«الأخبار» تنشر برقيات سرية من السفارات السعودية حول العالم


أكثر ما يخيف القيّمين على تنفيذ «الأوامر السامية» هو جوّ إعلاميّ حرّ في المحيط العربي (أرشيف)

في الأشهر التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لاحظ الزميل أسعد أبو خليل أن المدى الحقيقي للنفوذ الذي بناه الحريري في أوساط الإعلام والسياسة لم يظهر إلى ما بعد رحيله، حين بانت الولاءات الفعلية في لحظة انشقاق، كاشفة عن شبكة مصالح لها امتداد في كلّ دائرة ومنظمة ووسيلة إعلام، يميناً ويساراً، وفي مختلف معسكرات ذلك البلد الصغير

بالمعنى نفسه، تُظهر وثائق وزارة الخارجية السعودية، التي تنشرها «الأخبار» بالتعاون مع «ويكيليكس»، مقدار السطوة التي فرضها النظام السعودي على الإعلام، ولكن على مستوى الإقليم والعالم ككلّ، وهي قد تفوق تصوّرات أعداء النظام السعودي عن خصمهم، وتُظهر جانباً مخيفاً من تعامل المملكة مع نقّادها وأتباعها، وتجعل من الكلام عن «هيمنة سعودية» في إعلامنا حقائق وأرقاماً، لا مجرّد شائعات واتهامات.

العدد ٢٦٢٠

«الصورة» التي تهم مملكة القهر، لا تحتمل أي نوع من النقد، خصوصاً لآل سعود. فكيف بعمل سينمائي «يتجرّأ» على العودة الى حياة جدّهم الأكبر، الملك المؤسس عبد العزيز. وفي هذا السياق، تجد استنفاراً خاصاً لمواجهة فيلم «ملك الرمال» الذي أخرجه السوري نجدت أنزور. وتخوض سفارات المملكة حول العالم حرباً ــ أدواتها المال والنفوذ ــ لأجل منع عرض الفيلم أو مواجهة آثاره على الرأي العام. وهو ما تظهره سلسلة من الوثائق، ومنها:

1- «سرية للغاية» - عاجلة جداً

.. نفيدكم بأنه صدر مؤخراً فيلم بعنوان «ملك الرمال» للمخرج السوري نجدت أنزور يتعرض لشخصية الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود (رحمه الله) .. وحسب المعلومات المتوفرة، الفيلم المذكور يحتوي معلومات مضللة ومفبركة ومشاهد مسيئة مخالفة لوقائع التاريخ ، ويعمل على أهداف سياسية مغرضة تشير إلى أجندات خارجية حاقدة..»

2- «سرية للغاية» - عاجلة جداً

بشأن موضوع فيلم ملك الرمال. أفاد سموّ السفير في لندن بأن ذلك يتطلب تأمين ميزانية خاصة بمبلغ وقدره أربعمائة ألف جنيه استرليني، يتضمن تكاليف فريق المحامين بالإضافة الى المستشارين السياسيين والاعلاميين»

العدد ٢٦٢٠

هم أنفسهم الذين ظهروا في البرقيات السرية للخارجية الأميركية، التي نشرتها «الأخبار» بالتعاون مع موقع «ويكيليكس» عامي 2010 و2011. سياسيون لبنانيون كانت كل احاديثهم مع الموظفين الأميركيين، متمحورة حول امر واحد: ضرب المقاومة. وصل بعضهم خلال حرب تموز ــ آب 2006 إلى حد المطالبة بإطالة امد العدوان الإسرائيلي، وحض الأميركيين على الطلب من العدو ان تكون ضرباته أقسى. ها هم يظهرون من جديد، إنما هذه المرة، في وثائق الخارجية السعودية. كلامهم السياسي مع موظفي آل سعود يتمحور حول نقطة واحدة: نريد مالاً. وآل سعود يردّون بما يشبه عبارات القرون الوسطى وما قبلها: املأوا أفواههم ذهباً

لا يترك فريق 14 آذار مناسبة إلا يصم فيها أسماع اللبنانيين بكلمات عن الحرية والسيادة والاستقلال. انتحل هذا الفريق صفة «التيار الاستقلالي». وثائق الخارجية الأميركية التي نشرها موقع «ويكيليكس» قبل 5 أعوام لم تُسكِته. احرقتها الأحداث اللاحقة، وغياب المحاسبة في لبنان، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي. في تلك الوثائق، ظهر هذا الفريق منفّذاً للسياسة الأميركية، متماهياً مع ادبياته الداعمة للعدو الإسرائيلي، حتى في زمن الحرب.

العدد ٢٦٢٠

عندما خرج الزميل وليد عبود قبل نحو شهرين معتذرا من السعودية عن استضافته شخصيات معارضة لها على شاشة «مرّ تي في»، تساءل الناس عن سبب هذا السلوك المتناقض مع «الحرية والكرامة والسيادة»... اليكم التفسير

أن يجتمع مندوبون من وزارة الخارجية ووزارة المالية ووزارة الثقافة والإعلام ومن الرئاسة العامة للاستخبارات في المملكة العربية السعودية كي يدرسوا مشروعاً إعلامياً ثم أن يأتي «قرار سامٍ» ملكي بالموافقة على تمويل المشروع بملايين الدولارات شرط التزام قواعد معينة... فهذا يدلّ على الجدية والخطورة التي تتعاطى بها المملكة السعودية في ما يتعلّق بخططها الإعلامية الخارجية.

