ذات زمن، وبالتوصيف المتداول، كان يطلق على «الأونروا» باللهجة الشعبية «الوكالة» أو «الهيئة»! فالتسمية، بتعبيريّتها، تختصر ماهيّة «الأونروا»، بوصفها «وكالة» من وكالات «هيئة» الأمم المتحدة، والتي أنشأتها الجمعية العامّة في نهاية عام 1949، وبدأت عملها عام 1950، وكلّفت بتقديم المساعدة والحماية لحوالي 700 ألف لاجئ، وصل عددهم اليوم إلى ما يقارب 6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجّل لدى «الأونروا» في جميع مجالات عملها الخمسة.

جدوى الحديث، عشية اجتماع اللجنة الاستشارية لـ«الأونروا» في بيروت، وبرئاسة لبنان، هي فرصة لسماع صوت اللاجئين ولدراسة وفهم، وتقييم، وإدارة المخاطر انطلاقاً من دلالة المكان والزمن الصعب، حيث يوصف بالتجمّع الفلسطيني الأكثر قهراً وبؤساً. و«الأونروا» معرّضة، أكثر من أي وقت مضى، لمجموعة واسعة ومعقدة من الأخطار. سواءً من البيئة السياسية الخارجية، أو المخاطر التي تتعرّض لها لتلبية تحدّيات واقع اللاجئين. وخصوصية اللجوء الفلسطيني في لبنان، والذي ينظر لنفسه بوصفه اللاجئ القابل للتكرار، وأنه ما زال الابن البار للنكبة المستدامة.
الاختبار الجديد والتحدّي الأكبر لـ«الأونروا» هو مشروع إعادة إعمار مخيّم نهر البارد. كان الاتفاق بين الدول المانحة والدولة المضيفة والشراكة الفلسطينية في مؤتمر فيينا 2008 على الالتزام بإعادة إعمار مخيّم نهر البارد، القديم والجديد، والتعويض على محيطه بما يحقّق إعادة الوئام الاجتماعي لهذه المنطقة من لبنان. وللوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه، تم تحديد ثلاث دعائم.
الدعامة الأولى، تتعلّق بالمخيّم القديم، وتهدف، أوّلاً، إلى إعادة إعمار ما تهدّم وإعادة إسكان الأهالي بمنازل ملائمة. وثانياً، تمكين السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية ما قبل الحرب من خلال مجموعة من البرامج الاجتماعية والاقتصادية. وحدّد وقت التنفيذ بمدّة أقصاها ثلاث سنوات من تاريخه (منتصف 2011 - بالتحديد في أيّار 2011) وبتكلفة قدرها 277 مليون دولار أميركي في حينها. كانت كلفة التأخير الاجتماعية والمالية والإنسانية عالية جدّاً، فنحن في منتصف العام 2022، الوحدات المنجزة 3550 من أصل 4939، والوحدات قيد الإنشاء 584، والوحدات المتوافر لها تمويل 170 وحدة، بينما غير المتوافر لها 635 وحدة سكنية، والمبلغ المتبقي: 40 مليون دولار. والمدّة التي تضعها إدارة المشروع للانتهاء من الإعمار: بعد عامين. والدعامة الثانية، تتعلّق بالجديد، تقييم وتعويض ترميم وبناء لما تهدّم في المخيم المحاذي. وإدارة «الأونروا» تربط هذا الالتزام بتوفر الأموال اللازمة.
ثم الدعامة الثالثة، إعادة الحياة للمخيم.

هذا نموذج لواقع التمويل الذي استبقه المفوض العام ليؤكد على حقيقة ترد في التقارير السنوية: «إن الأزمة المالية ذات طبيعة وجودية». لذا، فإن تحدّي الموارد، يستوجب تحشيد وابتكار أشكال من الدعم، المستند إلى عملية تخطيط وترشيد وتطبيق، وتقييم أعمالها وقدرتها لتكون بمستوى التحدّيات. تأتي رسالة المفوض العام لـ«الأونروا» فيليب لارزيني، الذي أطلق وعداً بقوله: «أن أسلط الضوء على رواياتكم أنتم، وأذكرهم بأن أحداً لا يريد أن يكون لاجئاً وأنكم تستحقون دعمهم الكامل إلى أن يتم التوصل إلى حل عادل ودائم لمحنتكم».

