طائرات صغيرة قاتلة: الخطر القادم



«الأسلحة النووية باتت من الماضي. إقضِ على عدوك بالكامل من دون أي مخاطر. فقط قم بتحديد صفاته وتعريفه، أطلق السرب، واسترخي»

أصغر من كف اليد هو حجم طائرة من دون طيار أنتجتها شركة صناعات عسكرية بكلفة أقل من كلفة سيارات ذاتية القيادة؛ طائرة تحمل متفجرات، تتعرف على أهدافها بين آلاف الحشود، تناور… وتقتل بطلقة في جبهة الرأس تخترق الدماغ. سرب من هذه الطائرات بقيمة 25 مليون دولار سيكون كافياً لقتل نصف مدينة وفق معايير يحددها مطلقها. يروي فيلم قصير نُشر أخيراً مخاطر هذه الروبوتات، مبلوراً «إحدى النتائج المستقبلية المحتملة من تطوير هذه الأسلحة ذات التكنولوجيا الفائقة»

أحمد عودة

يميل الإنسان عادةً إلى تقليد ما هو موجود في الطبيعة من كائنات حية عند الشروع في تصميم روبوت أو آلة ما. التحدي الأكبر لديه يكمن في تزويد الروبوت بخوارزميات التفكير والتفاعل عبر مده بمعلومات كافية تتعلق بمحيطه لأداء مهمات أساسية كالرؤية، السير والتفاعل مع أي طارئ، أو مهمات إضافية أخرى أكثر تعقيداً. لعل الطائرات من دون طيار هي واحد من الروبوتات التي يعمل الإنسان على تصنيع نماذج عدة منها تحاكي مختلف أنواع الطيور والحشرات.

تاريخياً، تم تطوير الطائرات بدون طيار لاستخدامها خلال الحرب العالمية الثانية لأغراض عسكرية كالاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية لدى الأعداء عبر تزويدها بشكل أساسي بكاميرات والتحكم بها عن بعد. ومنذ ذلك الحين، تشهد هذه التكنولوجيا تقدماً تقنياً هائلاً بالتزامن مع التطور الكبير الذي شهده عالم تكنولوجيا الحواسيب والإلكترونيات منذ الستينيات.
منذ عقد من الزمن إلى يومنا هذا، أي بعد سنوات طويلة من البحث والتطوير، أصبحت هذه الطائرات أصغر حجماً وأقل ثمناً وباتت تشهد نجاحاً متزايداً في المجال المدني، ولا سيما الطائرات ذات المراوح الأربع. باتت هذه الطائرات قادرة على أداء مهمات معقدة بطريقة ذاتية، بالاعتماد على أجهزة الاستشعار الموجودة المضمنة والتي تستطيع أن توفر من دون أي تدخل بشري معلومات ضرورية لإتمام ناجح وكامل لتلك المهمات، وخصوصاً أن شريحة إلكترونية واحدة ذات حجم صغير تحتوي على كل هذه الأجهزة باتت متاحة في الأسواق اليوم.
في هذا الإطار، تعلمت هذه الروبوتات الطائرة، من جهة، السباحة في الداخل (indoor) والخارج (outdoor)، سواء من خلال تقدير حركتها في العالم الثلاثي الأبعاد عبر أجهزة القصور الذاتي (Inertial Measurement Unit) أو من خلال تحديد موقعها بدقة عبر أجهزة الـ GPS المتصلة بالأقمار الاصطناعية. ومن جهة أخرى، باتت قادرة أيضاً على الرؤية عبر استعمال كاميرات صغيرة مضمنة. لعل التحدي لدى الباحثين بات يكمن في إحداث مساهمة جماعية لكل المعلومات التي يتم الحصول عليها من أجهزة الاستشعار المختلفة من أجل تحقيق مهمات أكثر تعقيداً عبر تصميم خوارزميات برمجية معقدة. أصبح هذا الاندماج في البيانات ممكناً بفضل التقدم المتزايد للإلكترونيات الرقمية، كشرائح الـ FPGA أو الـ GPU التي تعطي فرصة كبيرة لموازنة العمليات الحسابية، وبالتالي تسمح بتنفيذ خوارزميات معقدة للغاية في الوقت الحقيقي، ولا سيما تلك التي تعنى بمعالجة الصور والرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي التي تتطلب معظمها قدراً كبيراً من البيانات، وبالتالي قوة حوسبة كبيرة لمعالجتها.

