الشيوعية


بشير صفير

«الجميل» في الرأسمالية أنها تحمل نقيضها، وستنهي نفسها بنفسها في جو من البؤس الدائم بسبب الطبيعة البشرية، إذ كلّما تملّكت من الشيء رغبت بالتملّك منه أكثر، وكلّما تملّكت منه أكثر، تضاءلت رغبتك فيه. لن يعرف الأثرياء المتعة والفرح في حياتهم، مهما ادعوا ظاهرياً عكس ذلك، وسعادة الإنسان منوطة جسدياً ونفسياً — في جوهر خلقه — بالشيوعية، إذ خلق الله الإنسان يجوع، ولكن يشبع أيضاً.

رغم ذلك، لم يعرف تاريخ البشرية ظلماً أكبر من الذي لحق بالشيوعية. هذا الظلم لم يأتِ إطلاقاً من أعدائها «المشروعين»، أي أولئك الذين أدركوا أن مصالحهم تتضرر من تطبيقها. الظلم، مع الأسف، أتى مِمَّن وُجِدَت الشيوعية لتنقذهم من بؤسهم وجهلهم وفقرهم ومعاناتهم. فأعداء الشيوعية المتضرّرين منها، وبعدما أمعنوا في استغلال الإنسان بأساليب بدأت من استعباده مباشرةً ثم انتقلت إلى سرقة تعبه من خلال «شراء» هذا التعب (الراتب) بأقل من ثمنه الحقيقي بكثير (بالمناسبة، ألغى هؤلاء القذرون العبودية، لا رأفةً بالإنسان، بل بسبب الفارق الإيجابي بين تكلفة استعباد إنسان وتكلفة استغلاله كـ«إنسان حرّ»). فالظلم في استغلال الإنسان الفقير فاقه ظلماً استغلالُ جهل الأخير بالنظرية التي أتت لتنقذه، ما جعل المُستَغَلّ يظلم الشيوعية لاعتقاده بأنها سيئة، نتيجة عدم قدرته المعرفية على دحض الدعاية الكاذبة عنها. هل يُعقَل أن ترى فقيراً يقشعِر بدنه ويشعر بخطر وجودي لمجرّد ذكْر كلمة «شيوعية»؟ نعم، إلى هذا المستوى وصل عهر الرأسمالية في تحذير الفقراء من خطر الشيوعية عليهم.
يكاد — وللحديث تتمة — يكون ذلك أشبه بطبيب يحذّر امرأة من خطر إرضاع طفلها، مدّعياً أن حليبها مسموم وغير صالح، ثم يأخذ منها حليبها، بحجّة دراسته، ويبيعه بمبالغ كبيرة لأمهات آخرين، أوهمهم أيضاً بأن حليبهن مسموم، ولمّا لم تتوافر الكميات المطلوبة، راح ينصح بحليب بودرة معلّب تنتجه شركته الخاصة، لسدّ العجز بين الكمية المسروقة بخبث من حليب الأمهات وتلك المطلوبة من الأمهات أنفسهن عملاً بنصيحته عن فوائد الحليب الطبيعي. إن هذا التشبيه يمكنه بالمناسبة أن يكون حقيقياً، والأسوأ أنه، في نظام رأسمالي، لا يشكّل حالة فردية شاذّة، بل هو القاعدة المحتّمة التي يبلغها أي نشاط مهني أو إنتاجي في مرحلة متقدّمة من سلسلة «التطوُّر» التي تبدأ بما يسمّى مبادرة فردية! هذا الطبيب، على قذارته، يبقى أقل سوءاً من الرأسمالية ولا يصلح كتشبيه دقيق بها (لهذا قلنا «يكاد يشبه» في البداية)، إلا متى كان قادراً على تحذير الطفل (الفقراء والمستغلّون) من أمّه (الشيوعية)، بعدما أوهمه بأن الأخيرة أرادت تسميمه بحليبها، لكنه منعها لينقذه. هنا أصبح التشبيه دقيقاً وصائباً.
