سقوط السماء



حدث التفوق الاقتصادي السوفياتي بالرغم من سيطرة الغرب على ثلاثة أرباع الكوكب (أ ف ب)
حسن الخلف

في شتوية شامية، وقبل الخلود إلى النوم، سألت والدي وكنت في السابعة من عمري على ما أظن وأذكر، عما سيحصل إذا سقط الاتحاد السوفياتي واستفردت بنا أميركا. أجابني والدي وقتها بأنه لن يسقط، فكررت عليه وألححت، فصفن قليلاً ثم قال لي: سنجوع! حقيقةً استغربت جوابه وظلّ الجواب ليس بذي معنى واضح حتى كبرت ومضت السنون التي لم أكن فيها ملماً بكل تفاصيل المنجزات العظيمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للعالم.

المؤلم في نبوءة والدي هو أن وطننا العراق تحديداً من دون كل بلاد المنطقة هو الذي جاع وأفقر وذُبح أهله كنتيجة شبه مباشرة لانهيار الاتحاد السوفياتي حليف العراق المفترض في حينها. ذلك بغضّ النظر عن حماقة صدام حسين وسياساته الكارثية التي جرّتنا والعراق إلى الجحيم...
لم يكن والدي ولا أي من التقدميين العرب وحيداً في تصوراته حول الاتحاد السوفياتي، فالشعب السوفياتي نفسه لطالما كان متمسكاً بنظامه. لم تحدث في هذا البلد الكبير أي ثورة لإسقاط نظامه الشيوعي، ولكن كما سبق وشرح مرةً الصديق عامر محسن وآخرون، بأن عملية التفكيك التي قادها غورباتشوف، كانت انقلاباً أبيض للنخبة السوفياتية على شعبها والنظام.

صوت السوفيات السابقين

تشير نتائج الاستفتاء الذي أجري يوم 17 آذار 1991 إلى أن ثلاثة أرباع الشعب السوفياتي كانت مع الإبقاء على النظام الاشتراكي قائماً. إلا أن النخبة الغورباتشوفية خانتهم مرة أخرى في ذلك ومضت في تفكيك البلاد بعد تسعة أشهر من تاريخ ذلك الاستفتاء. وبحلول 22 ديسمبر/كانون الأول 1991 كان الاتحاد السوفياتي قد ورثه التاريخ.
في تصريح سابق أعلن الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين بأن من لم يأسف على موت الاتحاد السوفياتي لا يملك قلباً. لا شكّ بأن ذلك الأمر يتطلب منا التعمق فيه لنحاول فهم تفاصيل التاريخ السوفياتي، ولندرك الدافع وراء شدة تمسك أغلب الروس به.
يقترن هنا هذا الحنين لذلك العصر الأحمر لدى الكثير من الروس بتقدير وإجلال عظيم للزعيم السوفياتي جوزيف ستالين. لم يسقط اسم ستالين عن أي من المراكز الخمسة الأولى في نتائج الاستفتاءات التي تقام دورياً في روسيا، والتي تتمحور حول معرفة من هو الرمز الأكثر شعبية في التاريخ الروسي.


