بين ضريح لينين وتمثال ماركس: الرأسمالية تنتصر!



تشير الأرقام شبه الرسمية إلى أن نحو 313000 روسي هاجروا من البلاد عام 2016 (وسام متى)

أمور كثيرة تغيّرت في روسيا بعد قرن على الثورة: تبدلت الأولويات، واهتمامات الشباب وجيل ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تغيرت أيضاً... الثابت الوحيد هو الابتعاد عن الثورة وأهدافها والاقتراب حدّ التماهي مع الرأسمالية!

عبد الرحيم عاصي

موسكو | تزدحم الساحة الحمراء في العاصمة موسكو بالزوار، فيما يجثم ضريح لينين وحيداً. ليس بعيداً عنه، يضج أحد أشهر مولات موسكو، «غوم»، بالمتسوقين. هذه المشهدية تلخص روسيا الحالية. حال ضريح لينين كحال تمثال ماركس القريب: المعلمان لم يعودا ضمن اهتمامات الناس. عيون المارة بالقرب منهما مهتمة بتفاصيل أخرى، كـ«الانبهار» بآخر ما توصلت إليه شركتا السيارات «بنتلي» و«فيراري»، فيما طوابير من الزبائن تصطف أمام «ماكدونالدز» بالقرب من تمثال ماركس. هنا، تتقدم الرأسمالية على كل الإرث الاشتراكي، وهذه ليست دعاية أو تخيّلاً، بل حقيقة واضحة؛ ثمة جيل مأخوذ بمظاهر الرأسمالية حدّ التماهي.
تحوّل المعلمان التاريخيان في وجدان الشعب الروسي، واشتراكيي العالم، إلى مجرد مكانين لالتقاط الصور. مع مضيِّ نحو عقد من الزمن على الثورة البولشفية، يكاد إرثها يتجسد في الكثير من الشواهد التاريخية العمرانية ــ رغم كل شيء هي أجمل ما يوجد عمرانياً في موسكو تحديداً التي غزاها العمران الحديث ــ وحنين من بقي من الجيل الأول بعد الثورة (1917ــ1957).

قبل أشهر، أجرى راديو «موسكو» مسحاً للآراء تضمن سؤالاً يقول: «ماذا لو عاد بكم الزمن إلى الوراء، هل كنتم ستؤيدون الثورة؟». جاء جواب 47% بنعم و53% بكلّا. كذلك سجل استطلاع آخر أجراه مركز «ليفادا»، وهو أكبر مركز استطلاع في البلاد، أن 48% ينظرون بإيجابية إلى الثورة البولشفية، فيما عبّر 31% عن رأي سلبي، مع امتناع 21% عن التعبير.

الأرقام المسجلة تطرح أسئلة مشروعة عن علاقة الجيل الشاب الحالي، جيل الثمانينيات والتسعينيات والعشرية الأولى من القرن الحالي، بالثورة: ماذا يعرفون عنها، وماذا بقي من إرثها في وجدانهم، وماذا تعني لهم؟
«الثورة لا تعني لي... ولا أحب أن أغرق في التاريخ»، تردّ يوليا بوليكوفا، وهي طالبة ماجستير في الإعلام، فبالنسبة إليها «الأهم اليوم هو الحياة بتفاصيلها ومتطلباتها. الواقعية تتطلب تعاملاً مختلفاً ونظرة حديثة». نستطرد معها بالسؤال عن النظرة الحديثة، فتقول: «البحث عن السعادة وحياة الرفاهية... بالمختصر عن المال».
جواب يوليا تقاطع مع دانييال باشكاتوف، طالب العلوم السياسية، إذ لا يهتم بالثورة إلا من باب دراستها كحادثة تاريخية غيّرت في روسيا ونقلتها من نظام إلى آخر. باشكاتوف، المتباهي برفع العلم الأميركي في غرفته، فضّل النظام السياسي والاقتصادي الحالي في البلاد عنه في زمن ما بعد الثورة والنظام الشيوعي. وعبّر عن رفضه لما أنتجته الثورة، قائلاً: «البلشفية أورثت الروس الفقر». لكن ماذا عن اليوم، ألا يوجد فقر في روسيا؟ يقول: «هذا قدر لا يمكن التحكم به».
موقف الطالبين الرافضين للثورة، قابله موقف يحنّ إليها وإلى إنجازاتها. بالنسبة إلى أليكسي كولسنيكوف «الثورة نقلت البلاد من نظام مترهل وظالم إلى نظام عدالة اجتماعية ومفهوم مختلف للسلطة». ويعطي طالب الاقتصاد رعاية الدولة لمواطنيها كمثال لأبرز إنجازات الثورة، مضيفاً: «في الحقبة الشيوعية، كانت الكهرباء والماء والسكن من مسؤولية الدولة. اليوم أصبحت هذه المتطلبات تؤرق الروس، وصار الحصول على مسكن حلماً صعباً».
أما أناستازيا ميشنيكوفا، فرأت أن الثورة كان لها دور كبير في تاريخ روسيا، لكنها إلى اليوم مثار نزاع بين المؤيدين والرافضين.


