لم تكن الحرب الأخيرة على غزة، التي جرت الأسبوع الماضي، أوّل الحروب التي تخاض ضدها، لكنها الحرب التي أراد منها الاحتلال تحقيق ما عجز عن تحقيقه طوال سبعة عشر عاماً، وهو تاريخ خروجه من غزة في العام 2005.

في هذه الحرب بالتحديد، أراد العدو أن يراكم خبراته السياسية والعسكرية والأمنية، وأن يستلهم الدروس والعبر من كل جولات الصراع المفتوح مع المقاومة الفلسطينية في غزة.
أسئلة كثيرة طرحت وما زالت تطرح حول توقيت الحرب، والأهداف التي أراد الاحتلال تحقيقها من هذه الجولة، وكذلك النتائج التي تحققت للطرفين من هذه الجولة التي استمرت ثلاثة أيام.
نعم، الحرب بدأت بعملية اغتيال جبانة، نفذتها طائرات الاحتلال ضد قائد «سرايا القدس» في شمال قطاع غزة الشهيد تيسير الجعبري، فاستهدفته أثناء تواجده في أحد أبنية مدينة غزة، وكان الاغتيال الشرارة التي أشعلت الحرب، لكن الأمر بدأ قبل ثلاثة أيام من تلك الحادثة، بعد قيام «سرايا القدس»، الجناح المسلّح لحركة «الجهاد الإسلامي»، بإعلان النفير العام على حدود القطاع، استعداداً للرد على الاعتقال الهمجي والوحشي للشيخ بسام السعدي القيادي البارز لـ«الجهاد» في الضفة الغربية.
لم يكن رد الحركة سريعاً على اغتيال الجعبري، ولإزالة اللبس الذي طال الساعات الأولى التي سبقت رد الحركة، أوضح مصدر قيادي مسؤول في الجهاد لـ«الأخبار» بأن «حركته أطلعت الجميع على قراراتها، بالذهاب نحو المواجهة، ومن ضمنهم حركة حماس، وأكد أن حركته لم تتلق أي رد سلبي من قبل المعنيّين في حماس».

بين «وحدة الساحات» و«الفجر الصادق»
أطلقت «الجهاد» على تلك المواجهة العسكرية تسمية «وحدة الساحات»، وأخذت على عاتقها إنجاز تلك المهمة، والمقصود بالتسمية الربط المباشر بين غزة والضفة في كل المجالات، بخاصة أن الاحتلال يسعى على الدوام إلى فصل غزة عن كل ما يجري في الضفة الغربية، للاستفراد بالمقاومة الفلسطينية فيها، وهي الآخذة بالتشكل مجدداً، والنمو في مناطقها كافة. المصدر يؤكد أن «الحركة الموجودة في الساحتين، والتي تمثّلها قيادة سياسية وعسكرية واحدة، لا يمكن لها أن تبقى صامتة عن كل ما يجري من أحداث في الضفة الغربية، من دون تفعيل كل الساحات، للإسناد الفعلي والحقيقي والملموس، لذلك وافقت الحركة على وقف إطلاق النار، بعد التعهّد المصري بالعمل على إطلاق سراح الشيخ بسام السعدي والأسير المضرب عن الطعام العواودة». وهذا تم إبلاغه للحركة بشكل مباشر عن طريق الوسيط المصري.
الاحتلال، من جانبه، أطلق على عملية الغدر في غزة تسمية «الفجر الصادق»، وأراد منها بصورة محددة الاستفراد بـ«الجهاد الإسلامي»، وإلحاق الأذى الكبير في جسم التنظيم، لتحقيق هدفين أساسيين؛ أولاهما فصل الساحات والاستفراد بالمقاومة الفلسطينية في الضفة، حيث تلعب حركة «الجهاد» عبر «سرايا القدس» دوراً مركزياً فيها، وثانيهما إحداث الشرخ بين حركتي «حماس» و«الجهاد» في قطاع غزة.

لعبت غزة منذ احتلالها في العام 1967 دوراً محورياً في مشاغلة الاحتلال


كانت محاولة إحداث هذا الشرخ، عبر إعلان الاحتلال المبكر استبعاد «حماس» من الاستهداف في هذه المعركة، لكن مجريات الحرب لم تستطع تحقيق أي من الهدفين. وممّا يؤكد ذلك، التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للجهاد الإسلامي زياد نخالة، في مؤتمره الصحافي الذي عقده في طهران للإعلان عن موافقة حركته على وقف إطلاق النار. فقد فنّد تلك المقولات التي تحدّثت عن شقاق بين الفصيلين: «أؤكد على وحدة قوى المقاومة ونحن والإخوة في حماس في تحالف مستمر معهم ومع مختلف الفصائل والعدو لن يستطيع أن يفرق بيننا، وحماس لم تتدخل في المعركة لكنها العمود الفقري لحاضنة المقاومة وسنحافظ على وحدتنا».

