ليست وحدات الجيش الإسرائيلي على قلب رجل واحد. ثمّة تزاوج لم يعد سرّياً ما بين المجتمع الحريدي المتديّن ووزارة الأمن الإسرائيلية، أفْرَزَ ما يعرف بكتيبة «نيتسح يهودا». في الآونة الأخيرة، بات اسم الكتيبة أكثر تواتراً بسبب كثرة العنف الذي مارسته ضد الفلسطينيين. ولم يكن آخر جرائمهم استشهاد المسن الفلسطيني عمر أسعد (80 سنة)، على يد عناصر من الكتيبة بعد احتجازه والتنكيل به لساعات في قرية جلجليا في رام الله. سبق هذه الجريمة سلسلة صُنّفت كأفعال تقع خارج الأوامر العسكرية.

بعد أصابع الاتهام التي وجّهت إعلامياً للكتيبة، وادعاء جيش العدو أنه أمام استحقاق «أخلاقي»، خرج رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي، ليصفها بـ«الواقعة الأخلاقية الخطيرة للغاية». وعليه، كان «العقاب» إقالة قائد السريّة وقائد الفرقة، على أن لا يتولّيا قيادة وحدة عسكرية لمدّة سنتين، و«توبيخ» قائد الكتيبة. بعد قرار التوبيخ، علّقت صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها أنه «عندما نقشّر الكلمات القاسية في تعقيب كوخافي، يتضح أنه لا يوجد فرق ملموس بين قيمة الإنسان الفلسطيني وبين قيمته بنظر جنود نيتسح يهودا، فالعقوبة التي فرضها كوخافي سخيفة، وليس من شأنها لجم عملية التحجر الأخلاقي».
للإحاطة بإشكالية وجود كتيبة كهذه في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يجيب ضابط احتياط سابق في تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت»: «إن كوخافي لم يتطرّق إلى معالجة وضع كتيبة نيتسح يهودا، لأن القيادة الوسطى في الجيش مرتاحة لوجود كتيبة دائمة ومتحمّسة وكبيرة وفاعلة ميدانياً». من جهة أخرى، تنال الكتيبة رضى المستوطنين المتطرّفين والتيارات الحريدية، ما يعني إخماد حدّة التصادم مع الجيش إلى حد ما. ومن جهة أخرى، تقمع الشعب الفلسطيني، بتشكيلها جدار ردع متطرّف لا يخضع للمركزية ويرى في العنف مهاماً مقدّسة.
إلى الآن، وكنظرة أولى، لا تبدو ظاهرة العنف ميزة قد تتفرّد بها «نيتسح يهودا». فهي سمة مشتركة عند غالبية وحدات الجيش الإسرائيلي، لكنَّ نظرةً أعمق تؤكد أن تفردّها يأتي من الطابع التمرّدي على الانضباط العسكري، وارتجالها اقتحامات وأعمال عنف بشكل انتقامي من دون الرجوع لقيادة الجيش، محكومة بإسقاط أيديولوجي لعقلية الاستيطان؛ «تدفيع الثمن». فهي، قبل أي شيء، تعتبر أن منسوبها الأخلاقي والقيمي والمهني مختلف عن المنسوب الذي وضعه الجيش لبقية جنوده.

الحريدية العسكرية
اعتداءات الكتيبة قد تأتي بدافع «التسلية». إذ ينقل جندي سابق في الكتيبة بحسب تقرير لصحيفة «هآرتس»: «كنا نخرج لنشاط روتيني في القرى، وفجأة كان يقرّر أحد الأصدقاء أنه سيلقي قنبلة صوت على أحد البيوت أو على سيارة، هذا بالأساس من أجل التسلية ومن أجل القصص التي نسمعها عمّا فعله قدامى الكتيبة». من المهم لجنود الكتيبة الظهور كوحدة متفرّدة بين الكتائب «خلافاً لجميع الألوية التي تتبدّل كل بضعة أسابيع». الأمر الذي أوضحه قائد الكتيبة السابق، إيتمار ديشل، لـ«هآرتس»: «معظم جنود هذه الكتيبة كانوا قد تمرّدوا في السابق على أسرهم وحاخاماتهم وفشلوا في دراسة التوراة، فإنهم يجدون في الحكم المقدّس على الفلسطينيين مناسبة لإثبات الذات من خلال ممارسة العنف المفرط، وهو أمر معروف عند جميع قادة هذه الكتيبة».
لعل معرفة أسباب تأسيس «نيتسح يهودا»، في عام 1999، يحيط بالرواية كاملاً؛ فهي لم تنشأ بداية داخل وزارة الأمن لحاجة عسكرية، بل لدفع شبان الحريديم نحو التجنيد، ضمن اتفاقية تعاون ما بين المجتمع الحريدي ووزارة الأمن. فكان قرار قادة الحريديم بتأسيس جمعية «نيتسح يهودا» على يد الحاخام تسفي كالبناو، وهو يهودي أميركي متطرّف هاجر إلى إسرائيل عام 1996، لحماية الشبان المتزمتين الذين قد ينتهي بهم المطاف كمتسكعين في شوارع القدس بعد أن فشلوا في الالتحاق بمدرسة توراتية.
واستكمالاً لعملية أشبه بـ«حصان طروادة الحريدي» في مؤسسة الجيش، يزور الحاخامات بشكل دوري قواعد الكتيبة، لضمان أداء جنودها للمهام «المقدسة»، ضمن برنامج ديني يسمى «ييشيفاه هيسدير».

بؤرة استيطانية داخل الجيش
الأمر لم يتوقف عند الشباب الحريدي المتسرب من الدراسة الدينية المغلقة الذين لا تتجاوز نسبة المجندين منهم في الكتيبة الـ 42 في المئة، بحسب «هآرتس»، بل تعدّاه إلى تجنيد شبان متطرفين، فتحولت «نيتسح يهودا» في زمن قصير إلى وحدة عسكرية ببعد ديني سياسي، ومقصداً للمستوطنين المتطرّفين باعتبارها «مملكتهم»، داخل مؤسسة الجيش الإسرائيلي، مما يمكنهم من ممارسة عدوانيتهم.
مثلاً، في حزيران الماضي نشبت مواجهات ما بين المستوطنين والفلسطينيين في شارع 60 إلى الشرق من جبل الطويل، على خلفية إقامة البؤرة الاستيطانية «عوز تسيون»، وعندما هرعت قوات من «حرس الحدود» لتفريق المواجهات، تدخّلت الكتيبة لدعم المستوطنين في مواجهة قوات «حرس الحدود»، إذ إن أغلب المجنّدين هم أبناء المستوطنات المقامة في الضفة، ويعتبرون أنفسهم يدافعون عن بيوتهم.
وعليه، فإن الحقيقة المعبَّأة في عقلية هذه الكتيبة تنادي بضرورة عصيان الجيش، بل إلى أكثر من ذلك بوجوب تدفيعه الثمن، بحال تجرّأ على الانصياع إلى قيادته الدنيوية المرتبطة بمعاهدات سياسية على حساب التوراة و«السيادة اليهودية».