العدد ٢٦٢٠

عام ٢٠١١ كان نقيب الصحافة اللبنانية الحالي، عوني الكعكي، رئيس تحرير جريدة «الشرق». والكعكي، كغيره من قدامى أصحاب المهنة في لبنان، يعرف جيداً كيف يتعامل النظام السعودي مع الإعلام، ويدرك إمكانية أن يتحوّل هذا النظام الى مصدر تمويل مغدق وسهل. لكن الكعكي كان خلّاقاً وابتكر وسيلة «ذكية» في طلب المال من المملكة كما تشير إحدى برقيات الخارجية السعودية. اختار النقيب أن يضرب على وتر «إيران ــ حزب الله»، فأرسل الى خادم الحرمين الشرفين رسالة عبر السفارة السعودية في بيروت ينبّهه فيها إلى أن «إيران تمدّ حزب الله بمليار دولار سنوياً، وأنها صاحبة مشروع خطير يطاول لبنان والمنطقة برمتها مع إسرائيل».

العدد ٢٦٢٠

تظهر البرقيات أسماء عدد لا بأس به من الصحافيين اللبنانيين الذين دأبوا على الطلب مباشرة من المملكة دعماً مالياً. من بين هؤلاء عبد الناصر شرارة الذي طلب عبر السفارة في بيروت «دعم نشرة أصفار» التي يصدرها. وبعد إرسال نبذة عن الصحافي الذي عمل سابقاً في جريدة «الأخبار» والذي «لا يوالي ولا يعارض حزب الله» كما ورد في البرقية، اقترحت السفارة أن تعتذر المملكة عن دعم نشرة شرارة، لأنه «يتلقى اشتراكات عديدة من ضمنها اشتراك وزارة الثقافة والإعلام بمبلغ مقبول جداً».

العدد ٢٦٢٠

«المعهد الإعلامي» التابع لمؤسسة مي شدياق، يعرّف عن نفسه بأنه «جمعية غير حزبية ولا تبغى الربح»، والإعلامية شدياق لا تفوّت مناسبة لإعلان مواقفها المدافعة عن حرية الرأي، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان عموماً. لكن، رغم حملها شعلة «الحريات» على أشكالها، لم تتردد الإعلامية اللبنانية بالطلب من إحدى ممالك قمع الإعلام وجلد الصحافيين بتمويل... معهدها الإعلامي. السفير السعودي في بيروت تكفّل بإرسال نبذة تعرّف عن مي، بدأها، طبعاً، بانتمائها الديني «لبنانية مسيحية»، منتقلاً إلى محاولة اغتيالها وخبراتها الإعلامية ومتوقفاً عند إطلاقها مواقف سياسية «ضد سوريا والمعارضة اللبنانية» من خلال برنامجها التلفزيوني، و»قربها سياسياً من تحالف ١٤ آذار» الذي «تدعمه المملكة». أما حول المعهد فيقول السفير إنه «مشروع خيري... تجمع شدياق التبرعات لدعمه».
طبعاً، الخارجية السعودية رأت في طلب مي مناسبة لاستغلال قدراتها ومعهدها «ولا سيما أنها تمثل صوتاً إعلامياً مسموعاً قوياً ومؤثراً، ويمكن الاستفادة منها ومن المركز المذكور مستقبلاً بشكل أو بآخر، وربما بالتعاون المهني».

العدد ٢٦٢٠

رئيس الوزراء السابق سعد الحريري «مستاء»، وكعادته يشكو استياءه لوطنه الأم. سبب انزعاج الحريري هذه المرّة، ما يكتبه صحافيون ضده في صحف سعودية بارزة. الحريري حمل معه نسخاً عن تلك المقالات الى السفير السعودي في بيروت وأبرزها بقلم داود الشريان في «الحياة» وعبد الرحمن الراشد في «الشرق الأوسط»، وكما تشير برقيتان حول هذا الموضوع يبدو أن الحريري سمع من خصومه وأتباعه كلاماً يغمز من قناة علاقته بالمملكة، ويثير التساؤلات حولها، وخصوصاً أن المقالات التي تنتقده نشرت في صحف سعودية. أما ردّ السفارة في بيروت على شكاوى الحريري، فكان أنها ترى أن «من المناسب وقف مثل هذه الكتابات التي لا تخدم الأهداف المنشودة للمملكة»، فيما رفع وزير الخارجية سعود الفيصل إحدى شكاوى الحريري الى الديوان الملكي.

العدد ٢٦٢٠

يواجه الزميل أسعد أبو خليل مطاردة سعودية منذ سنوات طويلة، وهو الذي كان السباق في «الاخبار» بتوجيه النقد المباشر ليس لسياسات المملكة فحسب، بل لآل سعود أيضاً.
في برقية لسفارة السعودية في بيروت، يرد خبر عن ندوة لأبو خليل في صيدا «بدعوة من جمعيتي الأدب والثقافة وخريجي المقاصد لاستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا الدكتور/ اسعد ابو خليل (لبناني الجنسية) لإلقاء محاضرة تحت عنوان «أميركا ومستقبلها في العراق»، التي أشار فيها المذكور إلى ان استراتيجية الإمبراطورية الأميركية التي تقوم بفرض سلطانها على العالم سقطت بفعل ارادة المقاومه في العراق وفلسطين، تماما كما انتصرت هذه الإرادة في فيتنام، كما رأى ان الطروحات الأميركية لإصلاح الأنظمة العربية متروكه لكل نظام، وفي هذا ترسيخ مكافأة لها على ولائها

العدد ٢٦٢٠
لَقِّم المحتوى