جنون ابن سلمان: حصر إرث المملكة ومحاصرة لبنان


حيّد الحريري «سفيرته» في واشنطن عن ترتيبات لقاء ترامب (أ رشيف)

بانتظار تكشّف ملابسات حقيقة ما حصل يوم السبت الفائت، عندما خرج الرئيس سعد الحريري معلناً استقالته من الرياض، لا بد من العودة قليلاً إلى أشهر خلت، للوقوف على أحداث قد تساعد في تفسير بعضٍ من مشهد الاستقالة الملتبسة. ما الذي فعله الحريري حتى يعاقبه العهد السعودي الجديد بهذا الشكل المهين؟ سؤال قد يكمن جزء من الإجابة عنه في واشنطن التي زارها في تموز الماضي

لم يكن خافياً على اللبنانيين منذ قرابة عام ونصف عام أنّ الرئيس سعد الحريري كان يعاني من أزمة مالية حادّة، منذ أن قرّر محمد بن سلمان ابتلاع شركته «سعودي أوجيه»، ضمن توجّه عام لولي العهد السعودي باحتكار عطاءات المشاريع وتجييرها لمصلحة شركاته والأميركيين والمقرّبين منه. في تركيا، تعثّر آخر للحريري حيث استثمارات شركته «أوجيه تيليكوم» في شركة «تورك تيليكوم» التركية، وتعثّر في قروضه التركية التي من المفترض سدادها هذا الشهر.

العدد ٣٣١٨

ما زال سكان المنطقة عند موقفهم تجاه الرئيس، لا بل ينتظرونه (أ ف ب)

الطريق الجديدة زرقاء. رغم أن لا أعلام كثيرة للتيار الأزرق فيها، إلا أنها «معقله». تتحرك الحشرية نحوها كلّما جرى حدث يخصّ تيار المستقبل. بعد «الصدمة» التي أحدثها رئيس الحكومة سعد الحريري، قادتنا الحشرية نفسها، إلى طريق الجديدة.
لن نجد «المحقق كونان» في طريق الجديدة. الحياة طبيعية، ولا أحد يبحث عن أسباب. الجميع يبحث عن «تداعيات». جمهور الحريري مرتبط بطريق الجديدة، والمنطقة مرتبطة به.

العدد ٣٣١٨

نجحت أجواء التهدئة في احتواء انعكاس أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري على سعر صرف الليرة مقابل الدولار، إذ لم تشهد سوق القطع حال هلع، ولم يسجل حصول تحويلات إلى الخارج. أما مؤشرات الصمود في مواجهة أزمات كهذه، فلا تزال تعكس تماسكاً في بنية النظام المالي القادر على مواصلة دعم سعر صرف الليرة من دون استنزاف واسع لاحتياطات مصرف لبنان بالعملة الأجنبية.

العدد ٣٣١٨

لعل الجيّة تصلح لأن تكون مختبراً، أكثر من غيرها، لقياس درجة «التوتر» الذي أحدثته الاستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة سعد الحريري، على مقياس محلي. الجميع موجودون هنا: تيار المستقبل، حزب الله، أمل، وغيرهم. لا جديد. العلاقة بين «أهل المنطقة» على حالها. «التوتر» لم يبلغ مرحلة النفور أو الصدام. الحياة طبيعية، التوتر يتراجع. ومن المعلوم أن منطقة إقليم الخروب، وليس الجيّة فقط، تتمتع بتنوّعٍ «طائفي» وسياسي كبيرين.

