مئوية الثورة


(يوسف عبدلكي)

(أ ف ب)

قليلون هم الذين انتسبوا إلى الحركة الشيوعية بمختلف مذاهبها، ربطاً بقراءات متعمقة لمؤلفات كارل ماركس وتعاليم لينين. وكثيرون تعرفوا إلى «العقيدة» وأبوابها، بعد مرور زمن طويل على ارتباطهم بالحراك الناجم عنها. لكن السحر الذي أظهرته الثورة البلشفية، هو ما جعل الناس المتعطشين الى كل أشكال التحرير من العبودية والتبعية والذيلية يلتحقون بفكرة، كان لها أطرها المختلفة، وتجاربها الاكثر اختلافاً وتنوعاً، حتى صارت ديناً بمذاهب عديدة.


(أ ف ب)

«لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ». ما قاله السيد المسيح قبل ألفي عام، يكاد ينطبق اليوم على أبي الثورة البلشفية فلاديمير ايليتش أوليانوف، في روسيا المنقسمة على تاريخها الثوري، وذاكرتها الحمراء

موسكو | «ثورة أكتوبر» يتيمة في مئويتها. الأيام العشرة التي «هزت العالم» قبل قرن، تفتقد اليوم، من يحتفي بها في روسيا، فإحياء ذكراها، يبقى مقتصراً على فعاليات حزبية، يقيمها ورثتها الشيوعيون، بين سانت بطرسبورغ وموسكو، إلى جانب فعاليات ثقافية تستحضر التاريخ، في إطار نخبوي، وعرض تمثيلي غير رسمي على مقربة من قصر الشتاء، الذي شهد الليل الأخير، الذي حسم، عملياً، أمر السيطرة للبلاشفة.


(تصميم سنان عيسى) | للاطلاع على الانفوغراف كاملاً انقر هنا

فتحت «ثورة أكتوبر» صفحة جديدة في التاريخ بكونها أول محاولة لفكّ الارتباط مع المركز الرأسمالي، وهو ما يسبغ عليها بعداً وطنياً إلى جانب البعد الطبقي. هذا ما يؤكده المفكر العربي سمير أمين في مقابلةٍ مع «الأخبار»، في الذكرى المئوية للثورة البلشفية التي مثّلت مصدر إلهام لثورات أخرى ولغالبية حركات التحرّر في دول الجنوب.


(أ ف ب)

ثورة أكتوبر منعت سقوط روسيا ومعها القسم الأكبر من الدول والشعوب الخاضعة للإمبراطورية القيصرية في براثن القوى الإمبريالية الغربية التي كانت في أوج توسعها في أرجاء المعمورة خلال تلك الحقبة من التاريخ. ما كان لمصير هذا البلد أن يكون أفضل من مصير السلطنة العثمانية التي اجتاحتها جيوش الغرب وقسمتها أو من مصير غالبية دول الجنوب التي توزعت ما بين مستعمرات وأشباه مستعمرات تابعة لهذه الدولة الغربية أو تلك لو لم تتنتصر هذه الثورة.


حدث التفوق الاقتصادي السوفياتي بالرغم من سيطرة الغرب على ثلاثة أرباع الكوكب (أ ف ب)

في شتوية شامية، وقبل الخلود إلى النوم، سألت والدي وكنت في السابعة من عمري على ما أظن وأذكر، عما سيحصل إذا سقط الاتحاد السوفياتي واستفردت بنا أميركا. أجابني والدي وقتها بأنه لن يسقط، فكررت عليه وألححت، فصفن قليلاً ثم قال لي: سنجوع! حقيقةً استغربت جوابه وظلّ الجواب ليس بذي معنى واضح حتى كبرت ومضت السنون التي لم أكن فيها ملماً بكل تفاصيل المنجزات العظيمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للعالم.

يوم كان الشيخ القلموني نصيراً للبلاشفة


(وسام متى)