انعطافة نوعية للمقاومة في غزة
لعبت عدة عوامل سياسية إقليمية دوراً مركزياً في الضغط على حركة «حماس»، لمنعها من الانخراط في المواجهة العسكرية الأخيرة، والمقاربة التي قدّمتها دول الإقليم لـ«حماس» في هذه المسألة تتعلّق بتصوّرات ورؤى للحلول النهائية في غزة.
بالتالي، لا يمكن تفسير هذا الصمت المطبق من قبل «حماس» من دون التوقّف عند تلك التصورات السياسية التي قدّمتها دول الإقليم لـ«حماس»، وإن كانت حتى هذه اللحظة تمضي وتفعل فعلها من دون إعلان فعلي ورسمي عن وجود تلك التفاهمات، التي يبدو أن «حماس» أخذتها على محمل الجد وتخضعها للدراسة.
لم يقدّم المقرّبون من «حماس» تفسيرات تتعلّق بعدم المشاركة في «وحدة الساحات»، واقتصر قولهم بأن الوضع الداخلي لا يسمح، وغير مهيأ للحرب. لا تبدو التفسيرات مقنعة على الإطلاق، بخاصة أن «حماس» خاضت، عبر جناحها العسكري «كتائب القسام»، أربع حروب سابقة بكل اقتدار، وقدّمت الغالي والنفيس، من دون النظر لمقولة موازين القوى المختلة لصالح الاحتلال، وقد أثبتت «القسام» قدرات هائلة وهي تتقدّم بثبات في تلك الحروب، وكانت آخرها «سيف القدس» التي وضعت حداً نهائياً لجيش الاحتلال بأن يفكر باجتياح بري لقطاع غزة.

غزة بين هانوي وسنغافورة
لعبت غزة منذ احتلالها في العام 1967 دوراً محورياً في مشاغلة الاحتلال، عبر مقاومتها المسلحة، المستمرة من دون توقف، حتى تم دحر الاحتلال عن القطاع في العام 2005، وحتى هذا التاريخ كانت «حماس» لا تزال في مربع المقاومة المسلحة، بلا انخراط في مؤسسات السلطة الفلسطينية السياسية المنبثقة من اتفاق أوسلو. لكن بعد وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات في العام نفسه، حضّرت حماس نفسها بشكل جيد لخوض الانتخابات، ففي العام 2006 تمكّنت من الفوز بثلثي أعضاء المجلس التشريعي، الأمر الذي مكّنها من تشكيل الحكومة الفلسطينية التي لم تدم طويلاً، بعد أن تبدّدت الآمال في إيجاد نوع من الوحدة الوطنية الفلسطينية بين قطبيها («حماس» و«فتح») ليحصل الانقسام المقيت في العام 2007 ويخضع القطاع لحكم «حماس»، ويطبق الحصار عليه المستمر حتى الآن.
فشلت كل المحاولات التي قامت بها الفصائل الفلسطينية لإنهاء حالة الانقسام، والذهاب نحو انتخابات رئاسية وتشريعية، تفضي في النهاية لإنهاء الانقسام الفلسطيني، الذي أثر سلبياً في واقع الشعب والقضية الفلسطينية. الفاعلون الدوليون والإقليميون، ودولة الاحتلال، يمتلكون تأثيراً فعالاً لإبقاء حالة الانقسام، وفرض شروط سياسية على الفلسطينيين، مقابل تصورات اقتصادية لحل القضية الفلسطينية من دون المرور بالاستحقاقات السياسية.
العملية العسكرية الأخيرة في قطاع غزة، جاءت لتهيئة الأجواء، لوضع ملامح الحل المطروح على الطاولة، عبر استبعاد وإضعاف حركة «الجهاد الإسلامي» عن المشهد، ولا سيما أن الحركة لا تزال حتى هذه اللحظة تقدّم نفسها كحركة مقاومة، ولا تستهدف أي مغانم سياسية أو مصلحية، ومشروعها النهائي يتلخّص بدحر الاحتلال عن كامل فلسطين الانتدابية.
أمّا حركة «حماس»، فهي بالأصل حركة سياسية تمتلك جناحاً مسلحاً، تمثّل سياسياً ضمن النظام السياسي الفلسطيني، الذي يمتلك شرعية دولية معترفاً بها، وتطالب أيضاً بالانتخابات، وتقرّ علناً قبولها بأي وزن سياسي تفرزه نتائج الانتخابات المطالب بعقدها. هذا التموضع لـ«حماس» يفرض عليها إدارة الصراع بشقّيه السياسي والعسكري.
لهذا، فإن هذه المقاربة، تؤشر إلى أن معادلة هانوي في غزة لم تعد قادرة على الاستمرار، نظراً لما خلفته عوامل الحصار المفروض على القطاع من آثار جسيمة في البنية الاجتماعية والاقتصادية على أهالي القطاع بالمجمل، الأمر الذي أدّى بحماس، لقراءة هذا الواقع الصعب، والتعامل مع الخيارات المطروحة على الطاولة، من دون أن نغامر بالقول إن «حماس» قد وافقت على أطروحة سنغافورة التي يروّج لها النظام المصري منذ مدة. فقادم الأيام هو الذي سيقدّم البرهان على وجهتي التحليل، بين غزة هانوي أو غزة سنغافورة.
وإن كان لحركة «الجهاد» رأي آخر في ذلك، فهي الأخرى مطالبة ببناء تصوّرها الخاص، الذي يراعي متطلبات المواجهة العسكرية مع الاحتلال، ويراعي أيضاً الظروف الموضوعية لأهل غزة الذين يعانون شظف العيش، ويشعرون بمرارة الخذلان، وبأنهم وحدهم في هذا الحصار.
يبدو أن «الجهاد» قادرة على التموضع العسكري في الضفة، على عكس «حماس» التي لم يلحظ لها وجود عسكري ملموس. وربما «الجهاد» قادرة على تطبيق «وحدة الساحات» طالما أن بزوغ الفجر الفلسطيني يتلمّس خطاه في ساحات الضفة، مدنها وقراها ومخيماتها.