ماذا نعرف عن الأسلحة النوويّة؟



تصغير الحجم اللازم للقنبلة مع الحفاظ على قوتها التفجيرية

فاجأت جمهورية كوريا الديمقراطية العالم باختبار نووي فاقت قوّته كل التقديرات حول إمكاناتها التقنية والعلميّة الفعليّة، إلّا أنّه ظلّ ضمن المنطقة الرمادية بين ما يمكن أن يسبّبه انفجار قنبلة نوويّة عادية، وتفجير قنبلة هيدروجينيّة

عمر ديب

تُستعمَل الكثير من العبارات والتسميات لوصف القنابل النووية، إلّا أنّ كلّ هذه التسميات عملياً تعَدّ مرادفةً لفئتين علميتين اثنتين: القنبلة الانشطارية fission bomb، والقنبلة الانصهارية fusion bomb. هاتان التسميتان تحملان التوصيف العلمي لما يمكن أن يحصل في أي تفاعل نووي، سواء كان ذا استخدام عسكريّ أو مدنيّ.

فالتفاعل الانشطاري هو عملية انشطار نواة الذرات الكبيرة مثل اليورانيوم والبلوتونيوم إلى ذرات أصغر، مع ما تطلقه من طاقة كبيرة. وحين تُصنَع القنابل القائمة على هذا المبدأ العلمي، تُسمى هذه القنابل الانشطاريّة في اللغة اليوميّة القنابل الذرية Atomic Bomb أو A-bomb، أو ببساطة القنبلة النوويّة Nuclear bomb، وكلّها واحد. أمّا النوع الثاني من التفاعل النووي، فهو ذاك الذي يقوم على صهر نواة ذرّات صغيرة لتشكيل ذرّات أكبر مثل عملية اندماج نواة الهيدروجين لتنتهي بتشكل الهيليوم. لذلك يسمى هذا التفاعل انصهارياً أو اندماجياً، وهو يطلق كميات أكبر من الطاقة نسبيّاً قياساً بالتفاعل الأول، إلّا أنّه في الوقت نفسه يحتاج إلى مجهود أكبر لإطلاقه وبدء هذه العملية، إذ إنها تحتاج إلى درجة حرارة تصل إلى مئة مليون درجة، وهي تفوق الحرارة اللازمة لبدء التفاعل الانشطاري بعشرات المرّات. تسمّى القنابل الانصهاريّة في اللغة اليومية القنابل الهيدروجينية Hydrogen Bomb، أو H-bomb، ولها تسميات شعبيّة أخرى مثل القنبلة النيوترونيّة وغيرها.

من يملك ماذا؟

إن الخطوة الأولى أمام أية قوّة نووية تبدأ بصناعة القنبلة الانشطارية لكونها، على صعوبتها، الأسهل تقنياً. وهو ما فعلته الدولتان الرائدتان، الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي منذ أكثر من سبعين عاماً، وذلك في الأربعينيات من القرن الماضي، إذ تمكّنتا من تصنيع أولى هذه القنابل التي اختُبرَت مراراً وتكراراً، ولم تتوانَ أميركا عن اختبارها على مدن يابانية آمنة. وخلال بضع سنوات امتكلت كلّ من الصين وبريطانيا وفرنسا هذه القنابل وتبعتها لاحقاً الهند وباكستان و«إسرائيل» في برامج سريّة وغير معلنة. وفي السياق نفسه، امتلكت الدول الخمس الأولى بسرعة قنابل انصهاريّة ذات قوّة تفجيريّة هائلة، وتبعتها الدول الأخرى. وتشير الدراسات إلى إجراء أكثر من ألفي اختبار نووي من الأربعينيات حتى اليوم. أمّا الخطوة العملية التالية على مسار التسلّح النووي، فهي تصغير الحجم اللازم للقنبلة مع الحفاظ على قوتها التفجيرية، وذلك كي يتسنّى وضعها على صاروخ ينقلها إلى الهدف المنشود. تجدر الإشارة إلى أنّ العديد من الدول تملك التقنية العلمية لتصنيع كل هذه القنابل النوويّة، لكنّها فضّلت عدم سلوك هذا المسار، والاحتفاظ بالمعرفة العلميّة لإنتاج الطاقة، وأبرزها ألمانيا والبرازيل وكندا. أمّا الدول النووية الباقية، فهي على الأرجح لا تمتلك التقنيات والمعرفة الكافية اليوم لإنتاج السلاح النووي، رغم قدراتها في مجال الطاقة.

