شكّل شعر المقاومة الفلسطينيّة، كما أطلق عليه الأديب المناضل الشهيد غسّان كنفاني، معراج قنطرة الوعي ومدار تثبيت الهويّة والانتماء وترسيخهما، وشحن وشحذ وتعميق الوجدان الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ، منذ فجره المساهم في إبقاء الرّوح الفلسطينيّة حيّة وجامعةً، رغم التشظّي الرّهيب الّذي أصاب جسد الأرض والجغرافيا والتاريخ.

ولعلّ الجانب الفكريّ والأدبيّ والفنيّ الذي أبدع فيه شعبنا الفلسطينيّ رغم نكباته، شكّل أحد أهمّ العوامل التي أبقت جذوة القضيّة مشتعلة عبر قرن، كون الإبداع ولّاد طاقة تمنح الإنسان تطلّعاً أعمق لمكنونات ذاته الفردية والجمعية مجتمعين.
ومن رحم الفطرة الصادقة، اشتعلت شرارة شعر المقاومة الفلسطينية وأدبها في الأرض المحتلّة بعد نكبة عام 1948، وتفجّر نبعها في ظروف عزلة وانقطاع تامّ عن باقي أبناء الشعب الفلسطينيّ والعالم العربيّ، لكنّ هذه الحالة لم تنبع من عدم، فرغم إفراغ الداخل الفلسطينيّ من محتواه المدنيّ بعدما كانت حيفا ويافا على سبيل المثال منارتين ثقافيّتين توازيان المدن العربيّة الكبيرة، فقد شكلّت قوّة الدفع والتنظيم الذاتي السياسيّ والحزبيّ والثقافيّ، والتواصل المتاح مع المحيط عبر صحيفة «الاتحاد» التي يصدرها الحزب الشيوعي، والاستماع إلى «صوت العرب» من القاهرة وإذاعة دمشق بشكل خاصّ، النافذة الّتي تسلّلت منها الشمس والتي غذّت زهور الظّل.
وقد وصل شعر المقاومة الفلسطينية إلى القارئ العربي، عبر العديد من النوافذ التي كانت متاحة في الخمسينيات والستّينيات والسبعينيّات من القرن الماضي. وبدأ القرّاء والنقاد العرب بقراءة قصائد وأدب شعراء وكتّاب الأرض المحتلّة، التي لا يعرفون الكثير عمّا يحدث داخلها، وقد برزت أسماء الرعيل الأوّل بعد النّكبة، وعلى رأسهم محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وتوفيق زياد وسالم جبران وغيرهم، فحظيت هذه الحالة الاستثنائيّة بالاهتمام الواسع على المستوى الجماهيري في الداخل الفلسطيني، وعلى المستوى الإعلامي والنقدي والشعبي على المستوى العربي.
وقد علت أصوات لشعراء من هذا الرعيل في الضّفة الغربيّة وغزّة والشتات، أمثال معين بسيسو وفدوى طوقان وهارون هاشم رشيد وأحمد دحبور وعز الدّين مناصرة ويوسف الخطيب وغيرهم.
فشكّل شعر المقاومة الفلسطينيّة حالة ثقافية رافقت القضيّة الفلسطينيّة، على اختلاف تفاصيلها المرتبطة بالتشظّي المكانيّ واختلاف المسارات والحالات السياسيةّ، لكنّ أدب المقاومة استطاع أن يكوّن الخيط الجامع لسبحة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته، فأصبح رافداً مهمّاً من روافد الوعي الفلسطينيّ، وساهم مساهمة مهمّة في خلق حالة التضامن العربيّ والعالميّ مع القضية.
وقد أزعج هذا الأدب قادة الكيان الصهيونيّ، إلى درجة اغتيال بعض رموزه المنخرطين في التنظيمات والفصائل المقاومة مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وغيرها، ومنهم غسّان كنفاني وكمال ناصر، وغيرهما، وضيّقوا على شعراء المقاومة داخل حدودها، فقد تعرّض محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وآخرون للملاحقات والاعتقالات والسجن الفعليّ والمنزلي، ما أدى بمحمود درويش وراشد حسين إلى ترك الوطن والهجرة، والاستمرار بمسيرة النضال الثقافي من خارج الوطن، بينما رأى القاسم وزياد وغيرهما أنّ بقاءهم في الوطن، رغم الظروف الصعبة، جزء لا يتجزّأ من نضالهم.
ومن هنا، كانت الكلمات المشهورة عن موشيه ديان بعد حرب 1967، وهو يعلن بكل وضوح أنّ قصيدة يكتبها «شاعر مقاوم» تعادل عنده عشرين «فدائياً»، وقد صرّحت غولدا مائير بأنّ التخلّص من غسّان كنفاني بالنسبة إلى إسرائيل يعادل التخلّص من كتيبة محاربين.
