اعتداء إسرائيلي على سوريا: العنوان موسكو... والنيّة طهران


علي حيدر

لم يكن الاعتداء الذي نفذه جيش العدو، قبل يومين، ضد أحد المواقع العسكرية في محيط الكسوة، جنوب دمشق، رداً على انزلاقات... ولم يزعم أحد في تل أبيب أن الاعتداء يأتي ضمن استراتيجية الاستهداف التي تنفذها ضد أسلحة نوعية في طريقها إلى حزب الله في لبنان.

بل شكّل اعتداءً عسكرياً مباشراً على الأراضي السورية، وضربة ابتدائية مباشرة ضد هدف تابع للجيش السوري.
مُهِّد لهذا الاعتداء على المستوى الإعلامي، قبل ثلاثة أسابيع، عندما نشرت محطة «بي بي سي» البريطانية؛ ومعها وسائل إعلام إسرائيلية، ما قالت إنه صور أقمار صناعية حصلت عليها من مصادر وصفتها بأنها «جهات استخبارية» غربية، لِما زعمت أنها قاعدة إيرانية في الجنوب السوري. مع الإشارة إلى أن هذا الاعتداء أتى بعد أيام من إعلان وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، أنه ليس في سوريا وجود عسكري إيراني إلا بضع مئات من المستشارين.
رغم ذلك، القدر المتيقن أن الاعتداء على الأراضي السورية، يشكّل رسالة إسرائيلية في سياق خيارات مواجهة ما تقدره تل أبيب من تهديدات متصاعدة تتصل بمرحلة ما بعد انتصار الجيش السوري على الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وكجزء من محاولات فرض خطوط حمراء تتصل بتحديات مرحلة ما بعد انتصار محور المقاومة في الساحتين السورية والإقليمية، لجهة أثره على الأمن القومي الإسرائيلي.