القوّة التفجيرية

تقاس قوّة الانفجار النووي بوحدة قياس هي «كيلوطن» KiloTon، أي بما يعادلها من قوة تفجير المتفجرّات التقليدية. على سبيل المثال، بلغت قوّة قنبلة هيروشيما نحو 10 كيلوطن، أي ما يوازي 10 آلاف طن من مادة TNT. إلّا أن دخول الأسلحة الهيدروجينية رفع من القدرة التفجيرية مئات المرات، حيث يمكن زيادة قوّة الانفجار إلى مستويات هائلة ولا يقف أمامها إلّا احتمال فناء الحياة على سطح الأرض. وقد بلغ أقوى اختبار نووي أجراه السوفيات في شمال سيبيريا 50 ألف كيلوطن، أي ما يوازي 50 مليون طن من TNT، أو ما يعادل 5000 قنبلة من تلك التي فُجِّرَت في هيروشيما دفعةً واحدة! ومع مرور الوقت تكدّست آلاف الرؤوس النووية عند القوتين الكُبرَيَين والمئات عند القوى الأخرى، وتحوّل السلاح النووي إلى قوة ردع لا إلى قوّة حرب، بعد أن صارت خطراً وجودياً على استمرار الحياة البشرية في حال دخولها حيّز الاستخدام.

أسلحة مختلطة

إنّ عملية تصميم السلاح النووي هي عملية معقّدة جداً، إذ تحتاج القنبلة الانشطارية إلى إحاطة المواد الانشطارية الموجودة في قلبها بأطنان من المتفجرات التقليدية التي تعطي عند انفجارها الطاقة اللازمة لبدء التفاعل النووي.

أمّا القنبلة الانصهارية، فلا تكفيها الطاقة المتولدة من أي كمية معقولة من المتفجرات التقليدية كي يبدأ عملها الاندماجي، لذلك يجري استخدام الانفجار الناجم عن الانشطار النووي ليكون هو محفزّاً لبدء عملية الانصهار، حيث تُوضَع نواة الهيدروجين المهيّأ للاندماج داخل قنبلة كبيرة يتشكّل جزءٌ منها من المواد الانشطارية كاليورانيوم، وجزء آخر من متفجرات تقليدية. بذلك يجري الانفجار متتالياً، إذ يطلق الانفجار التقليدي العملية الانشطاريّة التي يؤدي انفجارها بدوره إلى إطلاق العملية الاندماجية، وهي الأهم والأكثر إنتاجاً للطاقة. وبسهولة يمكن أن تصل قوّة هذه القنابل إلى ألف ضعف قوة القنبلة النوويّة العادية. ولكن بين هاتين القدرتين المتفاوتتين في قوّة القنبلة، يمكن تصميم قنبلة انشطارية معدَّلة، إذ تُضاف كمية محدودة من نواة الهيدروجين دون تركيزها بكميات كافية لإطلاق كامل قدرات التفجير الاندماجي، فتزيد من قوة الانفجار الانشطاري ببضع مرّات دون أن يصبح التفاعل الاندماجي هو الطاغي أو المصدر الأساسي للطاقة، فتُعَدّ هذه القنبلة مرحلةً وسطيّة بين الاثنتين، وهو ما تلجأ إلى تطويره الدول التي لا تتمكّن من امتلاك القدرة الهيدروجينية الكاملة، وهو عملياً ما تفعله كل القوى النووية لتعديل سلاحها الانشطاري وتطويره في المراحل الأولى. وعملية التطوير هذه قد تجري بطريقتين هندسيّتين، إذ من الممكن إضافة كمية قليلة من نواة الهيدروجين بحالتها الغازية داخل القنبلة النووية، أو أن يجري تحويلها إلى مادة صلبة يمكن تطويعها دائرياً حول المواد الانشطارية، وتسمى هذه قنبلة حرارية طبقية Layered Thermonuclear bomb. وفيما تصل القنبلة الهيدروجينيّة الصافية إلى آلاف أضعاف القنبلة النووية العادية، تصل هذه النماذج الهجينة إلى ما يراوح بين 3 إلى 30 ضعف قنبلة هيروشيما.