وقد بدأ العالم العربي بالتعرّف على شعر المقاومة في الداخل الفلسطيني، عبر كتابات غسّان كنفاني عن هذه الظاهرة، حيث أصدر كتابین درس فیهما الأدب العربي في فلسطین، عنوان أولهما «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966»، صدر عام 1966 (بيروت - دار الآداب)، وعنوان ثانیهما «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968» صدر عام 1968 (بيروت - مؤسسة الدراسات الفلسطينية).
كتب كنفاني، في كتابه الثاني، مقدّمة یأتي فیها على مفهوم المقاومة، التي تعني بمعناها الواسع المقاومة على صعید الرفض، وعلى صعید التمسّك الصعب بالجذور والمواقف، ویرى أنّ المقاومة السیاسیّة والثقافیّة، هما الأرض الخصبة للمقاومة المسلّحة. وينظر إلى العرب الفلسطينيّين في الداخل الثماني أربعيني، على أنّهم قدّموا من خلال أقسى الظروف نموذجاً عالياً للمقاومة، ولكنّ هذا الأدب لم یكن ظاهرة طارئة على الحياة الثقافیة الفلسطينية، بل له جذور في أشعار متمثّلة في شعر إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي أبي سلمى وعبد الرحیم محمود وغيرهم. وقد اهتم نقّاد وشعراء عرب كثيرون بهذه الظاهرة في بداياتها وكتبوا عنها أبحاثاً ونقداً وشعراً، ومنهم الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب والناقد المصري رجاء النقّاش وأدونيس ونزار قبّاني وغيرهم الكثير.

أدب المقاومة استطاع أن يكوّن الخيط الجامع لسبحة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته، فأصبح رافداً مهمّاً من روافد الوعي الفلسطينيّ


وكانت بواكير المجموعات الشعرية التي حملت نَفَس الممانعة أو المقاومة أو الانتماء والهمّ الوطنيّ والقوميّ في الدّاخل الفلسطيني، قد بدأت مع راشد حسين (1936 - 1977) الذي أصدر ديوان «مع الفجر» عام 1957، وديوان «صواريخ»، عام 1958، وأصدر سميح القاسم (1939 - 2014) ديوان «مواكب الشمس» عام 1958، وأصدر محمود درويش باكورته الشعرية «عصافير بلا أجنحة» عام 1960، لكنّه أسقطها عمداً من كلّ طبعات مجموعاته الناجزة والكاملة التي صدرت لاحقاً عن دور نشر مختلفة.
ونستطيع القول إنّ تفجّر هذه الحالة نبعَ من تأثيرات عديدة، منها على الصعيد العربيّ الحالة الناصريّة، والثورات في العالم العربيّ، كالعراق والجزائر وغيرهما، ومجزرة كفر قاسم في الداخل الفلسطيني التي تزامنت مع أحداث العدوان الثلاثي على مصر بعد إعلان تأميم قناة السويس، والمدّ الثوري ضد الإمبريالية، في أماكن عديدة في العالم مثل الثورة الكوبيّة على سبيل المثال.
ورغم اهتمام وتمحور النقد والإعلام بأسماء قليلة من الرعيل الأوّل لشعراء المقاومة الفلسطينيّة، إلّا أنّنا لا نستطيع التغاضي عن أسماء أخرى من هذا الجيل، ولن أتطرّق إلى الجانب الإبداعيّ والمفاضلات بين الشعراء. ولكن ورغم وجود أسماء مبدعة إلى جانب الأسماء التي برزت وحقّقت شهرة واسعة، إلّا أنّنا نستطيع القول إنّ الانتشار لبعض شعراء هذا الرّعيل له علاقة أيضاً بتميّزهم الإبداعيّ أو تميّز بعضهم، لكن بالمقابل هناك أسماء أخرى حظيت باهتمام فلسطينيّ وعربيّ، ومنهم الشاعر حنّا أبو حنّا، الّذي رافق الثلاثي راشد وسميح ومحمود في إصدار باكوراتهم الشعريّة، كونه كان متقدّماً عليهم سنّاً، وحتّى تجربة في ذلك الوقت، أي في بداياتهم الأولى.
ومن بين شعراء هذا الجيل، إضافة إلى الأسماء التي ذكرت، وبغضّ النّظر عن بداية إصداراتهم: أحمد حسين، طه محمّد علي، حنّا إبراهيم، عصام عباسي، عيسى لوباني، محمود دسوقي، شكيب جهشان، جورج نجيب خليل، جمال قعوار، عمر حمّود الزّعبي، سعاد قرمان، زهيرة صبّاغ، حبيب شويري، فوزي الأسمر، سليم مخّولي، جميل لبيب خوري، حبيب قهوجي، محمد نجم الناشف، ميشيل حداد، فوزي عبد الله، شفيق حبيب، حسين مهنا، فهد أبو خضرة، منيب مخول، نايف سليم، سعود الأسدي وإدمون شحادة.