أياً كانت صحة المزاعم التي روّج لها الإعلام الإسرائيلي بشكل مكثف، حول أن الهدف يُعَدّ كي يكون مستقبلاً قاعدة إيرانية في الجنوب السوري، فهو يعكس حقيقة أن إسرائيل تعمدت وحرصت على استهداف المكان قبل أن يصبح محسوباً بشكل رسمي أو علني، على الإيرانيين. وهو ما أشار إليه المعلق العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، اليكس فيشمان، بالقول إن إسرائيل أرادت توجيه رسالة مفادها «أني أفعل ذلك قبل أن تدشّنوا هذه القاعدة وترفعوا هنا أعلاماً إيرانية». ويعني ذلك، أن هناك إدراكاً إسرائيلياً مسبق لخطورة هذا المسار، ونتيجة ذلك كان هناك حرص إسرائيلي على تجنّب سيناريو عملاني يؤدي إلى التدحرج نحو مواجهة عسكرية واسعة.
وكان لافتاً جداً، أن جميع المحللين العسكريين في مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية ضخّوا رسالة موحدة في مضمونها ودلالاتها، وبوتيرة موحدة. وهو ما أكد أن المصدر واحد ــ حتى لو افترضنا صحتها ــ وأن الإعلام الإسرائيلي بالرغم مما يتمتع به من هامش واسع نسبياً، يبقى مراسلوه ومعلقوه العسكريون جنوداً في معركة الأمن القومي، قبل أن يكونوا مهنيين. مع ذلك، حاولت صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها، حرف وجهة تفسير دوافع هذا الاعتداء باتجاه الوضع الداخلي الإسرائيلي، وتساءلت عمّا إذا كان قرار الاعتداء مرتبطاً بالصراعات السياسية الداخلية. وتوقفت الصحيفة عند الدلالات التي ينطوي عليها قرار مهاجمة «هدف سوري لا يشكل تهديداً لها، في حين أنها تمتنع عن مهاجمة قواعد لحزب الله الصاروخية في لبنان، على الرغم من أنها تشكل تهديداً دائماً (لها)». وحذرت من مخاطر لعب إسرائيل على حافة الهاوية، في إشارة إلى إمكانية أن تقرر القيادة السورية، بأن ما جرى تجاوز لخطوط حمراء محددة، وترد بما يتناسب.
أتى الاعتداء، قبل وبعد وبالتزامن، مع رسائل ومساعٍ إسرائيلية على خطّي موسكو وواشنطن، بهدف التوصل إلى معادلة تُجنّب إسرائيل مخاطر انتصار الدولة السورية على الجماعات الإرهابية والتكفيرية. لكن هذا الاعتداء كشف وأكد فشل الاتصالات والمساعي الإسرائيلية السابقة، وعكس إدراك تل أبيب لمحدودية مفاعيل الرسائل والتهديدات التي وجهتها طوال الأشهر الماضية. فلم ينفع الصراخ، ولا التهويل ولا التهديد، لكونه لم يترك الأثر المؤمَّل لدى أيٍّ من الجهات المعنية، في موسكو ودمشق وطهران.
في ضوء ذلك، وجدت تل أبيب نفسها بين حدّين: إما الاكتفاء بالاتصالات مع العواصم الدولية المؤثرة في الساحتين السورية والإقليمية، أو اللجوء إلى خيار عسكري واسع يمنع بالقوة تبلور الواقع الذي تُحذّر منه. من الواضح أن إسرائيل تريثت في انتظار تبلور مفاعيل الصراخ الذي تعددت منصاته، من موسكو إلى واشنطن إلى تل أبيب، وعلى خطوط الهاتف عبر الاتصالات مع الرؤساء الدوليين. وعندما لم تلمس مفاعيل جدية، عمدت إلى اتخاذ قرار بالانتقال إلى اللعب على حافة الهاوية، في محاولة للإيحاء بأنه إذا لم تُلبَّ مطالبها بخصوص مستقبل النفوذ والوجود الإيرانيَّين، فإنها ستضطر إلى خيارات عسكرية واسعة، بهدف إضفاء قدر من الجدية على تحذيراتها. ويمكن التقدير بأن وجهة هذه الضغوط والرسائل؛ هي بالدرجة الأولى موسكو، في محاولة لرفع مستوى القلق لديها من سيناريو مواجهة عسكرية واسعة تربك صيغة الحل السياسي الذي تعمل عليه في الساحة السورية. أما عن خلفية كون موسكو هي العنوان الأول، فلكونها بنظر تل أبيب المدخل الإلزامي لأي ترتيب أو تعديل على أي ملف سياسي أو أمني في سوريا، ولكونها باتت العنوان الذي توجه إليه كافة الرسائل الدولية والإقليمية في كل ما يتعلق بالساحة السورية. وعلى أمل أن يتم من خلالها وعبرها التأثير في الفرقاء الآخرين، وعلى رأسهم طهران.
على مستوى النتائج، لم تنجح تل أبيب ــ حتى الآن ــ في كل رهاناتها على الساحة السورية، ولم تثمر كل رسائلها، ولم تتمكن من الحؤول دون انتصار الجيش السوري وسائر أطراف محور المقاومة. ولم تتمكن من فرض إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، الذي ترى أنه الشرط اللازم والضروري لتمرير الكثير من المخططات التي تراهن عليها.
مع ذلك، يأتي اعتداء الكسوة، امتداداً لمساعيها للحد من تداعيات التحول الاستراتيجي والتاريخي الذي شهدته الساحتان السورية والإقليمية، على معادلات الصراع. لكن أحداً في تل أبيب لم يُظهر جرأة، حتى على مستوى التقدير، بأن ما جرى سيؤدي الى تغيير جذري في معادلات الصراع، وفي تغيير مسار الأحداث على الساحة السورية. بل صدرت أصوات تؤكد أنّ من المستبعد أن يتحقق ذلك، وأخرى تبارك الاعتداء، ولكنها تحذر من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، انطلاقاً من القلق بأن ما كان ليس بالضرورة هو ما سيكون في كل المراحل اللاحقة.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]