غمرت الدموع عينَي الحاج أبو عامر حينما بدأ الحديث: «انتظرْت وزوجتي عشرة أعوام، لكن أوضاعي المادية ستحرمني حلم حياتنا». الرجل الذي تُشير تجاعيد وجهه إلى أنه تجاوَز الستين بسنوات قليلة، لن يستطيع الذهاب إلى موسم الحج هذا العام، بعدما وجد أن كلّ ما يمتلكه لا يكفي لتأمين نفقات الرحلة، خصوصاً بعد الزيادة الكبيرة التي طرأت على التسعيرة. يقول أبو عامر: «فور إعلان التسعيرة الجديدة، وجدْت أننا بحاجة إلى نحو 15 ألف دولار لتغطية نفقات السفر، التي تتوزّع بين الرسوم والهدايا والمصاريف اليومية، وهو مبلغ يفوق طاقتنا». وكانت لجنة الحج في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في رام الله قد أعلنت أن تسعيرة الحج هذا العام لسكّان قطاع غزة تحديداً، تبلغ 3470 ديناراً أردنياً (نحو 5000 دولار)، وهو من أعلى أسعار أداء الفريضة عالمياً.

أما الحاج محمود أبو صالح، فقد اضطرّ لبيع قطعة أرضه، وهي مدّخره الذي خرج به من 30 عاماً قضاها في الوظيفة الحكومية. يقول لـ«الأخبار»: «كنْت مخيَّراً بين أن أُفوّت فرصة الحج، أو التضحية بقطعة الأرض التي كنت قد ادّخرتها لمستقبل أولادي، لكن وبعد إلحاح العائلة، اخترت أن أؤمّن تكاليف الرحلة بأيّ طريقة». ويضيف: «المبلغ أكبر من أن تستطيع استدانته، أنا وأمي التي سأرافقها في الرحلة بحاجة إلى مصاريف كبيرة، 10 آلاف دولار رسوم، و4 أخرى مصاريف سفر وهدايا، ومبالغ أخرى لتغطية نفقات استقبال الزوار عقب عودتنا».

أسباب الارتفاع
توضح لجنة الحج في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تفاصيل التسعيرة، مُبيّنة أن سعر السكن في مكة المكرمة 698 ديناراً، وفي المدينة المنورة 193 ديناراً، أمّا أجور النقل الداخلي في السعودية فـ370 ديناراً، وعليه تكون الرسوم التي تتقاضاها السلطات السعودية قد ارتفعت إلى 1028 ديناراً (1470 دولاراً)، بدلاً من 300 دينار (428 دولاراً) في الأعوام الماضية. وتشير اللجنة إلى أنّ أجور النقل الجوّي (تذكرة الطيران) ذهاباً وإياباً تبلغ 590 ديناراً، فيما أجور النقل البرّي من معبر رفح إلى مطار القاهرة ذهاباً وإياباً تصل إلى 380 ديناراً. وتَلفت إلى أن أجور الخدمات السعودية (خدمات المشاعر، طوافة، زمامة، أدلاء، وكلاء، كدانة، تأمين، تأشيرة، طوارئ) تُقارب 1028 ديناراً، بالإضافة إلى أتعاب وخدمات شركات الحج والتي تصل إلى 80 ديناراً. وبحسب مدير عام الحج والعمرة في وزارة الأوقاف، عادل الصوالحة، فإنّ «السبب الرئيس في ارتفاع تسعيرة الحج هذا العام بالنسبة لحجاج غزة، هو زيادة الرسوم في مخيّمَي عرفات ومنى، وكذلك عوائد مؤسّسة الزمامة والطوافة».

أثارت التسعيرة الجديدة حفيظة الشارع الغزّي، لا سيما أن الحجّ في القطاع يتّخذ طابعاً جماعياً


لا حجّ للفقراء
أثارت التسعيرة الجديدة حفيظة الشارع الغزّي، لا سيما أن الحجّ في القطاع يتّخذ طابعاً جماعياً (شابّ وأمّه، رجل مسنّ وزوجته، أخ وأخت فقيرة له)، الأمر الذي يعقّد القدرة على تدبُّر تلك المبالغ، وسط تردّي الواقع المادّي، إذ وصلت نسبة الفقر وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة إلى 80%. ويقول مصطفى الصواف، وهو كاتب مقرّب من حركة «حماس»، تعليقاً على ارتفاع التسعيرة إن «السكن في السعودية هذا العام هو نفْس السكن في الأعوام السابقة، هل بات خمس نجوم اليوم وبالأمس كان شعبياً حتى ترتفع الأسعار إلى هذه الدرجة، أم أن النفوس في السعودية من الجهات المسؤولة هي التي تَغيّرت فصعّبت على الناس إلى هذه الدرجة حتى باتت تكلفة خدمات المشاعر عن كلّ حاج 1028 ديناراً».
ويلفت الشاب، محمد صالح، بدوره، في منشور عبر صفحته في «فايسبوك»، إلى أن مجموع ما ستتلقّاه السلطات المصرية مقابل باص سيقلّ الحجاج إلى مطار القاهرة، هو 27 ألف دولار، مبيّناً أن «كلّ حاج سيدفع 542 دولاراً، ويتّسع كلّ باص لـ50 راكباً، ما يعني أن 1500 حاج من القطاع سيدفعون مقابل رحلة الذهاب والعودة من وإلى معبر رفح، ما مجموعه 813 ألف دولار». ويعلّق الصواف على ما سبق بقوله: «الاستغلال كبير وواضح سواءً من الجانب السعودي أو المصري، وكأن أهالي غزة دولة بترولية أو دولة أوروبية لديها من الرفاهية الكثير، علماً أن الحج شعيرة دينية تحتاج إلى تقوى من الله كبيرة، وتيسير الشعيرة على كافّة الحجاج سواءً من غزة أو من أيّ دولة كانت» واجب.

...