقها من مقصلة المقاصة والابتزاز الإسرائيلي، فالخيارات والبدائل لذلك، وإن كانت ممكنة، لكن البرنامج الاقتصادي والسياسي للسلطة الفلسطينية يحول دون ذلك. ويقول عبد الكريم: «إذا أرادت تخفيض المقاصة وتقليل تأثيرها على الاستدامة المالية للسلطة، إمّا أن تخفف العمالة في إسرائيل وهو خيار مرغوب وطنياً لكن صعب من الناحية العملية، نظراً لوجود مئات آلاف العمّال الذين لن يجدوا فرص عمل لهم في الضفة، أو تخفيف حجم التجارة مع العالم، وهذا يتطلب استراتيجية صناعة وزراعة حتى تستطيع تعزيز الإنتاج المحلي». وبحسب عبد الكريم، فإنه طالما بقيت أموال المقاصة في يد إسرائيل فإن «السلطة لا تستطيع اتخاذ خيارات سياسية واقتصادية» لأن ذلك قد يدفع إسرائيل إلى حجب المقاصة عن السلطة، باعتبارها المنطقة الرخوة في الجسد الفلسطيني.
واستخدمت إسرائيل أموال المقاصة في أكثر من مناسبة كأداة لابتزاز السلطة الفلسطينية، وتراوحت ما بين تجميد تحويل الأموال أو استقطاع أجزاء منها وبدأت هذه العملية لشهر واحد فقط بين آب وأيلول 1997، وعادت إسرائيل لتجميد المقاصة مع اندلاع انتفاضة الأقصى ما بين كانون الأول 2000 وكانون الأول 2002، وتكررت الحالة ما بين آذار 2006 وكانون الأول 2007، بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وتشكيل حركة حماس للحكومة العاشرة.
وعادت إسرائيل لنفس السياسة في تشرين الثاني 2011 مع المساعي الفلسطينية لنيل اعتراف ديبلوماسي من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، وكررت نفس الابتزاز في كانون الأول 2013 مع نجاح المساعي الفلسطينية في الحصول على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، وكذلك في كانون الأول 2014 – نيسان 2015 مع توجه السلطة إلى الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية.
وفي شباط 2019، رفضت السلطة تسلم إيرادات المقاصة بعد قيام الاحتلال باستقطاع مبالغ مالية منها، بقيمة ما تقدمه السلطة لعائلات الشهداء والأسرى والجرحى، حيث استمر الرفض حتى كانون الأول، وعادت السلطة لرفض تسلم إيرادات المقاصة في أيار – تشرين الثاني 2020 بعد قرار الرئيس وقف أشكال التنسيق مع الاحتلال المدني والأمني.
كما قامت سلطات الاحتلال باقتطاعات مختلفة من أموال المقاصة على ملفات عديدة، منها اقتطاع ما قيمته نصف مليون شيكل (142 ألف دولار) من أموال المقاصة تنفيذاً لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية، القاضي بتعويض عدد من «العملاء» ممن تعرضوا للتعذيب في سجون السلطة الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من العام 1997 وحتى العام 2002، قبل أن يتمكنوا من الفرار من سجون السلطة عقب الاجتياح الإسرائيلي للمدن الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية.
من جانبه، يقول مدير البحوث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) رابح مرار، لـ«الأخبار»، إن أموال المقاصة تحوّلت إلى أداة ابتزاز ومقصلة بيد إسرائيل ضد السلطة، في وقت فشلت الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الماضية من خلق بديل للمقاصة، التي بقيت تشكل ما بين 65 – 70 % من إيراداتها، ما أبقى على هشاشة الواقع الاقتصادي الفلسطيني، تقطع منها متى تشاء على ما أرادت من قضايا سواء قضايا الأسرى وأحياناً الكهرباء والمياه. ويلفت إلى أن السلطة عندما حاولت رفض استلام المقاصة بعد سن الاحتلال قانون الأسرى، استمرت لسبعة شهور، لكنها لم تتمكن من الاستمرار أكثر من ذلك، ونزلت عن الشجرة واستقبلت الحكومة الأموال مع وجود الاقتطاعات من أموال المقاصة والتي تقدّر بين 50 – 52 مليون شيكل شهرياً. ويشير رباح إلى إنه «من دون وجود بديل محلي أو من الاقتصاد الفلسطيني أو من الضرائب المباشرة فإن الاعتماد على المقاصة مشكلة لا مفر منها بالنسبة للسلطة»، مضيفاً: «يبدو هناك ارتياح لدى صانع القرار لدينا بالنسبة للضرائب كونها مصدر دخل يوفر جزءاً من الميزانية، ولم ألحظ أي إجراءات قامت بها الحكومة لتقليل الاعتماد على المقاصة، لأن كل السياسات الاقتصادية غير فعالة». ويتابع: «لا توجد حلول سحرية لدى السلطة، فهي مكبلة باتفاق باريس وأوسلو، وهناك اعتماد مباشر من قبل السلطة عليها طيلة عشرين سنة مع غياب سياسات ناجعة لديها»، و«إذا أرادت السلطة إيجاد الوسائل البديلة، فهي بحاجة لسياسات تنموية وتشجيع القطاع الخاص، الصناعي والزراعي والحد من الاستيراد وهي سياسات بحاجة إلى دعم حكومي وسنوات من العمل والمراكمة». ويرى رباح أن أموال المقاصة تُصرف في الموازنة التشغيلية للحكومة والسلطة، بالتالي فإن الموازنة التطويرية لا يتم صرف أي أموال بها، وهي توضع في الموازنة العامة عند إعدادها كشكل ليس إلا».