عوامل عدّة ساهمت بهذا الظلم: أولاً، الدعاية المضادة أو بعبارة أجمل: الكذب. أي اختلاق وهْم من لا شيء. هذا ما تتقنه جيداً الرأسمالية، و«أجود» أنواعه هو الكذب بالتحالف مع الدين، لأنه من النوع الذي يمكن فضحه من الآخرة فقط، أي المكان الذي لا يمكن الاتصال به ولا العودة منه. ثانياً، الكذب الموثَّق، أي الانطلاق من حقيقة وتحويرها أو تضخيمها أو اجتزائها. وهنا هامش الوقاحة بلغ، مثلاً، عند الولايات المتحدّة القدرة على إنتاج (والترويج لـ) وثائقيات تشيد بالاتحاد السوفياتي وبالشعب الروسي وبستالين بذاته أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم بـ«قول» عكس ذلك بعد زوال خطر النازية، ثم بالتضييق (اقرأ السَّجن، التهميش، العزل، تلفيق التهم، الترهيب،…) على المتعاطفين، ولو فكرياً وعلمياً/ نظرياً، مع الشيوعية داخل أميركا، من فنانين ومفكّرين ومثقّفين وسينمائيين ومسرحيين وأناس عاديين (راجع أفلام مثل Trumbo وThe Front وغيرهما)، بالتوازي مع سياسةٍ خبيثة تقوم على تقديس حرية التعبير والديمقراطية. ثالثاً، أخطاء الفريق المقابل، من مسؤولين وأحزاب وأفراد، نفّرت الناس بردّ فعل طبيعي مبالغ فيه غالباً وغير مبرّرة ومجحف. إذ، ما دخل ماركس ونظريته الاقتصادية/ الاجتماعية/ الفلسفية الفائقة الإنسانية والعلمية في آن واحد، إن «رُزِقْتَ» جاراً شيوعياً عديم الأخلاق؟ ما دخل الاشتراكية بحرب الجبل وبإقطاعية آل جنبلاط أو بضابط مخابرات سورية شرير أهانك على حاجز في لبنان؟ لما رفض منظومة فكرية تقدّمية وبنّاءة وفائقة التماسك والشمولية، انطلاقاً من خلل في التطبيق ناجمٍ ربّما عن خطأ بشري لا يمكن إلغاؤه أو خطأ في التقدير (عن نية صالحة) أو عن نقص في المعطيات أو عن عرقلة خارجية قصدها التشويه (حصة الأسد)؟ في السياق ذاته، علقت بعض القوى الشيوعية بأدبيات الماركسية أو فُتِنَت بها لدرجةٍ أبعدتها عن همّ تحقيقها الشامل تدريجاً أو حتى جزئياً. فثمة مفاهيم ومفردات أو حتى شعارات، على عظمتها الإنسانية أو دقّتها العلمية، يجب تحاشيها إنْ كانت تثير مللاً (الطغمة المالية، مثلاً!) أو حساسية أو نفوراً معرفياً (راجع مسلسل «الخربة» السوري) لدى شرائح مجتمع العمّال والمستغَلّين (لن يزعل لينين إن طبّقت أفكاره دون ذكر اسمه، إذا كان الاسم سيعرقل التطبيق). كذلك، إن مسؤولية أصحاب العقول الكبيرة، إن كانت نياتهم صادقة، فهْم خصوصية المجتمعات والمتغيّرات الاجتماعية المشتركة بين البشر (لبنان، مثلاً، ليس روسيا واليوم ليس كالأمس).
