لا صابون في حمّامات هذه «المدينة»



(تصميم آية صالح)

في مدينة «رفيق الحريري الجامعية»، لا تحدث انتخابات. في الفرع الثاني أيضاً. وفي جميع فروع الجامعة اللبنانية. في هذه الحالة، الطلاب سواسية كأسنان المشط. لا انتخابات طالبية في تسع كليات منذ تسع سنوات. على الأرجح مرّت هذه المعلومة كثيراً. الانتخابات، «كان زمان». لكن أحداً لم يسمع بشيء اسمه «برنامج انتخابي»

زينب اسماعيل

عندما «كانت» تحدث انتخابات، لم يكن هناك شرح لكيفية تقديم طلبات ترشيح، ولا ملصقات تعرّف بالمرشحين، ولا برامج انتخابية تُوزّع في باحات الكليات. لا أنشطة. مجرد «حماس سياسي»، كما هي الحال في الانتخابات النيابية والبلدية، وكي لا ننسى، النقابية. أكثرية الطلاب يضحكون عند سؤالهم عن هذا الموضوع، خاصة أولئك المنتمين إلى جيل ما بعد عام 2010. الذين شاركوا في الانتخابات ليس لديهم أي فكرة عن أيّ شيء اسمه «برامج انتخابية». لم يسمعوا بشيء من هذا النوع. بدأ الأمر يصبح اعتيادياً. الصورة هناك واضحة تقريباً: يُستغل العدد الكبير من الطلاب المنتسبين (والمؤيدين) للأحزاب في التّعتيم أو «طمس» حقيقة أن لا انتخابات في الكلية، التي تكمن في نتيجتها الطريقة المثلى للتواصل بين الطلاب وجامعتهم.

هذا ما يُدرّس في كتب التربية الوطنية على الأقل.

الكليات إذاً تتقاسمها الأحزاب، ويتم تعيين لا انتخاب رؤساء مجالس الطلاب. لا يُسأل الطلاب عن مطالبهم (إن استطعنا تسميتها كذلك)، ولا عن المشاكل التي يواجهونها داخل الحرم الجامعي على الأقلّ، أو ربّما يسألون، ولكن السؤال هو خطوة أولى وأخيرة. حاولنا في «جولة قصيرة»، الوصول إلى خلاصات، إلى مشاريع «برامج»:
كلّية العلوم الطبية، كلية طب الأسنان، وكلية الصّيدلة، هي الكليات التي تعد الأكثر تنظيماً وترتيباً، والحديث هنا يخص المظهر والتجهيزات لا التدريس. هذه الكليات تقع بمحاذاة بعضها البعض. يعتبر طلابها أنهم الأفضل في الجامعة اللبنانية، وأن مصطلح «crème de la crème» ينطبق عليهم، رغم أنهم يعانون كثيراً. لكنهم يشتكون من الدوامات السيئة، والأساتذة غير المتعاطفين مع الطلاب. يشتكون من نقص أحياناً في المناديل والصابون في الحمّامات. هل هذا كثير؟
يُجمع الطلاب من جميع الكليات في مجمع الحدث الجامعي، على ضرورة وجود كافيتيريا داخل الجامعة. يقولون إنهم إن أرادوا شراء قنينة مياه، فإنهم يضطرون إلى الخروج من الحرم الجامعي، كما أن البعض منهم في الكليات التي تعدّ بعيدة نسبياً عن مدخل الجامعة يمكن أن يستغرقوا من الوقت حوالى عشرين دقيقة، الأمر الذي يتسبّب لهم بمشاكل مع بعض الأساتذة بسبب التأخر عن الصفوف.
هنا يتحمّس أحد الطلاب أثناء المحادثة، ويشدّد على ضرورة وجود مواصلات داخل حرم الجامعة الكبير، فيلقى مساندة من رفاقه وإثناء لذكره هذه النقطة. كان الطلاب قد افتتحوا الحوار حول ما تفتقر إليه الجامعة وما يبحثون عنه فيها، بمقارنتها بالجامعات الخاصة والراحة التي ينعم فيها طلابها مقابل «المأساة» التي يعيشونها هم كل يوم. يلقون اللّوم على الفقر، ويشتمون الأقساط المرتفعة. مواصلات في الجامعة؟ «حسناً، نقبل بمواصلات معقولة إلى الجامعة أولاً»، يقول أحد الطلاب في المجمع.