ولكن ماذا فعل العالم حتى لا أحد يظلّ لاجئاً؟ والسؤال الوجودي، بناء على هذه المقولة: هل السياقات الدولية تريد حل قضية اللاجئين عن طريق حل وكالة «الأونروا»؟ أم تطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. ومفهوم الحل بهذا المعنى هو التصفية. وحقاً، كما عزا المفوض الأسبق السيد كرينبول، إن سبب العجز هو الفشل السياسي تجاه اللاجئين، بمعنى أن «قضيّتهم ما زالت لم تحل، لذلك سيؤدي ذلك إلى عواقب إنسانية وخيمة».
نتوقف عند الاقتراحات المريبة في رسالة المفوض العام الحالي، وبخاصة تلك الجملة الملتبسة التي قال فيها «أن يكون من الممكن تقديم الخدمات نيابة عنها وتحت توجيهها». عبارة مثيرة ومرفوضة وللأسباب التالية:

1- رسالة المفوض العام تحمل تناقضاً بمضمونها بين لغتين، من حفظ التفويض والطلب بتجديد ولاية «الأونروا» الملزمة بمأسسة التخطيط الاستراتيجي وباقتراح للانتقال من صيغة التفويض إلى الإشراف! نقطة البداية هي الوكالة وليس الشركاء، من خلال تمكين الأصل، وليس الفرع، من أن يلعب دوراً فعّالاً ونشطاً في حماية حقوق اللاجئين والمحافظة عليها.

2- ليس من اختصاص المفوض العام، أو أي كان، أن يتجاوز مرجعيّة الأمم المتحدة أو النيابة عنها، بل واجب المفوض حماية الوكالة من الابتزاز السياسي. وفي سابقة أولى، تمرير توقيعه على وثيقة «إطار التعاون» بين الولايات المتحدة ووكالة «الأونروا»، مهّد الطريق لتغيير التفويض التشغيلي لـ«الأونروا» بشكل غير قانوني، ومن دون المرور بالآلية القانونية المتمثلة في وجوب موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على تعديل ولاية ووظيفة «الأونروا». ومن ثم فهو ينتهك لوائح القانون الدولي العام لأنه يغيّر ولاية الوكالة ويتحايل على إجراءات صنع القرارات المناسبة.
3- لقد استخدمت فكرة الإنابة عن الوكالة كشرط مُغرٍ من شروط التمويل، حينما تطرح اليوم كمنقذ من حالة العجز وانعكاساتها الكارثية. ولكن ليس هكذا تورد الإبل، بتلبية لرغبات سياسية باتت معروفة. هل الضغط الإنساني وسيلة لتحقيق مآرب سياسية؟ وعلى حد قول المؤرخة الألمانية أوتا فريفرت، باعتبار أن الإذلال يُعدُّ قوّةً سياسيّةً مهمّةً، ولكنْ يُستخَفُّ بها في كثيرٍ من الأحيان. نتيجته، مع حرمان شبه شامل من الحقوق، وغياب الأمن السكاني والغذائي، وتراجع بالتعليم والصحة، تهميشٌ وتمييز بين «المجتمعات المحترمة» وأخرى «غير محترمة». هذا لا يحل الأزمة بل سيولّد أزمة جديدة وكوارث جديدة وعدم استقرار.
4- مقترح المفوض العام، والذي فعلت حسناً الدول المضيفة برفضه، يعكس حقيقة أنها ليست الأزمة مالية، وإلا لماذا يوكل إلى المؤسسات الرديفة أو الشريكة لتنفيذ مهام «الأونروا»، إن كان لديها نفس الموارد تمكّنها العمل بالنيابة، ما يمنح لها يحجب عن «الأونروا» نفسها؟ هذا يحمل تحفظاً ضمنياً على وظيفة «الأونروا» كي تمنح الثقة إلى الشركاء. يجعلنا نسأل: لماذا العقوبات غير المعلنة ضد «الأونروا»؟ ونتيجتها «إنهاك الفلسطينيين»
من أجل الضغط على الواقع الاجتماعي لفرض حالة سياسية. أي أن الانتقاص من الحقوق الخدماتية والاجتماعية بأشكالها كافة هو انتقاص غير مباشر من الحقوق السياسية.

ما كان لهذا الضجيج أن يثار لولا تلمّس الخطر الوجودي، سواء جاء بالدعوة لتعريب المسؤولية عنه، أو بمحاولات تحميل الدول المضيفة، وبخاصة العربية، ومسؤوليتهم، من خلال تقاسم معاناتهم بالشراكة لجزء من خدمات «الأونروا» مع مؤسسات أخرى تعليميّة أو صحية أو مهنية، أو لوزارات الدول المضيفة، حتى الذهاب بطلب تعريف من هو اللاجئ! لتصل دعوات إصلاح «الأونروا» إلى إعادة الهيكلة ثم الوظيفة ثم تغيير البنية. وقد سبق رسالة المفوض العام، في موسم اللجوء العالمي وتحت مسمّى «إدارة الكوارث»، مطالبة لم يطل عمرها بنقل مسؤوليات «الأونروا» إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما جاءت الدراسات القانونية والاجتماعية لفصل حق استحقاق الخدمات عن حق تسجيل اللاجئين، وبذلك يصبح اللاجئون فئتين: لاجئ مسجل ولاجئ مسجل محتاج. وهذا يعني أن ليس كل لاجئ مسجل في سجلات «الأونروا» يستحق الخدمات التي تقدّمها الوكالة، من تعليم وصحة وإغاثة.

