وكالة «الأونروا» متّهمة حتى تثبت العكس. هذه قاعدة ثابتة في الوجدان الفلسطيني. ليس لأنها تنبع من تجارب اللاجئ الفلسطيني، بل لأن المنظمة الدولية، في حقيقتها، تذكير يومي بالتآمر الدولي على فلسطين وسياسة ثنائية «التشريد والإعاشة» المتّبعة في كل زمان ومكان من إفريقيا إلى هاييتي، وفقاً لأصول الاستعمار.

أخيراً، صار التمسّك بـ«الأونروا» على قاعدة أنها «الشاهد الدولي الوحيد على القضيّة»، هو القضيّة، وليس فلسطين. وكأن الاحتلال والتهجير اليومي والمقاومة المستمرة ليست شواهد كافية. هذا مثلاً يحدث عند السلطة الفلسطينية، أو محمد دحلان: التنازل عن أرض اللاجئ، ثم المطالبة بحقّ العودة شكلاً، و«حقّ اللجوء» ضمناً، لتتحوّل «الأونروا» إلى ورقة من أوراق الحلّ السياسي. أمّا معظم الفصائل (من دون تعميم) فوجدت مكاناً لها في «الأونروا»، على قاعدة «ستة وستّة مكرّر» اللبنانية. ومن لم يجد له حصّة، يرشق المنظمة الدولية بالحجارة، علّ المقاعد تزيد واحداً.
أمّا وأن «الأونروا» باتت أمراً واقعاً، و«المؤامرة على المؤامرة» قائمة لتفريغ القضيّة من أي أساس قانوني دولي لحقّ العودة، تبدو نتائج أعمال اللجنة الاستشارية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي انعقدت في بيروت خلال الأيام الماضية، مطمئنة (حتى الآن، ولمدّة عام على الأكثر)، إلى أن الوكالة مستمرة بمهامها.
وبلا شكّ، فإن المؤتمر الصحافي الذي عقده المفوّض فيليب لازاريني ورئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني باسل الحسن، وهو رئيس اللجنة الاستشارية حاليّاً، أوضح بعضاً من اللغط الذي أثارته تصريحات لازاريني ورسالته المؤرّخة في نيسان الماضي، حول إمكانية انتقال مهام من الأونروا إلى وكالات أخرى، ليتحوّل معها ملفّ اللجوء الفلسطيني من سياسي إلى إنساني. «توضيح» لازاريني ونفيه، لا يخفي وجود دفع قوي دائم في الإدارة الأميركية، ذات التأثير الأكبر على الوكالة وتمويلها، لتفكيك المنظمة الدوليّة وتذويب اللاجئين بالتوطين والتجنيس. وهذا ما ظهر جليّاً في مشروع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ومسار الهجرة المطّردة المنظمة للفلسطينيين بعيداً عن حدود فلسطين.

«توضيح» لازاريني ونفيه لا يخفي وجود دفع قوي دائم في الإدارة الأميركية ذات التأثير الأكبر على الوكالة وتمويلها


أمّا تأكيد الحسن على استمرار الوكالة بمهامها المعتادة ونفي وجود أي خطّة لتغيير التفويض أو نقله إلى وكالات أخرى، فأضفى صدقية على كلام لازاريني، بالتعبير عن الموقف الرسمي اللبناني، الذي يتمسّك في مقدّمة الدستور برفض التوطين، والتمسّك بحق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم، من دون أن يزيل الغشاوة عن تصريحات المفوّض المتناقضة.
ليس أمراً عاديّاً أن تنعقد اللجنة في بيروت في ظل الواقع اللبناني والفلسطيني المأزوم، اقتصادياً وسياسيّاً، وفي عزّ الضغوط على لبنان للدخول في ركب التطبيع مع العدوّ من بوابة الطاقة والتسويق لما يسمّى بـ«الحلّ النهائي».
فللمرة الأولى، يشارك هذا العدد من الدول المانحة في مؤتمرات الأونروا في بيروت، بالإضافة إلى الدول «المضيفة»، وللمرة الأولى جرى التمديد لرئاسة اللجنة الاستشارية للدولة ذاتها، حيث مُدّد ترؤس اللجنة الاستشارية لعام آخر بالإجماع ، ليتحوّل لبنان عملياً إلى مركز إدارة ملفّ اللجوء ومكان تجميع وثائق الأرشيف الفلسطيني.
هذا الأمر يرتّب مسؤوليات سياسية إضافية على لبنان الرسمي ويمنحه دوراً في آن، ببذل الجهد لحماية التفويض الدولي للأونروا ومنع تنفيذ مخطط التفكيك والتذويب، بعدما تحوّلت اللجنة الاستشارية إلى لجنة فاعلة.
ويمكن تلخيص توجّهات اجتماع اللجنة بشكل عام وبحث الخطة الاستراتيجية للوكالة، وتقديم لبنان خطة متكاملة لإصلاح الأونروا واتباع منهج جديد مع الدول المانحة بتشكيل مجموعة عمل لإزالة العوائق السياسية أمام التمويل. وهذه المسألة هي الأكثر تعقيداً، مع رغبة العديد من الدول بتقليص الأموال المخصصة للأونروا بدل رفعها، مع ازدياد الحاجة المطّرد وتقلّص الخدمات. كما الاتجاه العام لدى الدول الغربية، بتحويل الأموال نحو معركة الناتو مع روسيا في أوكرانيا.
ويسجل للجزائر، التي انضمت إلى اللجنة بصفة مراقب، تعهدها بتغطية جزء من التمويل، يعوّض النقص الحاصل مع التبدلات السياسية في المنطقة والعالم، وانخراط معظم الدول الخليجية في اتفاقيات التطبيع والعجز الاقتصادي والسياسي للدول العربية الأخرى.
وبانتظار كانون الأول المقبل، تبقى الأنظار على إعادة تفويض الوكالة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى نية الدول المانحة، وسلوك الأونروا في المخيّمات التي تئنّ من الفقر والجوع والحصار والهجرة، بعيداً عن الخطب الرّنانة.