ثورة روسيا... بين فلاديميرَين



(أ ف ب)

«لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ». ما قاله السيد المسيح قبل ألفي عام، يكاد ينطبق اليوم على أبي الثورة البلشفية فلاديمير ايليتش أوليانوف، في روسيا المنقسمة على تاريخها الثوري، وذاكرتها الحمراء

وسام متى

موسكو | «ثورة أكتوبر» يتيمة في مئويتها. الأيام العشرة التي «هزت العالم» قبل قرن، تفتقد اليوم، من يحتفي بها في روسيا، فإحياء ذكراها، يبقى مقتصراً على فعاليات حزبية، يقيمها ورثتها الشيوعيون، بين سانت بطرسبورغ وموسكو، إلى جانب فعاليات ثقافية تستحضر التاريخ، في إطار نخبوي، وعرض تمثيلي غير رسمي على مقربة من قصر الشتاء، الذي شهد الليل الأخير، الذي حسم، عملياً، أمر السيطرة للبلاشفة.

حتى الشارع الموسكوفي بدا منسلخاً عن تلك الثورة، باستثناء حفل نظمه الحزب الشيوعي الروسي، في استاد لوجنيكي ومسيرة تقليدية مرتقبة، لمناصريه وضيوفهم «الأمميين» انطلاقاً من ساحة الثورة، المقابلة لمسرح البولشوي، حيث ينتصب تمثال كارل ماركس، وحيداً، يراقب التحولات التي عصفت بروسيا على مدى قرن.
في شارع «ستاري أربات»، العابق دوماً بالحياة، لا شيء يذكّر بالثورة، التي غابت ذكراها، حتى لدى أولئك الفنانين الهواة، المولعين بعزف الأغاني الغربية وأدائها، تماشياً مع النمط الاستهلاكي الذي غزا روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أو الفنانين التشكيليين المنكبين على رسم بورتريهات أو لوحات كاريكاتورية للسياح أو الزوار المحليين.
حشد احتفالي وحيد، يخترق «ستاري أربات» ذهاباً وإياباً، ويصدح بالأهازيج، وقرع الطبول، على طول الشارع، المترامي الأطراف بين محطة المترو التي تحمل اسمه، ومقرّ وزارة الخارجية، ما يدفع الزائر إلى الظن أنَّ «الرفاق» قد خرجوا من مخابئهم، قبل أن يكتشف أن الأمر ليس سوى مبادرة من شبان وشابات روس لتقديم فروض التكريم لـ«كريشنا»... إله الهندوس!
في الواقع، ليس غريباً ألّا يبدي الشارع الروسي حماسة لإحياء «ذكرى أكتوبر»، ما دامت الثورة تفتقد التبني الرسمي من قبل الدولة الروسية، الساعية دوماً إلى الوقوف على الحياد، في ذلك الصراع الأيديولوجي الحاد، بين ورثة فلاديمير لينين، الراقد على سريره داخل ضريحه في الساحة الحمراء، وورثة القيصر نيكولاي الثاني الذي ارتقى إلى مرتبة القداسة، بقرار من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
لكن الموقف الرسمي ليس محايداً تماماً، فورثة «ثورة أكتوبر» يرونه منحازاً إلى مصلحة ورثة الحقبة القيصرية، والعكس صحيح، وهو ما يؤكده الخطاب العام، المتأرجح بين المعسكرين، والذي يجهد، بما يقارب العبث، إلى التوفيق بينهما، تحت شعار «المصالحة الوطنية» التي تبدو أشبه بمحاولة خلط الماء بالزيت.
انطلاقاً من ذلك، على سبيل المثال، عمد الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى جعل السابع من تشرين الثاني (تاريخ انتصار «ثورة أكتوبر» في التقويم الروسي القديم) إلى عيد رسمي لـ«المصالحة الوطنية»، لكن تلك الخطوة استقبلت بفتور، من قبل الجمهور الروسي.