عقبات أم عقوبات؟ يظهر الجذر السياسي للأزمة في التحدّيات الجديدة التي يدفع ثمنها اللاجئ والمطلوب تجاوزها:

التحدّيات الدولية: الخلل القيمي، يشكّل كل منه خطوة إلى الوراء، مثل ذريعة انعكاس الأزمة الأوكرانية وما أظهرته من سياسات دولية تمارس «ازدواجية المعايير» في التعامل الغربي لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين، لكنّه كشف تجاهلاً واضحاً لجميع المآسي الإنسانية الأخرى.
التحدّيات العربية: تراجع المساعدات من الدول العربية مع تقدّم السياسة التطبيعيّة التي اتخذتها بعض الدول مثل «اتفاقات إبراهيم»، وما تعنيه من التزامات متبادلة، والتذرّع بانتقاد فلسطيني للاتفاقات، ليتم التراجع عن تمويل «الأونروا»، مثلما جرى ربط الإصلاحات بالمساعدات!
تحدّيات الدول المضيفة: لقد أعربت الدول المضيفة عن أملها بأن تخرج اجتماعات اللجنة الاستشارية بتوصيات تشكّل مساراً لـ«الأونروا» للخروج من أزمتها المالية، وتحسين جودة خدماتها، وتحقيق الإصلاحات الإدارية الداخلية بما يعزّز رفع كفاءة أدائها، ومواجهة التحدّيات، وفي توسيع قاعدة المانحين، وهذا يحتاج إلى خطوة مقابلة، بأن تعترف الدول المضيفة بحقوق اللاجئ من دون زيادة أو نقصان، حتى لا يتم إشراكها في لعبة الدومينو، واستثمار ذلك سياسياً لتصفية «الأونروا» وإلغاء صفة اللاجئ عن فلسطيني الشتات. الخطر باستمرار سياسة الدول المضيفة بمعاندة الواجبات الموضوعية، التي تهدّد قضية اللاجئين وجوداً وهوية وحق العودة وكذلك كيان الدول المضيفة ذاتها، ويحدث اصطدامات عبر سياسات قهرية وممنهجة ومستمرة، ويعمل على تمديدها وخنق حياة اللاجئ حتّى تقع آخر قطعة من مربعات الدومينو على الأرض.

مقترحات ومعالجات ممكنة:

أزمة «الأونروا» ليست طارئة، إنما هي حلقة في سياق سياسة ممنهجة، والذي يفترض صياغة رؤية استراتيجية تخطيطية مشتركة، وتبدأ بالتالي:

- رفض منطق الوكالة بالوكالة، كما تضمّنت رسالة المفوض العام، بل تعزيز الثقة مع مجتمع اللاجئين، بدل هدمها، من خلال تعزيز دور وصلاحيات وإمكانيات «الأونروا»، لسبب التحدّيات الجديدة التي أضافتها الأوضاع على حالة اللاجئين، وعدم تحميلهم ثمن الفشل السياسي في حل قضيتهم، وإضافة إلى النمو الطبيعي لهم، لذلك يفترض بقاء «الأونروا»، وزيادة دعمها وليس المساس بها.


- الدعم السياسي الدولي للوكالة، عبر تجديد الالتزام الدولي لتأمين تشطيب إعمار مخيم نهر البارد من خلال وضع سقف زمني نهائي، لاستكمال الإعمار الشامل، من خلال الدعوة لتنفيذ استراتيجية واضحة وفعالة لتأمين الأموال اللازمة لاستكمال إعادة الإعمار. الأمر الذي يستعيد الثقة بين «الأونروا» والمجتمع المحلي، كما بينها والدول المضيفة والمانحة التي تحتاج لصياغة جديدة على إيقاع هذه التحدّيات الجديدة.

- الجمعية العامة للأمم المتحدة اعترفت بدولة فلسطين كمقدمة لإقرار حقوق الشعب الفلسطيني السياسية والإنسانية، كما الحياتية والوطنية، وتحديداً في الشتات، وبخاصة حق العودة. وما تحتاجه «الأونروا» لاستمرارها هو أوسع مناصرة دولية لتوفير الموازنة العاجلة لحل الأزمة، من أجل تلبية تحدّيات اللاجئين الفلسطينيين، حتى لو كان ذلك من خلال موازنة الأمم المتحدة نفسها.

وختاماً، لأن أحداً لا يريد أن يكون لاجئاً، وبخاصة لاجئاً سلبياً، بل لاجئاً إيجابياً، هذا ممكن عندما تكون «الأونروا» أكثر من وكالة؛ فهي الوكالة الوحيدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين من دون سواهم، هي شريان حياة لهم، بالقدر التي هي هيئة دولية، والشاهد الدولي على رواية اللاجئين وسردية النكبة، وتهجير أكثر من ثلثي شعبنا من دياره، إنهم من فلسطين وإلى فلسطين سيعودون.

* كاتب روائي، قيادي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»