ذلك على الرغم من كل حملات التشهير والمبالغة والأكاذيب التي أطلقتها الثقافة الليبرالية الجديدة في روسيا كما والبروباغندا الغربية.
ففي أحد هذه الاستفتاءات التي قامت بها إحدى القنوات الروسية عام 2009 حول أعظم شخصيات روسيا التاريخية، وبعد عملية استمرّت لثلاثة أشهر شملت قرابة خمسين مليون روسي، تربّع على عرش المرتبة الأولى في المحصّلة الأمير النوفوغرادي ألكسندر نييفسكي الذي ينتمي للقرن الثالث عشر. ألسكندر هذا اكتسب شعبيّته من تصدّيه الناجح لإحدى الحملات الغربية التي شنّها فرسان النظام الليفوني على روسيا (Gowen: Dec 2013).
فيما ذهب المركز الثاني لبيوتور ستوليبين (Pyotr Stolypin) (1911م) رئيس الوزراء القيصري الذي أشرف على سلسلة من عمليات الإصلاح الزراعي في الفترة التي امتدت بين 1901 و1903 خلال عهد آخر قياصرة آل رومانوف الروس نيقولاي الثاني (1896- 1918م). قدّمت هذه الإصلاحات التي عرفت باسمه العون إلى ملايين الفلاحين والأقنان المستبعدين من قبل الأرستقراطية القيصرية التي وقفت ضدّها بواقع الحال، بعدما ظهرت كاستكمال لأولى إصلاحات القيصر ألكنسدر الثاني الذي منح الحرية للفلاحين الأقنان عام 1861.
ذهب المركز الثالث بشكل صادم للكثيرين في الاستفتاء نفسه لجوزيف ستالين، بفارق ضئيل جداً عن ستوليبين. المثير هنا أن ستالين سبق وحقّق المركز الرابع في استفتاء مشابه جرى عام 2004 خلف القيصر بطرس الأكبر (1682 -1725م) ، فلاديمير لينين (1924م)، والشاعر الروسي العظيم ألكسندر بوشكين.
وبعدها بثلاث سنوات وفي إستفتاء آخر أجري عام 2012 نال ستالين المركز الأول بنسبة 42%، ومرة أخرى هذا العام،أي 2017 متفوقاً على جميع زعماء ومشاهير روسيا بما فيهم بوتين محرزاً قرابة 38%" (Newsweek, 26 June 2017).
نحا العديد من رجال الإعلام والثقافة الغربيين منحى متعالياً في انتقاد نتائج ذلك الاستفتاء مملين على الروس الكيفية التي يجب أن يقرؤوا تاريخهم فيها، ومن يجب أن يحبوا ويكرهوا. فكانت هذا المحاضرات مثيرة للقرف في كثير من الأحيان، مليئة بالعنصرية تجاه الشعب الروسي مغسول الدماغ «الذي يهوى المستبدّين والطغاة الأقوياء». في خضمّ هذه الأحكام يمكننا ملاحظة أن مسألتين أساسيتين كونتا الأرضية التي استند إليها الروس في خياراتهم.
المسألة الأولى كانت بلا شكّ أمنهم القومي نفسه، فيما يبدو كهوس للروس كالكثير من شعوبنا ــ ولهم كل الحق ــ بهذه المسألة التي ترتبط بالحدود والعدوان أو الغزو الخارجي القادم، والذي كان في الغالب الأعم من الحالات غربي المصدر. المسألة الثانية كانت العدالة الاجتماعية التي تتمحور حول إنصاف الفلاحين والعمال الذين حاول من فاز أو نجح في إنصافهم بنسبٍ مختلفة. فيما تظهر زاوية أخرى تعبّر عن شغف التعبير عن المشاعر الإنسانية بعمق وجمال، دفعت بأدباء وشعراء كتولستوي وبوشكين وليرمنتوف لتحقيق اختراقات في هذه التصنيفات باتجاه المراكز العليا كرموز تاريخية روسية في كثير من الأحيان.
منذ الانطلاقة الفعلية للنموذج الاقتصادي السوفياتي عام 1928 وحتى نهايته الفعلية عام 1989، لم يخفق هذا الاقتصاد في تحقيق النمو والحفاظ على مستواه أو في توفير فرص العمل، إلا باستثناء فترة سنوات الحرب الوطنية العظمى (1941- 1945). النمو الاقتصادي السوفياتي كان دائماً أسرع منه في العالم الرأسمالي الذي مر على الأقل بأزمتين كبيرتين في العشرينيات والسبعينيات.
التفوق الاقتصادي السوفياتي إن جاز لنا القول حدث بالرغم من سيطرة الغرب على ثلاثة أرباع الكوكب، واستعباده لملايين البشر خدمةً له، فضلاً عن نهبه لقارات بأكملها، وفتحه آلاف المشاغل بأجور منخفضة جداً في العالم الثالث من دون حتّى أن يتحمل التكاليف الاجتماعية المتأتية من هذه العمالة. فضلاً عن تورطه بعشرات الحروب والانقلابات. لا بل كان الثمن المتزامن والمتكررّ الذي على سكان المستعمرات دفعه يتمظهر بملايين الأنفس. ففي مثالٍ واضح خسرت الهند لوحدها أكثر من خمسة ملايين إنسان بسبب المجاعة الفظيعة التي تسببت بها بريطانيا العظمى عام 1899/1900م. ويقدر الباحث الأميركي المعروف مايك ديفز عدد الوفيات ما بين عام 1876 و1902 بما بين 12.2 و29.3 مليون معتمداً على أرقام لانسيت Lancet وغيرها.