لا أحد يعرف ما الذي دها صاحب «المنار» رشيد رضا كي ينتصر للبلشفية، وعبرها لجوزيف روزنتال، اليهودي الروسي الاسكندراني، وداعي البلشفية في مصر. لم يكن لأحد أن يتنبأ عام ١٩٢٠ أن الشيخ الإصلاحي، وتلميذ شيخ الأزهر محمد عبده، سيناطح أول الأزهريين المفتي محمد بخيت لإدانته البلاشفة وأكتوبر، ويفتح «المنار»، أشهر منابر الإصلاح الإسلامي في مطلع القرن الماضي، مخصصاً صفحات للدفاع عنها في وجه الظالمين.
ويروي المؤرخ الفلسطيني الراحل حنا بطاطو، في مؤلفه «الحزب الشيوعي العراقي»، أن مخابرات رئاسة الأركان البريطانية في مصر، عبر الضابط بيمان، هي التي أوحت للشيخ بخيت بفتواه. وذلك بعدما تعاظمت «نقابات العمال» و«الحزب الاشتراكي المصري» التي أطلقها الصائغ الاسكندراني روزنتال وصحبه، من يونانيين ويهود روس وشوام مهاجرين، إضافة إلى «جماعة الدراسات الاجتماعية»، والنادي الخاص بشيوعيي الاسكندرية. فتلك المدينة، لولا روزنتال والآخرين، لم تكن لتدخل في عداد بواكير العدوى البلشفية في مصر، لاقتصارها على تجار ومفكرين يونانيين في الثغر المصري.


تشير الأرقام شبه الرسمية إلى أن نحو 313000 روسي هاجروا من البلاد عام 2016 (وسام متى)

أمور كثيرة تغيّرت في روسيا بعد قرن على الثورة: تبدلت الأولويات، واهتمامات الشباب وجيل ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تغيرت أيضاً... الثابت الوحيد هو الابتعاد عن الثورة وأهدافها والاقتراب حدّ التماهي مع الرأسمالية!

موسكو | تزدحم الساحة الحمراء في العاصمة موسكو بالزوار، فيما يجثم ضريح لينين وحيداً. ليس بعيداً عنه، يضج أحد أشهر مولات موسكو، «غوم»، بالمتسوقين. هذه المشهدية تلخص روسيا الحالية. حال ضريح لينين كحال تمثال ماركس القريب: المعلمان لم يعودا ضمن اهتمامات الناس. عيون المارة بالقرب منهما مهتمة بتفاصيل أخرى، كـ«الانبهار» بآخر ما توصلت إليه شركتا السيارات «بنتلي» و«فيراري»، فيما طوابير من الزبائن تصطف أمام «ماكدونالدز» بالقرب من تمثال ماركس. هنا، تتقدم الرأسمالية على كل الإرث الاشتراكي، وهذه ليست دعاية أو تخيّلاً، بل حقيقة واضحة؛ ثمة جيل مأخوذ بمظاهر الرأسمالية حدّ التماهي.
تحوّل المعلمان التاريخيان في وجدان الشعب الروسي، واشتراكيي العالم، إلى مجرد مكانين لالتقاط الصور. مع مضيِّ نحو عقد من الزمن على الثورة البولشفية، يكاد إرثها يتجسد في الكثير من الشواهد التاريخية العمرانية ــ رغم كل شيء هي أجمل ما يوجد عمرانياً في موسكو تحديداً التي غزاها العمران الحديث ــ وحنين من بقي من الجيل الأول بعد الثورة (1917ــ1957).

«إنّ الفلاسفة حتى الآن فسروا العالم. بينما المطلوب هو تغييره»
كارل ماركس

الكثيرون يسألون ما هو الحدث الذي سيطبع القرن الواحد والعشرين؟ وما هو التاريخ الذي سيعلن بدء حقبة جديدة كما كان 1789 حيال القرن التاسع عشر و1917 حيال القرن العشرين؟ هذا السؤال اليوم يلوح في الأفق بعد سنوات على صدمات 1989 و1991 في انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي التي أنهت تأثيرات ثورة أكتوبر على ما بقي من القرن العشرين.

ماتيو رونو مفكر فرنسي وأستاذ الفلسفة السياسية في جامعة باريس الثامنة، ومؤلف كتاب «إمبرطورية الثورة الروسية»، يعتبر في مقابلته مع «الأخبار» أن الثورة البلشفية هي التي ساهمت بشكل حاسم بجعل الماركسية نظرية صالحة للتغيير الثوري خارج السياق الأوروبي

■ لينين ترجم الماركسية إلى الروسية، أي أعاد تكييفها لتتناسب مع السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية في روسيا. ما هي الخطوط العريضة لعملية التكييف هذه، خصوصاً في نقل الماركسية من مركزيتها الأوروبية نحو البلدان المستعمرة؟
نلاحظ في نصوص لينين الشاب من السجال مع الشعوبيين الروس، في روسيا نهاية القرن التاسع عشر، وحتى كتابه «ما العمل»، هاجساً حاضراً باستمرار هو كيفية تطبيق الماركسية على الواقع الروسي.