العدد ٣٣١٨

بعد غارة سعودية في العاصمة اليمنية صنعاء قبل يومين (محمد حويس ــ أ ف ب)

أثار قرار السعودية إغلاق ما تبقى من المنافذ اليمنية مفتوحاً ردود فعل ساخطة، بلغت حد تلويح «أنصار الله» باستهداف البوارج التابعة لـ«التحالف». جاء ذلك في وقت واصلت الرياض هجومها التصعيدي على طهران على خلفية الصاروخ الباليستي الذي استهدف السبت مطار الملك خالد، والذي أكملت «أنصار الله» مشهديته، أمس، بالكشف عن منظومة صواريخ بحرية محلية الصنع

لم يكد ينجلي غبار الزوبعة التي أثارتها الأوامر الملكية السعودية، وما رافقها من عمليات اعتقال لعشرات الأمراء والوزراء السابقين والمسؤولين مساء السبت، حتى جاء قرار «التحالف العربي» إغلاق المنافذ اليمنية الجوية والبحرية والبرية كافة، ليكمل مشهدية «الطيش» التي سيطرت على المنطقة منذ 3 أيام.

العدد ٣٣١٨

قطع عباس جدول أعماله وتوجه إلى الرياض بدعوة مفاجئة (آي بي ايه)

تتواصل حفلة الجنون السعودية في المنطقة، وهذه المرة تطاول فلسطين. يبدو أن الملفات جميعها مفتوحة لدى محمد بن سلمان، إذ من المؤكد أن الصور والعناوين التي أظهرت تعزيز العلاقة بين «حماس» و«محور المقاومة» لن تمرّ لديه مرور «الكرام»... وخاصة أن لـ«مملكة الخير» يداً سابقة على السلطة، وعلى مصر راعية المصالحة الفلسطينية

سرعان ما قطع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مشاركته في أعمال «منتدى شباب العالم» المقام في مدينة شرم الشيخ المصرية، متجهاً إلى العاصمة السعودية الرياض، بعدما وصلته دعوة مفاجئة من الملك سلمان، على أن يلتقي إلى جانب الملك ولي العهد محمد بن سلمان، وفق مصادر فلسطينية رسمية.

العدد ٣٣١٨

توقيف عدد جديد من رجال الأعمال، ما أثّر على أسهم عدد من الشركات (أ ف ب)

في أول تعليق رسمي أميركي على «حملة التطهير السلمانية»، أكد دونالد ترامب «ثقته الكبيرة» بالملك وبوليّ عهده، «فهما يعلمان جيداً ما يفعلانه»، ليشكّل بذلك غطاءً وعوناً للأمير الشاب في «أجندته»

لا يزال التوتر سيد الموقف، داخل المملكة السعودية، بفعل الحملة المتواصلة لولي العهد محمد بن سلمان، على أجنحة خصومه في أسرة آل سعود، وعدد كبير من رجال الأعمال والمسؤولين البارزين في الدولة. توتر لا يقتصر على السعودية فحسب، في وقت يسير فيه بالتوازي مع حملة تصعيد إعلامي وسياسي خارجية، تقودها الرياض ضد اليمن وإيران ولبنان، وحزب الله خصوصاً.

العدد ٣٣١٨

شمرّ يومان على حملة وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، في بلاده، التي اعتقل خلالها العشرات من أمراء ووزراء سابقين وحاليين، غير أنها قوبلت بصمت مطبق من قبل الغرب عموماً والأوروبيين خصوصاً.
لم يصدر أي تعليق رسمي من أيّ دولة أوروبية على الذي يحصل في السعودية، البلد الذي يُعَدّ حليفاً لهم في المنطقة، وهو أمر مفاجئ إذ لم يعتد الأوروبيون التزام الصمت في مقابل أي شأن داخلي يحصل في أي دولة عربية أو غير عربية، حليفة أو غير حليفة. وعلى سبيل المثال، يعتاد الاتحاد الأوروبي ودوله إبداء الاستياء الدائم إزاء تدهور أوضاع حقوق الإنسان في تركيا، والتعليق على كل حملات التوقيف التي حصلت فيها منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016. لكن، بشأن الأحداث الأخيرة التي وقعت في السعودية، لا تعليق ولا ردّ فعل إيجابياً ولا سلبياً.
على صعيد الصحافة الأوروبية، والفرنسية خصوصاً، فالحديث العام هو عن حملة يقوم بها ابن سلمان لتمكين موقعه في السلطة، وقد تكون ممزوجة ببعض الحماسة الخفية للتغييرات «الاجتماعية» في البلاد، ولا تخلو من محاولات «عقلانية» لفهم الحدث، وقبول عام بأن ما يحصل في الواقع هو تغيير للنظام السعودي.