لكلّ ذلك اختار 58% من الروس اليوم وكما ظهر عبر استفتاء آخر، التخطيط والتوزيع المركزي كنموذج اقتصادي، مقابل 28% فقط لنظام السوق الحرةّ (Gowen: Dec 2013).
وفضّل 72% منهم كبح المبادرة الاقتصادية الفردية لصالح الاقتصاد المخطط فيما تشير دراسة أُخرى نشرها مركز غالوب Gallup إلى أن قرابة 51% من مواطني 11 جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق يحنون له ويعتقدون أن الحياة كانت أفضل في ظلّه، بما فيهم أوكرانيا (Gallup report, Dec 19 2013).
في استفتاء آخر أجري عام 2003 في روسيا حول «ما سيفعل المواطنون الروس إذا استولى الشيوعيون على السلطة». فقال واحد من أربعة من المشاركين أنه سيدعم هذا الخيار، بينما عبر خمس المشاركين (أي 20%) في الاستفتاء عن استعدادهم للتعاون مع السلطة الجديدة، فيما أعلن 27% استعدادهم للقبول بها، من جهة أخرى 16% سيهاجرون إلى الخارج، وفقط 10% سيقاومون. أي أنه بالمحصّلة 1 من 4 فقط سيعارضون وصول الشيوعيين للسلطة، فيما سيقبل ويؤيد ويتعاون الثلاثة الباقون (Gowen: Dec 2013).