«الجميل» في الرأسمالية أنها تحمل نقيضها، وستنهي نفسها بنفسها في جو من البؤس الدائم بسبب الطبيعة البشرية، إذ كلّما تملّكت من الشيء رغبت بالتملّك منه أكثر، وكلّما تملّكت منه أكثر، تضاءلت رغبتك فيه. لن يعرف الأثرياء المتعة والفرح في حياتهم، مهما ادعوا ظاهرياً عكس ذلك، وسعادة الإنسان منوطة جسدياً ونفسياً — في جوهر خلقه — بالشيوعية، إذ خلق الله الإنسان يجوع، ولكن يشبع أيضاً.


(وسام متى)

كان في العراق، قبل 99 عاماً، في مدينة كربلاء تحديداً، رجل يُدعى «الحاج نور». كان حمّالاً، يقصد الأماكن المزدحمة بالناس، عصر كلّ يوم، حاملاً بيده راية حمراء، وينطلق منادياً: «تحيا البلشفيّة. يحيا البلاشفة». لا أحد يَملك صورة له. ما مِن تسجيل مرئي أو مسموع. إنّها حكاية، مِن قبيل التراث الشفهي، تناقلها مَن رأى وسمع، قبل أن تغوص بتفاصيلها في كتب السيَر الذاتيّة.
الراجح أنّ «الحاج نور» لم يكن يعرف مَن هو لينين. الراجح أيضاً أنّه لم يكن يَعرف أين تقع بتروغراد، هذا إن كان سمع بروسيا أصلاً، فضلاً عن ترجيح عدم معرفته معنى لفظة «البلاشفة» أساساً. كان فقيراً. هذا كلّ ما يعرفه. بريطانيا تستعمر بلاده، إنّما هو مُتعَب، فإذا به يسمع عن ثورة في مكان ما، باسم الفقراء، وقد انتصرت «على الأثرياء»... لهذا، ولهذا فقط، سيُنادي «يحيا البلاشفة». هكذا كان الصدى الأوّل، قبل قرن مِن الزمن، لتلك الثورة في بلادنا. في هذه البقاع التي تُعرّف ببلاد المُسلمين والعرب. هذا الصدى، برومانسيّته، سيتبدّل لاحقاً على أيدي المُستَعمِر اللئيم مِن جهة، ورجال دين خائفين، ومِنهم السُذّج، فضلاً عن الفسقة، مِن جهة أخرى، إضافةً إلى «الحمقى» مِن الثوريين أنفسهم. لا يزال طيف ذاك الحمّال، العربي، يُطرَب لكل ثورة راهنة، على مساحة العالم، يرى فيها خيراً سيلحقه... ولو قليلاً.
عام 1919، كان الشيخ محمد رشيد رضا مشغولاً بتحديد موقفه مِن «البلشفيّة». كثيرون كانوا ينتظرون رأيه. إنّه قامة دينيّة يصعب القفز فوقها، إذ هو تلميذ الشيخ محمد عبده، بل مَن أصبح بمثابة «الوريث» الأوّل له، فضلاً عن كونه أحد أبرز وجوه «التيار النهضوي» الذي انطلق، قبل ذلك، مع جمال الدين الأفغاني.


السوفيات هم في الصور المعمّمة الأميركية «فقراء جائعون» دائماً (الصورة من كتاب «بلد لينين»)

كيف فعل الروس ذلك؟ سأل الناس الذين شاهدوا بذهول النهضة التي تحققت في روسيا بعد الثورة البولشفية. كيف لأكبر دولة في العالم أن تزدهر بهذه الطريقة المدروسة في كلّ بقاعها وفي فترة زمنية قصيرة؟ كيف لأكثر الدول تخلّفاً (في عهد القيصر) أن تنهض بالصناعة والزراعة والعلوم والفنون، وتطور أول محطة نووية وتفتح الفضاء وتحمي كافّة حدودها في آن واحد؟

«ومن أجل العلم الأحمر الخفّاق سنقف بالحقّ تحت رايتها» يقول نشيد الاتحاد السوفياتي.
في البدء، وقبل انطلاق الثورة البولشفية، كان علماً أحمر خالياً من أي إشارات، اللون وحده كان كافياً للتعبير عن احتجاج صارخ على حكم القياصرة. في ساحة كنيسة سيدة قازان في سان بطرسبرغ، رُفعت الراية الحمراء لأول مرّة في روسيا، خلال أول تظاهرة للعمّال والطلّاب ضد نظام القيصر بتاريخ 6 كانون الأول 1876.

لَقِّم المحتوى