العدد ٣٣١٨

بعدما كانت تتنافس على نشر التحليلات، تسعى إلى كشف «خفايا» أبسط الأحداث السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، خيّمت حالة من الصمت المريب على وسائل الإعلام الغربية والعربية عقب «ليلة الاعتقالات الطويلة» التي طاولت أمراء ووزراء سعوديين في «مملكة ابن سلمان».

العدد ٣٣١٨

استقالة الحريري المفاجئة أثبتت أنه بات رهينة سياسية لمحمد بن سلمان (مروان طحطح)

دخل لبنان مرحلة جديدة من المواجهة السياسية العاكسة لما يحصل في المنطقة. وإذا كان حكام السعودية قد قدموا خلال الأعوام القليلة الماضية نماذج عدة عن الجنون الذي لا يقف عند مصلحة شعب أو دولة، فإن استقالة غامضة لرئيس الحكومة سعد الحريري جاءت في سياق المستوى الجديد من العبث السعودي بالمنطقة.

العدد ٣٣١٧

برّي: ما وراء الإستقالة أخطر منها بعد دخول إسرائيل عليها (احمد عاصي)

ليس تقييم رئيس مجلس النواب نبيه برّي استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، من الرياض السبت، اقل وطأة عليه من الصدمة التي احدثتها. ردّ فعله من شرم الشيخ: «كان في الامكان توقّع قنبلة ذرية تسقط على لبنان، لكن ليس استقالة الحكومة»

شرم الشيخ | فور وصوله الى مطار شرم الشيخ للمشاركة في «منتدى شباب العالم»، بدعوة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تلقى رئيس مجلس النواب نبيه برّي من بيروت مكالمة هاتفية، انبأته باستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري. للفور اجرى اتصالاً برئيس الحمهورية ميشال عون وجهات سياسية ومراجع روحية ابرزها مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان في سبيل التهدئة، وتفادي اي مشكلة يمكن ان تنجم عن استقالة «لم تفاجئني أنا فحسب، بل فاجأت الجميع.

العدد ٣٣١٧

الحريري تبلّغ من السعوديين سابقاً ضرورة تغيير مستشاره نادر (دالاتي ونهرا)

بين السعودية والعهد، سنة من الترقّب، اختتمت باستقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض. الخضّة السياسية لم تأت من عبث. الإعداد لها استلزم وقتاً، بعدما اكتملت العدة للتصويب على العهد وحزب الله

طرفان بقيا حتى اللحظة الأخيرة لا يصدقان أن السعودية مقبلة على التشدد إزاء العهد وإزاء حزب الله: العهد نفسه والرئيس سعد الحريري.
حتى لحظة تقديم الحريري استقالته، ظلت المكابرة تفرض إيقاعها على الطرفين؛ فالعهد ومستشاروه ووزراؤه ظنوا أن التسوية الرئاسية أقوى من العاصفة الاميركية والسعودية المقبلة على لبنان، وأن تفاهم نادر الحريري – جبران باسيل أفعل من أي قرار سعودي. الحريري لم يقتنع بأن القضية بالنسبة الى الرياض أصبحت أكبر من تفاهم نفطي وحصص في الاتصالات وسفراء يطلبهم الحريري من الوزير باسيل فيصدر مرسوم تعيينهم.