بعد سنوات، قرّر الرئيس فلاديمير بوتين، تقديم العيد الرسمي ثلاثة أيام، بتسمية جديدة، هي «يوم الوحدة الوطنية»، وهي مناسبة تعود إلى الحقبة القيصرية، فيما تقرر، بنحو غير رسمي، اعتماد السابع من تشرين الثاني يوماً لإحياء «العرض العسكري الأسطوري» الذي قرّر الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين تنظيمه، بالتزامن مع ذكرى ثورة أكتوبر عام 1941، في وسط موسكو، لرفع الروح المعنوية في الحرب ضد النازية.
يضاف إلى ما سبق تناقض غريب، يعكس شيزوفرينيا رسمية، تنعكس بدورها شيزوفرينيا اجتماعية، إزاء الحقبتين القيصرية والبلشفية، ويجسّده بشكل خاص، الإصرار الدائم على تمجيد «يوم النصر على الفاشية» في التاسع من أيار، بالرغم من أن المناسبة سوفياتية في الأساس، أي أنها تعود إلى مرحلة أسست لها «ثورة أكتوبر» نفسها.
لا يختلف اثنان في أن تلك الشيزوفرينيا الوطنية يفرضها الانقسام العمودي في المجتمع الروسي حول «ثورة أكتوبر»، بما تمثله من انتصار للمعسكر التقدمي (الماركسي - اللينيني) من جهة، وهزيمة للمعسكر المحافظ (اليميني - «الأرثوذكسي») من جهة ثانية، ما يجعل رئيساً قوياً لروسيا، مثل فلاديمير بوتين، يحاول البحث عن مخارج وتسويات، تجنّبه شرور أقطاب شبكات المصالح المتصلة بنظامه، والكنيسة الأرثوذكسية المتزايدة شراستها يوماً بعد يوم (وهو ما عكسه الجدل الصاخب بشأن فيلم «ماتيلدا» على سبيل المثال)، ولا تثير غضب الطرف الآخر، المتمسك بالإرث السوفياتي الذي يشكل الأساس الذي يرتكز عليه النظام السياسي نفسه، لاستعادة أمجاد دولية هشمتها حقبة التسعينيات.
هذا المخرج، يدفع فلاديمير بوتين إلى النأي بالنفس إزاء المحطات الخلافية في تاريخ روسيا، ومن بينها «ثورة أكتوبر»، واستحضار تلك التي تحظى بإجماع عام، سواء تعلق الأمر بالقيصر بطرس الأكبر ــ الذي يسعى بوتين إلى التمثل به ــ أو بعض من الحقبة الستالينية، التي شهدت ملحمة «الحرب الوطنية العظمى»، التي فتحت لتقارب بين ستالين والكنيسة الأرثوذكسية، تجسد يوم قرعت أجراس كنائس روسيا، لدعوة الناس إلى الانخراط في تلك «الحرب المقدسة».
لكن السير داخل حقل الألغام هذا، ما زالت خطواته حذرة، لا بل مرتبكة، وتعكسها مواقف بوتين نفسه من الحقبة السوفياتية، ولا سيما الستالينية. وعلى هذا الأساس، ثمة من يرى تناقضاً هائلاً، بين رفض بوتين «كل شيطنة مفرطة لشخصية ستالين»، حسبما قال للمخرج الأميركي أوليفر ستون، وافتتاحه في مئوية «ثورة أكتوبر»، ما سُمِّي «جدار الحزن»، تخليداً لـ«ضحايا التعذيب السياسي»، وهو ما دفع البعض إلى التندر قائلاً إن بعض هؤلاء ربما كانوا قد وقعوا تحت تعذيب بوتين نفسه، في إشارة إلى خدمته السابقة في جهاز الاستخبارات السوفياتي «كي جي بي»!
