مجالس الفروع: توريث... ودروس في الهيمنة الذكورية



(هيثم الموسوي)

تغيب الانتخابات الطالبية عن الجامعة اللبنانية للسنة التاسعة على التوالي. رغم استمرار التعطيل غير المبرّر، ثمة مجالس طالبية في كافة فروعها تُنتخب سنوياً بآليات لا تخلو من سياستي «المفاضلة» و«التوريث»، على الطريقة اللبنانية. والمفارقة أن الغالبية الساحقة من «ورَثة» العضوية في المجالس هم من الذكور، في حالة تضعها بعض الطالبات في خانة «الهيمنة الذكورية». علماً أن حدّة الهيمنة ومستوياتها تتفاوت بين جامعةٍ وأخرى

زينب عثمان

«فلان أمين سر المجلس، فلان مسؤول المالية للشعبة، فلان مسؤول عن تسجيل المحضر...». هذا مألوف في كثيرٍ من كليات الجامعة اللبنانية، كما تقول طالبات من الجامعة. ولكن هناك خروقات. في إحدى الكليات، نُصّبت فرح، وهي طالبة في إحدى كليات الفرع الأول، من قبل «رئيس مجلس طلاب الفرع»، لتكون «مسؤولة الأخوات»، في المجلس المؤلف من 14 عضواً آنذاك. كان الاجتماع الطالبي الأول (والأخير) الذي تحضره فرح في غرفة «المطبوعات»، ثم انسحبت «لأسباب خاصة».

عملياً، لم تكن تلك المرة الأولى التي تحظى فيها أنثى بعضوية في المجلس التمثيلي، لكن ما بدا أنه يتكرّر في هذه الكلية تحديداً، هو التفاوت الكبير في جنسانية التمثيل «الذي يتحكّم ويستأثر فيه الذكر» بأبرز مفاصل الجامعة، كما تقول فرح التي حضرت الاجتماع كمتطوعة للمشاركة في تنظيم حفل افتتاح العام الدراسي في الكلية، حيث يتجاوز عدد الإناث بأشواط نسبة الذكور. سرعان ما اكتشفت الطابع الحزبي للاجتماع، الذي تخلله توزيع رئيس المجلس التمثيلي للحقائب، «حقيبة حقيبة عالماشي».
أين تقع حدود صلاحية «مسؤولة الأخوات» وما الذي تفعله؟ من نصّبها، وما هي مهامها؟ لماذا هناك «مسؤولة للأخوات»، ولا يوجد «مسؤول للإخوة»؟ وجّهنا الأسئلة إلى مسؤولين حزبيين، فاستغربوها. طالبة في الكلية نفسها، أوضحت أن مهمة المسؤولة هي «توزيع مهام التحضيرات اللوجستية على الطالبات حصراً»، أي تلك التي تنحصر في «تزيين الملعب وتعليق اللافتات، تنظيم طاولة الحلويات وأحياناً... الوقوف في الاستقبال إذا كانت هناك ندوة وما شابه». نعود إلى فرح، ونخبرها. لا تعترض على طبيعة المهام «التي يمكن أن يتشارك فيها الذكور والإناث على حد سواء»، بقدر ما يزعجها التمييز لمصلحة الذكور، مركزية القرار واستئثار الذكور بعضوية المجلس «الذي يجري اختيار أعضائه سنوياً بطريقة غامضة في ظلّ غياب الانتخابات الرسمية». تؤكد أن الوضع في هذه الكلية «لم ولن يتغير ما لم تجرَ انتخابات حقيقية وشرعية تمنح الطالبات حقّ الترشح لعضوية ورئاسة المجلس، وخرق الستاتيكو السائد».
في حديث مع «الأخبار»، ينفي رئيس دائرة الطلاب الجامعيين المركزي في «حركة أمل»، محمد عيسى وجود أيّ تمييز، على الأقل «في الكليات التي تخضع لسيطرة أمل». يقول إن السياسة العامة للحركة «تفرض تكاملاً بين الجنسين، يتجلى على صعيد البرلمان اللبناني بالدكتورة عناية عز الدين، فما بالك إذا كنا نتحدث عن مفاصل في الجامعة الوطنية». لا ينفي عيسى وجود تفاوت في عدد الطلاب لصالح الإناث في مختلف كليات الفرع الأول، وما تفرضه هذه المعادلة من تدعيم لحظوظ الطالبات في خوض غمار الاستحقاقات السياسية. حسناً. لماذا لا نرى رئيسات هيئات طالبية إذاً؟ ولماذا لم يشهد أيّ من مجالس كليات الفرع الأول في الجامعة اللبنانية غالبية أنثوية في عضوية المجلس على الأقل؟ «مش مزبوط. لدينا مسؤولة العمل الطالبي في حركة أمل زهراء اسكندر في كلية العلوم الاجتماعية، ومريم سعد في كلية الآداب». يبرّر عيسى ما يحدث اليوم في المجلس بغياب الانتخابات لسنوات طويلة، ويحاول تفسير «الآلية التي يتم عن طريقها اختيار أعضاء جدد بدلاً من الذين تخرجوا»، بحيث أن كلّ عضو مُجاز «يزكي شخصاً آخر لديه هالة معينة». يحدث هذا على طريقة نظام التوريث. والمفارقة أن عملية الاختيار، أو ما يسميها عيسى بـ«الحالة الطالبية»، تحيلنا إلى أسئلة جدية عن نصّ المذكرة الإدارية «رقم 12»، الصادرة عن إدارة الجامعة في 18 تشرين الأول 2012 والتي تنص على أن اختيار من يمثّل الأعضاء الذين ينوون التخلي عن مناصبهم بعد التخرج يجب أن «يتم بعد الاتفاق مع الإدارة».