من جهة ثانية، الرأي غير السلبي، ومع ذلك المضاد للشيوعية، الذي يتربّع على عرش الآراء المضحكة والتافهة هو: الشيوعية جميلة جداً، لكن لا يمكن تطبيقها. نقول لك: يا أخي، تعليم مجاني وتثقيف مجاني وطبابة مجانية... لا أكثر. تقول: الشيوعية جميلة لكن،... نقول: يا أخي، الطبابة لا تحتاج شيوعية لكي تكون بديهياً مؤمّنة للجميع. الإنسان ممنوع عليه أن يحمل همّ طبابته وطبابة عائلته (راجع وثائقي Sicko، لمايكل مور، على علّاته) وغالباً قبل حصول المرض أو الحادث! يا أخي، اترك لي ثيابي الرثة، وحقِّق مساواةً في التعليم من الحضانة حتى الدكتوراه. قِس هنا كم هدر الإنسان من طاقته (الهموم تشلّ العقل) وكم طيباً خسرنا (بسبب عدم القدرة على توفير حبة دواء أحياناً) لمجرّد عدم توافر طبابة وكم عبقرياً أُعدم وخسرته البشرية بسبب عدم توافر التعليم المتساوي في القيمة الأكاديمية للجميع. إن قلنا لك، في كوكب يقطنه 7 مليارات إنسان وثرواته تطعم 100 مليار (بحسب دراسة علمية موضوعية) وعليه ملايين المساكن الشاغرة، إن توفير الحاجات الأولية ثم الثانوية (الطعام ثم المسكن والملبس، بحسب التقسيم الاقتصادي العلمي المجرَّد) هو من بديهيات العيش، تقول: العدالة الاجتماعية جميلة، لكن غير ممكنة، ثم تصلّي في الليل لكي يطعم الله الجياع. وذروة السذاجة هي هذه الأسئلة: لي بيت ورثته عن جدّي، فكيف أقبل بإلغاء الملكية الخاصة؟ كيف يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية؟ كيف يمكن أن تكفل أن يكون في جيب كل المواطنين كميات متساوية من المال؟ نقول: إن من انتخب (من قبل العالم الرأسمالي الغربي بشكل أساسي) بأنه مفكّر الألفية الثانية (متفوّقاً على نيوتن وآينشتاين وداروين)، أي كارل ماركس، ليس أبله. وعندما وضع إلغاء الملكية الخاصة في أولوية الخطوات باتجاه تحقيق العدالة، إنما قصد أمرين: الأول، الملكية الخاصة المطلوب إلغاؤها هي تلك التي ينتج منها استعبادٌ للآخر، أي الملكية البرجوازية (بيان الحزب الشيوعي — 1848)، والثاني (وتلك مسألة أخلاقية نقَضَ فيها، مع شريكه فريدريش إنغلز، كل الفلسفة الأوروبية السابقة) هو أن الملكية الخاصة تفسد الأخلاق، وهذا، وإن احتمل بعض الاستثناءات، واضح كالشمس. راقبه بتجرّد، وسترى أنه صحيح. أخيراً، تقول: الشيوعية نظرية إلحادية، وهذا حرام. نقول لك: يا أخي، أولاً، إن كنت راضياً عن أداء الأديان منذ القرون الوسطى ولغاية اليوم، فهنيئاً لك ولرجال الدين جهنّم (بحسب الدين)، إن وجِدَت. ثانياً، كم تحذيراً جذرياً من المال والثراء تريد أن نقرأ لك من الإنجيل لكي تقتنع بأن الشيوعية أقرب إلى المسيحية من سيدة ينزلها السائق من سيارة فاخرة أمام باب الكنيسة يوم الأحد؟ هل تعتقد أن المفكّر الإيرلندي جورج برنارد شو، كان يمزح حين قال: «أنا مسيحي، وهذا يفرض عليَّ أن أكون شيوعياً»؟
أخيراً، رفض لينين أن يضع مدفأة في بيته قبل أن «تتوافر المدافئ في كل بيت روسي»، وزار مرّة أرملة تعمل «غسّالة» في بيوت الأغنياء من الفجر حتى المساء، سبعة أيام في الأسبوع، وسأل أحد صغارها عن قصده من مربّعٍ أزرق رسمه على ورقة، فأجابه: «هذه الشمس». هكذا، أخذ لينين الأطفال إلى حديقة عامة وراح يلاعبهم في أشعة «المربّع الأزرق». على سيرة البرد والشمس، «يُصيّف» البطريرك الماروني في الديمان (حيث «يشتّي» فقراء) و«يُشتّي» في بكركي (حيث يصيّف فقراء)... اسأل آل الخازن عن لينين وعن بكركي، وفي الطريق إلى أملاكهم الخاصة في بلّونه اسمع «أنا مش كافر» لزياد الرحباني. لحنُها جميل جداً. سيعجبك!

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]