ومع ذلك، ثمة من يسعى إلى أن يؤمن الغطاء الأيديولوجي لهذا التموضع البوتيني، المثير للجدل، من خلال القول إن المشروع الاستراتيجي للرئيس الروسي ينطلق من فهم خاص للتاريخ، يجعل من «ثورة أكتوبر» حقبة انتقالية، غير قاطعة، بين الحقبة القيصرية والحقبة المعاصرة، التي افتتحت بوصوله إلى الحكم في مطلع القرن العشرين، وعنوانها العريض «المشروع الأوراسي» الذي نظّر له مفكرون أمثال بيوتر سافيتسكي وألكسندر دوغين، ويلقى أثراً طيباً في صفوف الشيوعيين، بالنظر إلى كونه مخرجاً من الهيمنة الأحادية التي سادت في عصر العولمة، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي، ما قد يجعله، بحسب البعض، فرصة تاريخية لمصالحة أيديولوجية بين البيض والحمر في القرن الحادي والعشرين.
انطلاقاً مما سبق، يجعل البعض يفسر مواقف بوتين بشأن «ثورة أكتوبر»، التي تكاد بمعظمها تتمحور حول فكرة واحدة، هي أن «التاريخ وحده كفيل بالحكم عليها»، انطلاقاً من هدف تحقيق تلك المصالحة التاريخية، الممهدة للتوحد حول مشروع سياسي جامع.
لكن ثمة من يرى الأمور من زاوية مختلفة، وهي أن بوتين مسكون، بحكم خلفيته الاستخباراتية وطموحاته السياسية، بكراهية فكرة «الثورة»، بمعناها الشامل، وليس «ثورة أكتوبر» حصراً، وهو ما يتبدى عموماً بنظرته السلبية إزاء المراحل الانتقالية، الفاصلة بين حقبات تاريخية، كحقبة الحرب الأهلية في روسيا بين البيض والحمر في عشرينيات القرن الماضي، أو الحقبة اليلتسينية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، والتي غالباً ما يشبهها بالمرحلة الدامية التي شهدت انتقال الحكم في روسيا من أسرة روريك إلى أسرة رومانوف قبل خمسة قرون.
هواجس الثورة حاضرة اليوم، في ذهن الرئيس الروسي أكثر من أي وقت مضى، ولا شيء يمكن أن يخفف من وطأتها، بما في ذلك استطلاعات الرأي التي تعكس شعبية قياسية لبوتين، لا تكاد تنخفض تحت مستوى السبعين في المئة، حتى ترتفع إلى ما فوق الثمانين في المئة، على إيقاع التحركات السياسية والعسكرية التي تشد العصب الوطني الروسي، من حرب الشيشان الثانية، إلى استعادة شبه جزيرة القرم، والحملة العسكرية في سوريا.
وتكمن المفارقة، في هذا السياق، في أن تلك الشعبية تعاكس الأزمة الاقتصادية والاجتماعية القاسية، التي تواجهها البلاد، وتزايد مؤشرات الفقر في المناطق النائية، التي لا تتشارك موسكو أو سانت بطرسبورغ مظاهر البذخ، التي باتت سمة في هاتين المدينتين في عصر العولمة الرأسمالية.
أضف إلى ما سبق، أن الألفية الثالثة أثارت مزيداً من المخاوف بشأن «الثورات الملونة» التي عمّت الجمهوريات السوفياتية السابقة، والتي جعلت بعض المؤرخين والأكاديميين الروس اعتبار «الثورة البلشفية» نفسها شكلاً من أشكالها!
تلك الهواجس أرخت بظلالها على موسكو، ومدن روسية أخرى، في أسبوع مئوية «ثورة أكتوبر»، وحوّلت الساحة الحمراء، أول من أمس، ثكنة عسكرية مطوقة أمنياً، تحسباً لـ«أعمال تخريب»، على أثر دعوات للتظاهر أطلقها معارضون لبوتين، مع الإشارة إلى أن تلك الدعوات لم تأت هذه المرة من جانب مناصري السياسي الشاب اليكسي نافالني، بل من قبل فياتشيسلاف مالتسيف، المعارض المتشدد الذي تمكن من الهرب قبل أشهر إلى فرنسا، والذي يتزعم حركة «أرتبودغوتوفكا» (تمهيد مدفعي)، التي تدعو إلى «ثورة الشعب».