العدد ٣٣١٧

(هيثم الموسوي)

منذ إعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من رئاسة الحكومة، ظهر أول من أمس، ظهر قادة تيار المستقبل في صورة المهزومين والمنعزلين والمحبطين. ينتظرون الرئيس الذي يتوقّف عليه كل شيء داخل التيار.
فقبل يوم واحد فقط من مفاجأة الحريري، اجتمع أحد المقربين من الأخير بعدد من السياسيين، لنقل أجواء الزيارة الأولى التي قام بها للمملكة العربية السعودية. قال بما معناه إن «الأمور إيجابية. وسترون خلال أسابيع تطورات جيدة جداً على الساحة اللبنانية. ستغدق المملكة خيرها على البلد». وحين سُئل المسؤول المستقبلي عن التفاصيل، أجاب: «لن نخوض بها. لكن بشكل عام هكذا وصلتنا الرسالة». أحد المقربين من الحريري كان قبل ظهر السبت مجتمعاً بضيف زاره، واستمر في ترويج رسالة «الخير الآتي من السعودية» حتى ما قبل دقائق من نشر قناة «العربية» خبر استقالة الحريري. وبُعيد مغادرة الضيف بوقت قصير، اتصل به المسؤول المستقبلي قائلاً: «نسيت خبرك إنو الرئيس الحريري استقال»! في هذه اللحظة، كان لبنان كلّه قد أصبح تحت تأثير الصدمة. جاء وقع الاستقالة مدوّياً، في تطور دراماتيكي غير متوقّع. أطاح الحريري كل شيء: انطلاقة العهد والتسوية والعلاقة مع الرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر. أسقط ربط النزاع مع حزب الله. صدم الجميع، وأولهم مستشاروه والمقربون منه وشركاؤه السابقون. لم يكُن أحد على علم بهذه الخطوة التي عاكست كل المناخ الذي رُوّج له منذ بداية الأسبوع. تيار المستقبل نفسه فوجئ كسواه بهذه الخطوة المباغتة، وظهر كأنه آخر من يعلم.

العدد ٣٣١٧

الرئيس لن يدعو إلى طاولة حوار بسبب إشكالية التمثيل السُّني (دالاتي ونهرا)

حتى مساء أمس، كان الرئيس ميشال عون لا يزال متريثاً في أي خطوة يتخذها، ولا سيما أن ملابسات استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من السعودية لم تتضح بعد. لذلك، فضّل انتظار عودته، كما وعد، خلال اليومين المقبلين واعتبار الاستقالة غير حاصلة إلى حين شرح تفاصيلها حفاظاً على مقام رئاسة الحكومة وكرامة لبنان

لم تحسم بعبدا قرارها بعد. وهي، كسائر اللبنانيين، لا تملك جواباً شافياً عمّا حصل عقب سفر رئيس الحكومة إلى السعودية في رحلة عمل ليعلن استقالته من مكتب مجهول هناك. لذلك، «الرئيس ميشال عون متريث ولم يتعامل مع الاستقالة كأنها حاصلة. وهو بذلك يحفظ كرامة لبنان ورئاسة الحكومة»، تقول مصادر التيار الوطني الحر. فالوضع «ملتبس وهناك علامات استفهام عدة حول هذه الاستقالة، الأمر الذي دفع الرئيس عون إلى انتظار جلاء الصورة في اليومين المقبلين.

العدد ٣٣١٧

لعلّ رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أكثر المتأثرين باستقالة الرئيس سعد الحريري، والدلالات السياسيّة للخطاب الذي ألقاه عبر شاشة «العربية». ردّ فعل جنبلاط الأوّلي على خبر الاستقالة، لا يخرج عن إطار التهدئة والاستيعاب، الذي رسمه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله أمس، مع إدراك رئيس اللقاء الديموقراطي لانعكاسات تطوّرٍ من هذا النوع على الواقع اللبناني الهشّ، وعلى موقعه هو بالذات؛ فجنبلاط، الذي لم يكسب من التسوية الرئاسيّة قبل نحو عام، ودفع ثمناً في قانون الانتخاب الجديد، ضمن لنفسه، من خلال التسوية واستقرار الوضع اللبناني، الحدّ الأدنى الكافي لاستمراره في خياره الوسطي، كلّما ابتعدت حدّة الصراع الإقليمي عن لبنان.

العدد ٣٣١٧
لَقِّم المحتوى