عزيزي غسان،

كيف يستطيع الألم أن يمسك بالأشياء من أطرافها الحادّة؟ أو كيف يستطيع أن يعطي معنى آخر للأشياء التافهة؟ خطرت لي هذه الأسئلة قبل يومين وأنا أقلّب كتابك: «موت سرير رقم 12»، فوجدت قصة «القط»، القصة التي قرأتها وأنا صبية وعلقت في ذاكرتي. ربما باتت الآن تذكّرني بالألم الذي فجأة يحول أنظارنا نحو المعنى، معنى أن نكون في هذا العالم وأن يكون الألم رفيق كل الأسئلة. قرأت مرة لشاعر إسباني اسمه أنطونيو بوركيا شذرة تقول: «الألم لا يتبعنا، إنه يسير في المقدّمة». شعرت عندها أنه الإلهام الحقيقي لنتابع السير وتذكّرت قصتك.
في القصة يذهب البطل إلى سميرة، ولكنه يسأل نفسه على الطريق، هل يذهب إليها لأنه ليس هناك مكان آخر يذهب إليه؟ هل هو الفراغ؟ ربما كانت وطأة تلك الأسئلة أخفّ، وكان إحساسه بالتفوق قد بدأ يتلاشى حين شاهد القط، ولاحظ أنه لا يتحرك. يجلس في زاوية في الزقاق ولا يحرك ساكناً. حين اقترب منه رأى ساقيْه مهروستين بالدم، فراوده سؤال لم يفارقه: من فعل ذلك بالقط؟ ذهب إلى سميرة لكنّ هذا السؤال لم يفارقه أبداً. ربما دهست سيارة مسرعة ساقَي القط وهو يقطع الشارع. لكن قوة السؤال قد جعلته غير قادر على إكمال يومه كما اعتاد وتحولت زيارته لسميرة إلى جلسة أسئلة عن هذا القط. أقرأ القصة وأنا أتساءل معك بصوت عالٍ: كيف استطاع هذا المشهد أن يغطّي المشاهد الأخرى لأنه كان حقيقياً. هكذا يكون الألم من يقودنا إذاً لنتساءل عن معنى الأشياء من حولنا بطريقة أخرى. هكذا أقلّب معنى هذه القصة وأنا أتأمّل أشياء تحدث معي، فأقول في داخلي: أي رسالة يحملها هذا الألم وأي سؤال مبطن داخله؟
عزيزي،
تأخذني قصصك الشعرية لحفر خندق في الروح، لأتذكر «القميص المسروق»، قصة أبي العبد الذي كان يودّ أن يحفر خندقاً قرب خيمته، لكي يسرق الطحين من وكالة الغوث، لكنه اكتشف أن العامل هناك قد تآمر هو والعامل الأميركي لبيع أكياس الطحين مقابل مبلغ من المال. فيقرر أن لا يشترك في اللعبة القذرة ويعود إلى خيمته باكياً لأنه لا يستطيع أن يشتري لابنه قميصاً جديداً. وهنا أيضاً يكون للألم صفحة أخرى في حياة أبي العبد كلاجئ في المخيم. شعرت وأنا أقرأها مرة ثانية أن حفر الخندق ليس فقط من أجل سرقة الطحين، إنما البحث عن حياة في مكان مظلم هو المخيم، لكنّ قصتك أيضاً تحفر في سؤال آخر: ماذا نفعل في مكان يحوّلنا إلى باحثين عن أنفسنا؟
لا أنسى أيضاً تلك القصة التي تحدثت عنها في رسالتي الأولى إليك «البومة في غرفة بعيدة»، هل تعلم أنني أخبّئ صورة البومة التي رسمتها وعلّقتها في غرفتي. قبل أربع سنوات كنت في مكان آخر وكانت البومة من شجرتك التي خبّأت تحتها الأسلحة لتذكرني بالخوف، ذلك الذي نظرت في عينيه لتقول له بأنّك ستتابع الطريق رغماً عنه. وفلسطين اليوم ليست في مكان بعيد، هكذا أتلمّس صورتها في الأشياء الصغيرة التي كنت تقرأها بروحك، والمعاني الخفية التي كنت تلتقطها في طريقك إليها.

إنها ليست مناسبة أو طقساً أن أعيد زيارة قصصك في ذكرى موتك، فأنا أذهب إليك لألتقي بأشياء صادفتها في طفولتي


إنها ليست مناسبة أو طقساً أن أعيد زيارة قصصك في ذكرى موتك، فأنا أذهب إليك لألتقي بأشياء صادفتها في طفولتي، ودائماً تظهر مرة أخرى أثناء زيارتي لقصصك، فأكتب إليك من بيروت مدينتك الجميلة وأنا أفكر بقصتك «موت سرير رقم 12» حين تحوّل اسم محمد علي أكبر إلى سرير رقم 12. لكنه كان يصر على امتلاك اسمه الكامل، وكان يخبّئ قرب سريره صندوقاً كبيراً، كنت أتساءل وأنا أقرأ القصة ماذا يخبّئ في الصندوق؟ ربما ثروة كبيرة، لكن الأهم أن هناك قصة مختبئة داخل الصندوق وداخل حياته. هل نخفي داخل صناديق الروح قصصنا الشخصية؟ أسألك وأنا متأكدة أن داخل صندوق قصصك أسماء وحكايات وتواريخ وآلام بشر مرّوا دون أن نتبع أثرهم. أتذكر أنني حين كنت أقرأ إحدى روايات أبي، بكيت لأن هناك شخصية أعرفها جيداً لبطل ترك دفتر مذكّراته وهو يسرد كل ما حدث معه من قصص وتفاصيل وحوادث وذكريات، تخيّلت أن هذا الدفتر هو اسمه وصندوق حياته. أعطاه لأبي وحوّله أبي إلى رواية. لم أكن أعلم أن الرواية ستتغير هكذا، لكنني أحببت أن روح هذا الشخص كاسمه بقي موجوداً وكان اسمه أبو أحمد الزعتر في رواية أبي «الزعتر الأخير».
عزيزي غسان،
سأقول لك شيئاً خاصاً لم أقله لأحد، الطريق من المخيم إلى بيروت، لا تشبه أي طريق، ربما كانت محفوفة بأسئلة كثيرة، أعبرها أحياناً حين لا أجيب عليها. وأحياناً أصطدم بها، فتخرج على شكل قلب يتسع لها. هنا تعاتبني الروح وهناك ترسم لي لوحة أخرى. ما زالت ألوانها مثل لوحة حصانك المعلق داخل البيت. لم أتعب أبداً من الذهاب المستمر مع شخصياتك الطفولية في كتابك «أطفال غسان كنفاني» إلى المخيّم، فهناك حكاية أخرى يكتبونها في الأزقة. شكراً غسان لأن طفولتي لا تزال تعرفك جيداً ولا تزال صديقاً أحدّثه كلما أردت ذلك.