أُضيف يوم الخامس عشر من حزيران 2007، إلى الذاكرة الجماعية الفلسطينية، إلى جانب أوراق «روزنامة» مزدحمة بالخيبات. «الانقسام الفلسطيني» هو المصطلح الجامع لأحداث الاقتتال الداخلي، والذي لا يحمل دلالة منحازة إلى أيّ من الطرفَين المقتتلَين، فيما «الانقلاب» هو التسمية «الفتحاوية» للحدث، في مقابل «الحسم» «حمساوياً». البداية كانت من وفاة الرئيس الراحل، ياسر عرفات، في 11 تشرين الثاني 2004، بعد عشر سنوات من عودة «منظّمة التحرير الفلسطينية» و«حركة فتح» إلى غزة والضفة، وتأسيس السلطة الفلسطينية. عقِب عرفات، تسلَّم روحي فتوح، وهو رئيس المجلس التشريعي السابق، رئاسة السلطة لمدّة 60 يوماً، في فترة انتقالية تسبق عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وفقاً لما ينصّ عليه القانون الأساسي الفلسطيني. إثر ذلك، انعقدت الفعّالية الديموقراطية الأولى في 10 كانون الثاني 2005، ليفوز محمود عباس برئاسة السلطة، بعدما كان قد تَرشّح من دون منافس ذي ثقل على الصعيد الشعبي. وبعد ثمانية أشهر فقط، خرج الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، مُفكِّكاً 20 مجمّعاً استيطانياً تجاوز عمرها الـ36 عاماً. صدّر الانسحاب الإسرائيلي الذي تمّ بعد أربع سنوات مركَّزة من عمل المقاومة، حركة «حماس» إلى واجهة المشهد، حيث بدت واضحة خلال مهرجانات الاحتفال بالتحرير، القوّة الشعبية التي راكمها الفعل المقاوم الناجح في رصيد الحركة. ومع عقْد الانتخابات التشريعية، وفق ما ينصّ عليه القانون الفلسطيني، في 25 كانون الثاني 2006، فازت «حماس» بـ76 مقعداً، مقابل 43 لـ«فتح». لم تَقبل «فتح» خسارتها، ورفضت المشاركة في حكومة «حماس» التي ترأّسها القيادي في الحركة، إسماعيل هنية، وسلّم قائمتها يوم 19 آذار 2006 للرئيس عباس.

وأمام الحصار الإسرائيلي، لم تستطع حكومة هنية ممارسة مهامها، ما أفقدها القدرة على صرف رواتب الموظفين، الذي خاضوا إضراباً عاماً عن العمل، ونظّموا احتجاجات كبيرةً، عملت «فتح» بوضوح على تأجيجها من أجل الإطاحة بالحكومة. وشهد عام 2006 جملة من الممارسات «الفتحاوية» التي أخذت شكل «المعارضة التخريبية»؛ إذ لم يتعاون قادة الأجهزة الأمنية مع وزير داخلية «حماس» آنذاك، سعيد صيام، الذي عمد ردّاً على ذلك، وفي محاولة لإثبات قدرته على العمل بمعزل عن آلاف الجنود المتمرّدين، إلى تأسيس قوّة شرطية سمّاها «القوة التنفيذية» أو «المسانِدة»، والتي ضمّت في صفوفها إلى جانب عناصر «القسام»، المئات من أبناء «الجبهة الشعبية» و«لجان المقاومة الشعبية» وعدداً من أبناء فصائل المقاومة الذين يمتلكون مؤهّلات عسكرية. استطاعت هذه القوّة، خلال شهور محدودة، أن تثبت قدرة استثنائية على فرض الأمن وإنفاذ القانون، لكنّها شكلت في الوقت نفسه نقطة البداية للاحتكام للسلاح، خصوصاً أن «فتح» عملت على زيادة حدّة التوتّر، من خلال بناء عدد من المربّعات الأمنية لقيادات عسكرية في «كتائب شهداء الأقصى»، وحواجز عسكرية تابعة للأجهزة الأمنية، مثّلت نقاط اشتباك دائمة بين مسلّحي الحركتَين، ليشهد العام ذاته اتّساع ظاهرة الاختطاف على الاشتباه والهويّة والانتماء الحزبي، والتي أودت بحياة 236 شخصاً، كثيرون منهم لم تكن لهم أيّ علاقة بالعمل العسكري، كالصحافيين وأساتذة الجامعات والمواطنين العاديين، وأدّت إلى تدمير منازل ومحاصرة أخرى لعائلات كانت تشكّل رأس حربة لكلٍّ من الحزبَين في العمل التنظيمي.