وبما أنّ القضيّة الفلسطينية لا تزال جرحاً نازفاً، لم ينحصر شعر المقاومة الفلسطينيّة في نتاج الرعيل الأوّل بل استمر لأجيال متعاقبة، ولا يزال مستمرّاً رغم تغيّر الظروف السياسيّة فلسطينيّاً وعربيّاً ودوليّاً، وقد أصدر كاتب هذه السطور كتاباً ضخماً بعنوان «مختارات من شعر المقاومة الفلسطينيّة في الداخل (48)»، ووثّقت فيه قصائد لـ 126 شاعراً من جميع الأجيال، يشمل جيل الشباب أو الجيل الرابع وحتّى الخامس بعد النكبة، وحتّى تاريخ إصدار الكتاب، عام 2016، ولا يتّسع هذا المقال لذكر الأسماء أو نماذج من نتاجهم. ويقابل هذه الحالة نتاج شعراء الأرض المحتلة عام 67، وشعراء الشتات والمهجر، والذي لا يزال يتوهّج بشعر المقاومة.
وما يمكن ملاحظته أنّه على الرغم من انحسار الحالة الثوريّة في القضية الفلسطينيّة، أو حتّى شبه تصفيتها، ولا سيّما بعد اتفاقات أوسلو، وعمليّات السلام والتطبيع بين دول عربيّة وإسرائيل، إضافة إلى الأزمات والحروب الداخليّة في دول عربيّة أخرى، إلّا أنّ جذوة شعر المقاومة لم تنطفئ، وإن تغيّرت مفاهيمها عند الكثيرين من الشعراء نظراً إلى تغيّر الظّروف، من تراجع الاهتمام الشعبيّ والإعلامي والنقديّ العربيّ وحتّى الفلسطينيّ بهذا الشّعر، وهنا يجدر التّنويه بأنّه يمكن للباحثين والنقّاد اكتشاف مواهب أصيلة وعالية في هذه الأجيال، لكنّها لم تحظ بالاهتمام الكافي إعلامياً ونقديّاً وشعبيّاً، بسبب تغيّر الظّروف والمزاج العربيّ العامّ، ولا سيّما الإعلاميّ، ولكن دون تعميم.
ومن الجدير التّنويه إليه أيضاً أنّ الظّروف السياسيّة الفلسطينيّة والعربيّة وحتّى الدّوليّة، قد أسدلت بظلالها على شعر المقاومة الفلسطينيّة، رغم بقاء جذوته مشتعلة، وإن كان تحت الرّماد أحياناً لدرجة أنّ الشّاعر الفلسطينيّ الأشهر محمود درويش انشغل في أواخر حياته بمواضيع مختلفة عن شعر المقاومة، بمعناها الإيديولوجيّ المباشر، فمجموعاته الشعريّة الأخيرة بعد مجموعة «لماذا تركت الحصان وحيداً» الذي صدر عام 1995، لم تشمل قصائد سياسيّة، باستثناء مجموعة «حالة حصار» التي صدرت عام 2002، والتي وصف فيها درويش حالة الحصار التي عايشها أثناء اعتداء وحصار الاحتلال الإسرائيلي لمدينة رام الله، وياسر عرفات في مقرّ المقاطعة.
ولا نستطيع اعتبار توسّع المواضيع الشاعرية، لدى محمود درويش وغيره من الشعراء الذين كرّسوا جلّ نتاجهم للقضيّة، تخلّياً عن شعر المقاومة، لكنّنا نستطيع القول إنّ المقاومة وأيّ مقاومة بمعناها الشموليّ المتّسع، هي فعل حياة، وانتصار للحياة بكامل سماتها، فكلّ ما يقاوم الحياة وكرامتها وجماليّاتها وهمومها وتطلّعها هو فعل مقاومة، فالشاعر كأيّ إنسان ينتمي للحياة، وانتماؤه للقضايا الوطنيّة والقوميّة هو جزء من الانتماء للحياة.
وللختام، يبقى شعر المقاومة الفلسطينيّة بكلّ أجيالها تجربة وحالة وطنيّة وقوميّة وإنسانيّة استثنائيّة، كاستثنائيّة القضية الفلسطينية، التي لا تزال جرحاً عربيّاً وإنسانيّاً مفتوحاً على مصراعَي قرن كامل من الزمن المعاصر، الذي يشهد عمر أطول احتلال، للأرض والإنسان والمقدّسات، ولكنّ شعر المقاومة الفلسطينيّة وأدبها كانا ولا يزالان النّاجز والشاهد الذي يؤكّد أن الاحتلال لم يستطع بكلّ قدراته وإمكاناته تغييب الوعي، وتجريف الذّاكرة ومحو الهويّة والانتماء والصّمود.
فعلى هذه الأرض ما يستحقّ الحياة.
* شاعر وكاتب، الرئيس السابق للاتحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين (48)