(وسام متى)

تقول متخرجة قسم «التاريخ» إن «بعضهم يرون أن الثورة بظواهرها الدموية كانت خطأً كلّف الشعب الروسي الكثير، فيما يقول آخرون إنها كانت ضرورة لكي تقوم البلاد».
ورأت ميشنيكوفا أن الثورة كانت ضرورة، لكنها حمّلت كل من حمل رايتها وزر ما حدث لاحقاً ومسؤولية ابتعاد الجيل الحالي عنها كمفهوم وكقضية، وفي مقدمة كل هؤلاء حمّلت الحزب الشيوعي مسؤولية ابتعاد الناس عن أفكار الثورة وأهدافها. تضيف بسخرية: «حزب يطمح إلى التغيير وسكرتيره العام لا يزال على رأس قيادة الحزب منذ 24 عاماً وهو متصالح مع النظام الحالي، كيف يمكنه أن يقنع الناس بعظمة الثورة؟».
هذه الآراء الطلابية طبيعية بالنسبة إلى أستاذة الإعلام السياسي في «جامعة موسكو الحكومية لعلوم التربية»، يانينا سولداتكينا، التي ترى أن الجيل الشاب بعيد كلياً عن الثورة، وتضيف أن 80% من طلابها مثلاً لا يعرفون تفاصيل الثورة كلياً، ولا حتى أبرز أحداثها، مع أنهم يدرسون ذلك في المرحلة الثانوية ضمن منهاج التاريخ. تضيف: «الجيل الحالي مأخوذ بالحلم الأميركي، هناك تأثر كبير لدى شباب اليوم بالأفكار الأميركية التي تتسلل إليهم عبر البروباغندا».
بالحديث عن البروباغندا، تنشط بعض الشركات في الترويج لـ«الحلم الأميركي»، وخصوصاً عند الكفاءات العلمية. والدعاية هنا محصورة بالترويج لتعليم اللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة إضافة إلى الإعلانات الترويجية عن جامعات بأسعار تناسب حالة الروس الاقتصادية. وأخيراً بدأت بعض الشركات بالدخول إلى السوق وتقديم وظائف في مجال التسويق تحديداً، ولا ينظر طبعاً إلى ذلك أنه منّة من الولايات المتحدة.


(أ ف ب)

وتشير الأرقام شبه الرسمية إلى أن نحو 313000 روسي هاجروا من البلاد عام 2016، غالبيتهم ذهبوا إلى أميركا وأوروبا بهدف الاستقرار وبناء مستقبل جديد هناك.
مع انهيار الاتحاد السوفياتي، ضجّ العالم بالصورة المأخذوة لطوابير الروس المنتظرين أمام «ماكدونالدز» لتذوق «الهمبرغر». لا يزال المشهد نفسه بعد ربع قرن حاضراً مع اختلاف بسيط. اليوم دخلت التكنولوجيا لتنظم صفوف المنتظرين، فصار الروسي مجرد رقم لـ«ماكدونالدز» ومثيلاته. غرق الروس أكثر في حب المظاهر والتباهي بـ«الآيفون»... كأنّ الواقع يقول إن الرأسمالية انتصرت!

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]