أما في الفرع الثاني، حيث يتوزع النفوذ بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ عموماً، فيقول رئيس مصلحة القوات في الجامعة اللبنانية، شربل غصوب، إن «عدد الإناث هناك لا يفوق عدد الذكور بنسب كبيرة، لكن الهيئة الطالبية في كلية الإعلام مثلاً، والمؤلفة من 5 أعضاء، يغلب عليها الطابع الأنثوي منذ سنوات، كما أن رؤساء الهيئة خلال السنوات الثلاث الماضية كن إناثاً». الأمر الذي يفتح نقاشاً جدياً حول أسباب التباين الجنسي بين فرعي كلية واحدة، والعوائق التي تمنع نقل هذه التجرية إلى كليات الفرع الأول، الخاضعة لنفوذ أحزاب مختلفة، والخاضعة لثقافة مختلفة. الأحزاب لا تهبط بالمظلات، والعلاقة بينها وبين بيئتها علاقة تفاعلية. وإن كان «التفاوت» النسبي في التمثيل بين منطقة وأخرى، لا يلغي أن الهيمنة هي الهيمنة على مستوى البلاد عموماً، وليس فقط في الجامعات.
وبما أننا نتحدث عن الانتخابات الطالبية، يمكننا أن نلاحظ أنه في آخر انتخابات جامعية أجريت، قبل «الغيبوبة»، لم تتخطَّ نسبة المرشحات 25%، علماً أن الطالبات كن يُمثّلن 70% من طلاب العلوم السياسية في الفرع الأول لكلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. هذه المفارقة تكشف حجم وطبيعة مشاركتهن آنذاك في النشاط السياسي الجامعي، إلا أنها لا تكشف بالضرورة سبب استمرار الوضع على ما هو عليه في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال، مثلاً، حيث يستأثر حتى اليوم الطلاب الذكور بعضوية مجلس طلاب الفرع وبرئاسته. حسب مسؤول الجامعات في التعبئة التربوية في حزب الله، في بيروت، حيدر الشميشاني، فإن هذا يعود إلى «غياب الممارسات الصحيحة» على صعيد الآليات المعتمدة حالياً في ظل غياب الانتخابات من جهة، وإلى «ذكورية التشكيل الحزبي»، عموماً. لكن الذكورية هي اللامساواة. في أية حال، الشميشاني لم يرفض الواقع، بل دافع ضمناً عن «طبيعة الحركة الحزبية التي تولي الشباب وليس النساء»، لما تفرضه الأنثوية من «وقار»، في ما يبدو ترجمة ميدانية لمقولة عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، عن «دفع الإناث إلى خيارات محددة وصرفهن في المقابل عن خيارات ومسارات مهنية اشتهرت بأنها ذكورية، وفاء للمصير الذي خصّصه لهن مبدأ التقسيم التقليدي»، حين يدرس النظام الاجتماعي القبائلي. وعلى أية حال، القصة كما تشير فرح، أعمق من الجامعة بكثير. القصة قصة نظام اجتماعي بأسرهِ.


لطيفات وودودات ومحتشمات!

في كتابه المرجعي، «الهيمنة الذكورية»، يتحدث عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو عن تبعية رمزية للنساء اللواتي «يُنتظر منهن أن يكنّ باستمرار لطيفات وودودات ومحتشمات». سبب ذلك برأيه هو التنشئة الاجتماعية التي تفرض حصاراً أخلاقياً على الجسد النسوي في بيئات معينة، يميل فيها النظام الاجتماعي «عبر الدعوات الضمنية أو الصريحة لتوجيه الفتاة نحو الوجهة التي تناسب الرؤية التقسيمية»، وذلك بإسهام من الآباء والأساتذة وزملاء الدراسة، «بتلقي مبادئ الهيمنة بشكل جاهز، ومن ثمّ التعامل مع هذا النظام الاجتماعي بوصفه عادياً أو طبيعياً».


العامل الطبقي

تشير نتائج الانتخابات في بعض الجامعات الخاصة خلال العامين الماضيين، إلى فوز طالبات بعضوية ورئاسة مجالس وهيئات طالبية عدة. واللافت أن أغلبهن كن مرشحات في لوائح «8 آذار»، التي يشكّل حزب الله وحركة أمل عمودها الفقري. مثلّت سارة عباس الهيئة الطالبية في كلية الزراعة والعلوم الغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت، وفرح فرحات الهيئة الطالبية في كلية الفنون والعلوم بالجماعة نفسها، إضافة إلى أخريات. للوهلة الأولى، يستدعي التفاوت الكبير في حجم التمثيل النسوي في النشاط السياسي الجامعي بين الجامعة اللبنانية وبعض الجامعات الخاصة بحثاً مطولاً. السؤال الأساسي هنا: هل تلعب الطبقة دوراً هاماً في تكريس الهيمنة؟

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]