سيكون على والدَي الشهيد خليل حمادة، أن يقضيا أيامهما في تلمّس ذكريات ولدهما في أرجاء الشقة التي فرغا من تجهيزها أخيراً، تمهيداً لتزويجه مطلع الصيف المقبل. تتنقّل والدته ما بين غرف الشقة، وهي تشتمّ ملابسه ومقتنياته واحداً تلو الآخر. «انتظرتُه 12 عاماً تأخّرتُ فيها عن الإنجاب، وقضى في لحظة»، تقول نجوى، وتتابع: «خليل هو ابننا الوحيد، هو سلوتنا وأنسنا، أجريتُ خمس عمليات زراعة، وحين أنجبتُه شعرت أنني ولدت من جديد، ولم تنجح محاولتنا المتكرّرة بعده في إنجاب أخ له كنّا نحلم به، وكان يلحّ خليل علينا بأن يكون له شقيق».

تستجمع شتات قلبها وتمسح دموعها وهي تروي تفاصيل «العشاء الأخير»: «في ثاني أيام التصعيد، صلّى خليل المغرب، واشترى العشاء، جلسنا نأكل على المائدة وأنا أتأمّله، وبعدما فرغ من الطعام، سألني عن غداء يوم الغد، وفرح كثيراً عندما علم أنني سأعدّ له فطائر السبانخ وهي وجبته المفضّلة، ثمّ غادر البيت برفقة صديقه وحبيب قلبه حمادة زقوت». وبعد لحظات، سمعَت «أم خليل» دويّ انفجار كبير في الشارع المحاذي لبيتها: «خرجتُ سريعاً وقد شعرت بأن القصف أصاب قلبي، شاهدت لأوّل مرّة المشهد الحقيقي للمجازر التي كنت أسمع عنها، الدماء في كلّ مكان، والصراخ والبكاء يملأ المكان، كلّ يبحث عن أولاده وكأنه يوم القيامة».
تكمل الوالدة: «بدأت أبحث عنه بين عشرات المصابين والشهداء، وأنا أصرخ الولد راح ابني راح، لم أكن قد وجده بعد، لكن شيئاً ما في قلبي كان يخبرني بأن ثمّة شيئاً ما قادم (...) وجدتُه ساجداً وقد غطّى رأسه بكلتا يديه، كنت أظنّه مصاباً، لكنه كان قد فارق الحياة».
يصف بلال سلمان، وهو أحد سكّان الحيّ، الموقف بدوره، قائلاً: «بعض المصابين جروا إلى منازلهم للاطمئنان على أولادهم، والدماء تنزف منهم، قبل أن يخرّوا على الأرض شهداء». كان خليل حمادة وصديقه حمادة زقوت حالة خاصة: «محبوبين من كلّ سكّان المخيم، لن تجدهم إلّا سويةً، في التمشّي في الشوارع والجلوس على العتبات ومساعدة الجيران... ولأن خليل وحيد والديه، كانت الأنظار تتّجه إليه، وسكّان المخيم ينتظرون فرحه» يضيف سلمان. لكن خليل (19 عاماً) قضى إلى جانب 9 شهداء آخرين في قصف استهدف حيّ عماد عقل المكتظّ بالسكّان وسط مخيم جباليا شمالي قطاع غزة. ويعدّ المخيم من أكبر مخيمات القطاع الثمانية كثافة سكانية، حيث يقطنه أكثر من 100 ألف لاجئ في ظروف إنسانية ومعيشية صعبة، إذ إن معظم البيوت مبنيّة من الصفيح المعدني، ولا يتجاوز عرض الشوارع الفاصلة بين البيوت المتر ونصف متر في أحسن الأحوال.

فرح مؤجَّل
يقول والد الشهيد، إياد حمادة، إن استشهاد نجله حصل في خضمّ «أحلام الفرح»، مضيفاً في حديثه إلى «الأخبار»: «كنّا نعدّ الأيام يوماً بعد آخر، جهّزنا له شقته، اشترينا له طقم النوم و الأجهزة الكهربائية، لم أكن أعلم أن خلافاتنا الودودة أثناء بناء شقته، ستعلق في ذهني كأجمل ذكريات حياتي»، في حين تَلفت والدته التي تعمل ممرّضة إلى أنه «لم يكن ينقص بيت الأحلام سوى العروس، وكنت قد بدأت أبحث عنها بالفعل، كانت تلك أجمل أيام عمري».
وكان وحيد والديه يعمل نجاراً، ويقضي معظم أوقات يومه في الورشة ليساعد والده الذي يعمل سائق سيارة أجرة. وبعد الانتهاء من العمل، يجلس في المنزل «ليشاغلنا بشقاوته المحبّبة»، تضيف والدته، متابعة: «كان خليل مشروع عمرنا، هو ثمرة صبرنا، ومقصد تعبنا وشقائنا، لا يترك لحظة بدون إدخال الفرح على قلوبنا، شقي ودلوع وحبيب الكلّ كما يقول كلّ من جاء لمواساتنا». أمّا في ساعات المساء، فيغادر خليل المنزل ليلتقي بصديقه حمادة زقوت، وقد شاء القدر، أن يرحل الإثنان في لحظة واحدة. لقد «عاش مع صديقه ورحل معه، يا ليتنا رحلنا معاً»، تختم نجوى بحسرة.