يلي مطلب الكافيتيريا، مطلب الممر الشّتوي... «هيدا إذا مشي حال المواصلات». الشتاء في مجمع الحدث بمثابة البلاء. تقول مروة، إحدى الطالبات، إنها تحب الشتاء وتحب أن تكتب عنه على حسابها الشخصي على فيسبوك، لكنها تفضّل البقاء في البيت في الأيام الممطرة. يا للنوستالجيا. يا للحنين. هذا على الفايسبوك، لكن بسبب اختفاء الممر، يصل الطلاب مبللين ومتأخرين، إلى صفوف ليست جميعها مزودة بأجهزة تدفئة. تعقب مروة: «نشعر بالذل حين يتأخر الأستاذ مدة من الوقت لو تأخرها طالب لمُنع من الدخول، أو حين لا يأتي أصلأ». يحدث هذا بعد أن يكون الطلاب استيقظوا في ساعة مبكرة لضمان الوصول في الوقت المحدد.
في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال مكتبة كبيرة يُمنع على الطلاب الدخول للدراسة فيها، فيجلسون في غرفة فيها بضع طاولات. مكتبة، أم متحف؟ وعلى سيرة المتحف والفنون، في كلية الفنون الجميلة والعمارة، يواجه الطلاب مشكلة نقص في الكراسي (المكسورة بأغلبيتها) والطاولات: أربعون تلميذاً وثلاثون كرسياً في أحد الصفوف. هل هذا «عمل فني»؟ هل غياب الكراسي مقصود لبناء «مشهدية فنية»؟ ولكن، أين يجلس الطلاب والطالبات.
نزولاً باتجاه كلية العلوم، التي تعتبر الكلية الأم في مجمّع الحدت الجامعي، كونها الأقدم وتستقبل العدد الأكبر من الطلاب كل سنة، فضلاً عن كونها معروفة بصعوبة برامجها. اللافت في هذه الكلية، هو رؤية الطلاب وكيفية تفريقهم بين ما هو أولويّة وما هو كمالي في الجامعة. سألنا خمسة طلاب -كل على حدة- في السنة الأولى السؤال التالي: ما هي بنظرك الأمور التي يتوجّب توفرها في جامعتكم؟ وما الذي ينقصها؟
الإجابة كانت شبه موحدة. كلهم طالبوا بكافيتيريا ومواصلات داخل الجامعة. تم طرح السؤال نفسه على طلاب من السنة الثالثة فكانت لهم نفس المطالب ولكن مع بعض الإضافات اللافتة. تأففت إحداهن من وجود نادٍ واحد في كلية العلوم مختص بالقيام بأنشطة لها علاقة بالعلوم الطبيعية في ظل غياب كامل لأيّ نوادٍ ثقافية أو أدبية أو فنية. محبّو العلوم (إن كانوا قد اختاروا دراستها بناء على حبهم لها) ليسوا دائماً كارهين للآداب.


آخر طالب بنادٍ للرياضة ولكن بشكل خجول، لأنه وفي خلفيته – كما الكثيرين - يعتقد أن الجامعة هي مكان للاستماع إلى شرح الأستاذ وتبديل القاعات. طالبة أخرى طالبت بإقامة حفلات موسيقى واستضافة فرق عالمية وإقامة ورشات وندوات، كما في الجامعات الخاصة.
عند سؤالهم عن المسؤول الأول عن تنفيذ مطالبهم، الطلاب لا يجيبون عموماً. هناك أجوبة عمومية: الأحزاب، الإدارة، نحن الطلاب، وهكذا. ربّما اعتاد الطلاب على النقص في جامعتهم، ربما صار النقص أحد خصائصها. ولكننا «محكومون بالأمل». حتى الآن، لدينا إحصاء «أولي»: مجمع بلا كافيتيريا. ولا انتخابات. ولا مواصلات. لا ممرات شتوية. لا أجهزة تدفئة. لا كراسي. الطاولات مكسورة. ولا صابون في الحمّامات. ولا حنفيات. والأساتذة لا يحترمون الوقت دائماً. هذه مشاريع جاهزة للبرامج في الجامعة الوطنية، ومقترحة من الطلاب أنفسهم، إن حدثت ــ يوماً ما ــ الانتخابات. «شدّوا الهمّة» يا شباب!

مجتمع واقتصاد
العدد ٣٢٩٧ الجمعة ١٣ تشرين الأول ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]