تتبدّى في اللحظات الأخيرة التي كانت تسبق فشل أيّ اتفاق تصالحي، أزمة افتراق البرامج


وفي خضمّ الأحداث المتصاعدة، أُطلقت عدّة مبادرات وطنية داخلية لاحتواء الموقف ورأب الشرخ الوطني والمجتمعي؛ إذ بذلت حركة «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية» جهوداً كبيرة لتطويق ظاهرة الاقتتال، لكن إمكانات الحزبين العسكرية وحتى الشعبية، كانت أصغر بكثير من حجم الحدث. وفي أيار 2006، أصدر الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي ورقة للمصالحة الوطنية، أُطلق عليها فيما بعد «وثيقة الأسرى». وفي مطلع شباط 2007، اجتمعت الحركتان في مكة برعاية السعودية، ووقّعتا اتفاق مصالحة وطنية، تشكّلت على إثره «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة إسماعيل هنية. إلّا أنه بعد هدوء لم يَدُم أكثر من شهرين، اندلعت شرارة الاقتتال من جديد، لتُسجَّل المئات من عمليات الاختطاف وإطلاق النار والاغتيال، وصولاً إلى 14 حزيران 2007، حيث بدأت «كتائب القسام» ما سمّته «تطهير» المواقع الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وسيطرت خلال يومين على المقرّات الحكومية كافة، وسط حالة من الصدمة في صفوف السلطة، ومقاومة محدودة من قِبَل عناصرها، وهروب قيادة «فتح» إلى خارج القطاع. عقب ذلك، أقال عباس الحكومة، وكلّف سلام فياض بتشكيل حكومة جديدة، ما انعكس على المشهد السياسي الفلسطيني، الذي صار محكوماً بحكومتَين، ونظاميَن سياسيَين، ومجلسَين تشريعيَين، واحدٌ في الضفة، وآخر في غزة.
اليوم، ثمّة إجماع وطني على أن الانقسام لم يخدم سوى إسرائيل، التي تخوض منذ سنوات معركة كبيرة هدفها إحكام السيطرة على الضفة الغربية. ولذا، فقد وضع قائد حركة «حماس» في غزة، يحيى السنوار، «المصالحة» على رأس أولوياته السياسية، ومضى في خطوات متقدّمة في هذا الصدد عام 2017، لكن محاولات المصالحة المتكرّرة اصطدمت مراراً باشتراطات عباس، الممتدّة إلى ما هو أكبر من التفاصيل الحكومية (تقسيم الوزارات، التمثيل السياسي، السيطرة على المقرّات الحكومية في القطاع)، لتشمل عناوين تمسّ بخيار المقاومة وسلاحها، مِن مِثل ما طالب به أخيراً من امتلاك خيار السلم والحرب، وتوحيد السلاح، والسيطرة على غزة «فوق الأرض وتحتها» (في إشارة إلى الأنفاق وبنية المقاومة العسكرية). ولعلّ كلّ ذلك يُعيد الجدل إلى أصل الخلاف بين الحركتَين؛ ففيما يغلب على الشارع انطباع بأن أسباب عمر الانقسام الطويل، هي مساحات الحُكم والحقائب الوزارية التي يطالب بها الطرفان، تتبدّى في اللحظات الأخيرة التي كانت تسبق فشل أيّ اتفاق تصالحي، أزمة افتراق البرامج: برنامج المفاوضات المقبول دولياً على رغم تعثّره، وبرنامج المقاومة المرفوض على الصعيد الدولي، والمسانَد شعبياً بوصْفه السبيل الوحيد لتحقيق إنجاز وطني.