صحيح أن الأبحاث لا تزال مستمرة للعمل على تحسين أداء هذه الطائرات على مختلف الصعد، لكن تبقى التطبيقات التي يمكن أن يستفاد منها الهوس الأكبر لدى معظم الشركات ومراكز الأبحاث. وللأسف، لم تمنع محدودية هذه الطائرات (الحجم، الطاقة، مسافة الاتصال...) الباحثين والمهندسين من محاولة تصميم تطبيقات شريرة باتت تشكل هاجساً للأفراد والحكومات كتزويد الطائرات برشاشات آلية، كما يفعل بعض الهواة على طريقة التصنيع المنزلي مثلاً أو تزويدها بعبوات ناسفة، كما يفعل الإرهابيون. الموضوع لم يقف عند هذا الحد، فمع تصاعد أسهم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في العالم كله، توسعت المخاوف لتشمل أيضاً تزويد هذه الطائرات بخوارزميات ذكاء اصطناعي قد يكون فيها البشر هم النقطة الأضعف، كما تتوقع القوات الجوية الأميركية، وخصوصاً أن الجيوش هي أحد أكبر الممولين لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، ولا سيما الذراع البحثية في وزارة الدفاع الأميركية.
إذاً، هل تحدث الروبوتات، وخصوصاً الطائرات من دون طيار، انقلاباً عسكرياً على البشر على طريقة أفلام الخيال العلمي؟ هذا السؤال بدأ منذ سنوات يقضّ مضاجع عمالقة التقنية والعلوم في العالم كإيلون ماسك وستيفن هوكينغ. في هذا الإطار، حذر علماء في الذكاء الاصطناعي عبر فيلم قصير بعنوان "Slaughterbots"، عرضه العالم في علم الذكاء الاصطناعي في جامعة كاليفورنيا ستيوارت راسل منذ أسبوعين في مؤتمر الأمم المتحدة حول الأسلحة التقليدية والذي انعقد برعاية حملة "وقف الروبوتات القاتلة"، من خطورة تطوير ما يعرف بالـ"الروبوت القاتل".
"الأسلحة النووية باتت من الماضي. اقضِ على عدوك بالكامل من دون أي مخاطر. فقط قم بتحديد صفاته وتعريفه، أطلق السرب، واسترخِ"، يقول راسل. لكن سرب ماذا؟ سرب من الطائرات من دون طيار أصغر من كف اليد تمتلك مهارات ذكاء اصطناعي هائلة، تحلق بنفسها، يمكن لمعالجها أن يتفاعل 100 مرة أسرع من الإنسان. الحركة العشوائية هي ميزة لمكافحة القناص، تماماً مثل أي جهاز محمول في هذه الأيام فيها كاميرات وأجهزة استشعار وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وفيها تقنية التعرف على الوجوه. داخلها أيضاً هناك ثلاثة غرامات من المتفجرات! حدد العمر، الجنس، الزي، اللياقة البدنية… وستهاجم هذه الطائرات الشخص المحدد وتقتله بطلقة في جبهته تخترق دماغه. يمكن أيضاً مهاجمة الأشخاص الذين يستخدمون هاشتاغاً معيناً على صفحاتهم. يمكن لسرب من الطائرات المدربة كفريق أن تخترق المباني والسيارات والقطارات، وتتجنب الرصاص. هذه الطائرات لا يمكن وقفها. بـ 25 مليون دولار، يمكنك اليوم أن تشتري سرباً كاملاً يكفي لقتل نصف مدينة، ويمكنك أن تحدد أن يقتل النصف السيئ... أو الجيد.
فقد كشف الفيلم القصير عن طائرة من دون طيار أصغر من حجم اليد، أنتجتها شركة صناعات عسكرية، يمكنها تحديد ضحيتها أوتوماتيكياً بدقة عبر خوارزميات رؤية حاسوبية وذكاء اصطناعي وقتلها بكفاءة ومن دون رحمة بطلقة واحدة في جبهة الرأس. ظهرت في الفيلم مشاهد فظيعة عما يمكن أن يحدث في العالم إذا ما هاجمت أسراب من الطائرات الصغيرة البشر على الطرقات أو الطلاب في الجامعات، والذعر الذي ستحدثه في المدينة.
هذا الفيلم القصير المثير للقلق والذي انتشر بكثرة على موقع التواصل الاجتماعي يندرج ضمن محاولات يقوم بها العلماء المعنيون من حملة لتسليط الضوء على مخاطر تطوير أسلحة مستقلة يمكنها إطلاق النار على أهدافها بدون إشراف بشري. قال ستيوارت راسل إن تصنيع واستخدام الأسلحة الذاتية التحكم، مثل الطائرات من دون طيار والدبابات والرشاشات الآلية، سيكون مدمراً للأمن الدولي والوطني والمحلي والشخصي وستكون له تداعيات خطيرة على سلامة البشرية. وأضاف أن "التكنولوجيا الموضحة في الفيلم هي ببساطة تكامل للقدرات القائمة، إنها ليست خيالاً علمياً"، كما اعتبر أيضاً أن إنتاج هذا الروبوت يعدّ أقل كلفة من إنتاج السيارات الذاتية القيادة. من ناحية أخرى، قال نويل شاركي، وهو أستاذ في الذكاء الاصطناعي بجامعة شيفيلد ورئيس اللجنة الدولية للحد من الروبوتات المسلحة "إن الفيلم تقشعر له الأبدان، فهو يبلور إحدى النتائج المستقبلية المحتملة من تطوير هذه الأسلحة ذات التكنولوجيا الفائقة".
انطلاقاً من كل هذا، ألم يحن الوقت بعد لإجبار الجيوش والشركات العسكرية التابعة لها في العالم على تبني القوانين الأخلاقية الثلاثة التي ظهرت في رواية "التملص" (Runaround) لكاتب روايات الخيال العلمي إسحاق أسيموف في تصنيع الروبوتات عبر عقد اتفاقيات عالمية يتم تبنيها في مجلس الأمن الدولي على غرار اتفاقيات حظر انتشار الأسلحة النووية؟

*مهندس كمبيوتر، إلكترونيات وأنظمة مضمنة وطالب دكتوراه في جامعة باريس 13 مع الوكالة الفرنسية للتخطيط


قوانين الروبوت الثلاثة

ما ذكره إسحاق أسيموف كاتب روايات الخيال العلمي في روايته "التملص" عام 1942 تحوّل لاحقاً إلى قوانين جدية في عالم صناعة الروبوتات هي:
1- لا يجوز لآلي إيذاء بشريّ أو السكوت عما قد يسبب أذىً له.
2- يجب على الآلي إطاعة أوامر البشر، إلا إذا تعارضت مع القانون الأول.
3- يجب على الآلي المحافظة على بقائه طالما لا يتعارض ذلك مع القانونين الأول والثاني.

* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

تكنولوجيا
العدد ٣٣٣٨ السبت ٢ كانون الأول ٢٠١٧

مقالات أخرى لأحمد عودة:

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]