المسلمون وحكم الملاحدة

في مقابلة مع شابة قرغيستانية قامت بها صحيفة «الديلي ميل» اليمينية الشعبوية، شرحت كلزات أكماتيماكوفا ذات الـ35 ربيعاً لقرّاء الجريدة أن الشيوعية منحتهم الأمان والتقدم. تقول كلزات كان العمال يحصلون على عمل وبيوت مجانية وتقاعد مضمون ورعاية صحية ممتازة. تضيف أن المواطن السوفياتي كان إذا ما عمل بشكل جدي ومثابر، يُكافئ بالمحصّلة بامتيازات اضافية كبيت ريفي لقضاء العطل أو ما يسمى بالروسية «داتشا» (Daily Mail 30 June 2017).
وتشير كلزات بحسرة إلى كيف أن الشباب اليوم ممن لم يلحقوا أن يعيشوا هذا الزمن الدافئ، يمرّون على بقايا منشئات لمنتجعات سوفياتية ضخمة لحمامات وملاعب رياضية واستراحات بمناطق ريفية. كل ذلك كان متوفراً بأسعار رمزية بمتناول يد كلّ المواطنين، كما كان من حق الجميع التمتع به والتردد عليه. علينا أن ندرك أيضاً أن الاتحاد السوفياتي كان قد قرر ومنذ الستينيات إعطاء مواطنيه الحق بأخذ إجازات مدفوعة الأجر لقرابة شهر في مثل هذه المنتجعات السياحية المدعومة حكومياً (Gowen: Dec 2012).
لاحظوا هنا أن كلزات تتحدث عن البقايا العظيمة للاتحاد السوفياتي، كمن يتحدث عن بقايا أوابد رومانية أو مصرية فخمة لتاريخ غابر وعضر ذهبي مضى. عند سؤالها عن أي تقدم إيجابي جرى في حياتها بعد انهيار الشيوعية ببلدها، تجيب كلزات بسخرية مشيرةً إلى تنوع جديد طرأ على مستوى الطعام، فاليوم يمكن لها تذوق صلصات آسيوية جديدة!
خسرت قرغيزستان إثر انهيار الاتحاد الكثير من خيرة أبنائها من ذوي التعليم العالي والمهارات الفنية، كنتجية لغلق المصانع وهجرة الكثير من الشباب والكفاءات وبخاصة من أبناء الأقلية الروسية. فعوّض الغرب وحلفاؤه الجمهورية المسلمة تلك، بـ«نعمة» الإسلام الوهابي الذي ظل ممنوعاً في هذه البلاد طوال الحقبة السوفياتية، الأمر الذي ينذر بمستقبل ملؤه الدم وسمته خراب.
الفرق بين الجمهوريات المسلمة التي حُكمت من قبل البلاشفة، وبين تلك النظم الإسلامية بما فيها بلادنا التي وقعت تحت النفوذ الأميركي، شاسع. لنأخذ مثلاً أقطار الجزيرة العربية ومصر وباكستان ونيجيريا، حتى دول كالعراق وسوريا والكثير غيرها، ممن عانوا بشكل مدمر من وباء الوهابية ومشتقاتها. ظلّ الكثير من أبناء هذه البلاد فقراء عموماً، تتبدى في مجتمعاتهم نسبة صادمة من الجهل والتخلف الحضاري.
فأنت إن زرت قرية باكستانية أو نيجيرية تخضع لهذه النظم الفاسدة التابعة للغرب لشاهدت على الأرجح شعباً بائساً يعاني من البطالة، محروماً من خدمات التعليم والرعاية الصحية، تهدده الحروب الأهلية من كل جانب، وتتجذر فيه قيم اجتماعية ذكورية مقيتة. في مثل هذه القرى والبلدات تتفشى الأمية وتنعدم المكتبات والمسارح والفعاليات الفنية، فيما تقبع تحت هيمنة واضحة لا لبس فيها لأتعس نماذج التدين الشعبي والمجلوب من الخارج.
في المقلب الآخر حوّل الاتحاد السوفياتي القرى الآسيوية المتخلفة في الجمهوريات السوفياتية المسلمة منذ الثلاثينيات لمواقع حديثة، تحوي تعليماً وطبابة مجانية، تنتشر فيها ايديولوجية تقدمية تزرع في الفرد أخوية البشر وتساويه بالآخر، وتبعده عن أشكال كره الآخر للونه، دينه، مذهبه أو قوميته. المسلمون السوفيات إن جاز لنا التعبير هنا نالوا خير فرص التعليم والتقدم، بعد أن بذرت وبنت موسكو في جمهورياتهم مشاريع صناعية وفضائية ونووية ومراكز علمية، ومكّنت أبناء الرعاة والفلاحين الأميين من أن يصبحوا علماء فيزياء وأطباء وأساتذة جامعات.
لفهم ذلك بشكل أفضل بالأرقام يلاحظ أن الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي كانت زراعية الطابع بشكل مطلق عام 1928، فيما حققت بحلول 1989 الكثير من الخطوات المتقدمة في طريقها نحو التصنيع. ولكن ما حسن بشكل حاسم المستوى المعيشي للناس هو نجاعة سياسة الاقتصاد المخطط وإلغاء الملكية الفردية. فارتفع معدل المدخول في تلك الجمهوريات لقرابة 5257 $ بالقيمة الشرائية في سنة 1989، أي 32% أكثر من جارتهم تركيا المستقلة التي تتبع النموذج الرأسمالي و44% أكثر من إيران التي تتبع أيضاً اقتصاد السوق، و241% أكثر من باكستان التي تتبع ذات النموذج الاقتصادي الغربي، ومع فارق في عدالة التوزيع الاجتماعي بالطبع.

ما العمل؟

بالعودة إلى جيل والدي الذي لم يكن الكثير من أبنائه مؤمناً عملياً بالدين ولا معوّلاً جدياً على نجاعة وفاعلية الحركات الإسلامية، يمكننا أن نقول بصوت عال إن هزيمة الغرب ودحر هيمنته على مقدّرات ومصير شعوبنا تأتي في المقام الأول هنا، الأمر الذي نلتقي في خندقه مع إخواننا الإسلاميين المقاومين. فيما نأمل أن يجمعنا يوم مقبل في معركة اقتلاع الفساد وبناء مجتمع عادل لا يذل فيه فقير ولا يجوع فيه صغير.
*باحث عراقي

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]