ماذا لدى كوريا؟

أجرت كوريا مجموعة من التجارب النووية بدءاً من عام 2006، وهي كانت كلّها تجارب على قنابل انشطارية ضعيفة نسبياً ولا تتعدى قوتها 3 كيلوطن، أي ما يقلّ عن ثلث قنبلة هيروشيما. غير أن تطوراً ملحوظاً ظهر خلال السنتين الماضيتين، إذ ارتفعت القدرة التفجيرية فجأةً إلى ما يقارب 120 كيلوطن، لتصبح 10 أضعاف قنبلة هيروشيما، وهو ما فاجأ المراقبين. الإعلان الكوري الرسمي صرّح بأنّه جرى اختبار قنبلة هيدروجينيّة، فيما اختلفت تقديرات المراقبين الذين رصدوا الموجات الارتداديّة الناجمة عن الزلزال الذي سبّبه الاختبار النووي على عمق مئات الأمتار تحت الأرض، إذ يقدّر البعض أنّ قنبلةً نوويةً انشطاريةً مثل تلك التي ألقاها الأميركيون على شعوب هيروشيما وناغازاكي يمكن أن تصل قوتها إلى الحد الذي بلغه الاختبار الكوري الأخير. إلّا أنّ تقديرات أخرى تشير إلى أنّ الوصول إلى هذا المستوى التفجيري يستدعي بالضرورة إدخال تعديلات تتضمّن مكوّنات تفاعل انصهارٍ هيدروجيني، وإن لم يكن هو الغالب. لذلك يشير التقدير العلمي إلى أن الكوريين اليوم دخلوا مرحلة تصنيع القنابل الطبقية التي تتضمن إضافات هيدروجينية، ومن الأرجح أن تكون من مواد صلبة في طبقةٍ دائريّة حول المواد الانشطارية. بذلك تخطو البلاد من مرحلةٍ إلى أخرى، لكنّ هذه المرحلة تحديداً هي نقطة اللاعودة حيث تتيح القدرات العلمية المتوافرة المضيّ قدماً في تطوير السلاح، كذلك فإنّها تعطي البلاد قدرة الردع ضد أي تدخّل خارجي لوقف برنامجها لأنّها ببساطة تمتلك قدرات هائلة يمكنها مسح مدن ومقاطعات كاملة.


على الهامش

إنّ مسألة السلاح النووي هي مسألة أخلاقية مثيرة للجدل، ليس في حالة كوريا، بل في حالة الإنسانيّة جمعاء، إذ إنّ هذه القدرات التدميرية الوجوديّة يمكن أن تكون في أي يوم من الأيام سبب فناء البشر أو فئات واسعة منهم، إلّا أنها، من جهة أخرى، تدخل أيضاً في ترسانة الدول الصغرى كوسيلة لردع القوى الكبرى عن انتهاك سيادتها، ويمكن أن يكون وجود هذا السلاح سبباً للسلم والاستقرار والوقاية من الحروب. وفيما يُستنفَر العالم اليوم كلّه ضد كوريا، تشير الأرقام إلى أنّ تلك الدولة لم تجرِ سوى 6 اختبارات نووية من أصل ما يزيد على ألفي اختبار حول العالم دون عقوبات ولا استنكارات وإدانات. لذلك يرتبط النقاش الدائر اليوم بحسابات سياسيّة أكثر منها علميّة، إذ إنّ أكثر الدول المستنكرة هي أكثر الدول اختباراً واستعمالاً للسلاح النووي، لا بل إنّ قائدة الأوركسترا سبق أن سخّرت إمكاناتها لإحراق شعب بأكمله في لحظات فيما لم يصدر عن الدول الأخرى أدنى إشارة أو شك باستعمال هذه القدرات ضد مدنيين. أمّا على الصعيد العلمي، فقد خطا الكوريون خطوةً كبيرةً لا غبار على جديّتها. لعلّ تجارب بعض الشعوب تثير عند الشعوب الأخرى مسألة الفضول العلمي والتقدم التقني في كل المجالات، وخاصة تلك ذات التطبيقات المدنيّة العامة بدل إصدار بيانات الاستنكار من حكوماتها.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]