تلك التحركات لا تبدو مؤثرة بما فيه الكفاية على الشعب الروسي، فبجوار المكان المفترض لتحرك «أرتبودغوتوفكا»، والذي استبقته السلطات الأمنية بحملة اعتقالات، طاولت ناشطين «يملكون أدوات قتالية» و«يخططون لعمليات تخريب»، كانت أجواء الصخب الاحتفالية في «عيد الوحدة الوطنية» طاغية على المساحة الواسعة الممتدة من جدران الكرملين إلى مسرح البولشوي.
ومع ذلك، فإن تجربة الماضي البعيد قد لا تكون مطمئنة لسيد الكرملين، خصوصاً إذا صحّت مقولات بعض المؤرخين، بأن قلة في روسيا، بمن فيها البلاشفة أنفسهم، كانت تتوقع انهيار الحكم القيصري، بالشكل الدراماتيكي الذي سارت عليه الأحداث ابتداءً من شباط عام 1917.
ولعل هذا تماماً ما يسيل له لعاب المحللين الغربيين، الطامحين إلى التخلص من «كابوس» بوتين.
لكن الثابت أن لا فلاديمير بوتين هو القيصر نيكولاي الثاني، ولا اليكسي نافالني أو فياتشيسلاف مالتسيف هما فلاديمير لينين.
ولربما كان الحذر من الثورة، هو نفسه ما يقود فلاديمير بوتين دوماً إلى رفض عبارات التفخيم القيصرية التي غالباً ما يكررها مناصروه ومعارضوه على حد سواء، وهو ما عبّر عنه بشكل صريح في مقابلة مع تشارلي روز في عام 2005، وكرره في حواراته مع أوليفر ستون.
غير أن ثمة من يعتقد أن بوتين يطمح فعلاً إلى لعب دور شخصية بالغة التأثير في التاريخ الروسي، وهي شخصية القيصر بطرس الأكبر، ولكنه يسعى إلى أن ينأى بنفسه عن اللقب، كي لا يقارنه أحد بالقيصر المهزوم نيكولاي الثاني، أو يشبه معارضيه بالبلاشفة المنتصرين، وهو ما يفسر، على سبيل المثال، إسراف الرئيس الروسي في التفاعل الدائم مع المواطنين الروس، سواء بلقاءات تلفزيونية تفاعلية مع الجمهور، أو بزيارات ميدانية لا تخلو من المواقف الطريفة، على نحو لا يترك مجالاً لاستعادة أمثال قديمة من قبيل «الله بعيد جداً... وكذلك القيصر».
ومع ذلك، فإن هاجس «أكتوبر» يبقى حاضراً دوماً. يدرك بوتين أنه ليس قيصراً يحكم باسم الشعب وحده، وأن حكمه يبقى مرتبطاً بالتسويات الداخلية، مع النخبة الاقتصادية أو حتى الكنيسة الأرثوذكسية اللتين رفعتا الغطاء قبل قرن عن شرعية النظام القيصري، حينما تضاربت مصالحهما مع سياساته، وهو أمر غير مستبعد اليوم، أقله من الناحية النظرية، مع النسخة الحالية لهاتين الجهتين.
وبالرغم من أن بوتين قد نجح، خلال السنوات السبع عشرة الماضية، في تفكيك الكثير من الألغام الداخلية - والخارجية - المهددة لحكمه، إلا أن الوقت يبدو كالسيف بالنسبة إليه، خصوصاً أن الولاية الرئاسية المقبلة، قد تكون الأخيرة بالنسبة إليه، في ظل عدم بروز أي خلف له، بعد عام 2024.
بالنسبة إلى البعض، قد يحكم فلاديمير بوتين روسيا إلى ما لا نهاية، وأما البعض الآخر، فيعرب عن اعتقاده بأن فلاديمير آخر سيظهر في الوقت المناسب.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]