كيف تحارب التكنولوجيا الاتجار بالبشر؟



يساعد برنامج الذكاء الاصطناعي Memex السلطات في ربط الشبكات بعضها ببعض وتتبّعها

روبوت داخل الإعلانات الجنسية لمكافحة الاتجار بالبشر. هكذا قرر بعض موظفي شركة «مايكروسوفت» أن يتصيّدوا مشتري الجنس على الإنترنت وتحذيرهم من عدم قانونية شراء الجنس وإحالتهم إلى الشرطة في حال أظهروا نية لممارسة الجنس مع قاصر. ينضم هذا البرنامج إلى برامج أخرى طوّرتها الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا لمكافحة الاتجار بالبشر على الانترنت، بعدما فتحت التكنولوجيا باباً تسويقياً واسعاً للمتاجرة

إيفا الشوفي

«التكنولوجيا لم تخلق الاستغلال الجنسي للأطفال... لكنها جعلته ديمقراطياً»، أي جعلته متاحاً للجميع. بهذه الجملة تحدّد منظمة Thorn الصلة بين التكنولوجيا والاستغلال الجنسي. تقول أرقام المنظمة إن 63% من الأطفال الناجين من الاتجار بالبشر تم تسويقهم على الإنترنت في مرحلة ما أثناء وجودهم في عهدة الشبكات.

أكثر من 57 ألف موقع على الانترنت احتوى على صور اعتداء جنسي على الأطفال عام 2016، و60% من البشر المتاجر بهم يتم بيعهم إلى تجارة الجنس وغالبيتهم تحت سن 24 عاماً. في الولايات المتحدة وحدها تمّ تعقب 9 ملايين كمبيوتر عام 2011 تشارك ملفات إباحية للأطفال. في ظل هذه الأرقام المخيفة، كيف تحارب التكنولوجيا الاتجار بالبشر؟
يسعى موظفو «مايكروسوفت» إلى تصيّد مشتري الجنس على الإنترنت ضمن مبادرة لمكافحة الاتجار بالبشر. فالروبوت الذي أطلقته الشركة مؤخراً هو عبارة عن برنامج chatbot يختبئ خلف إعلانات كاذبة للخدمات الجنسية، يتحدث مع الأشخاص الذين يدخلون إلى هذه الإعلانات طلباً للخدمات الجنسية، مدّعياً أنه الفتاة الموجودة في الإعلان ويجيبهم عن جميع الأسئلة من عمره ــ أو عمرها في هذه الحالة ــ جسدها، رغباتها الجنسية وأسعارها. وإذا لمس الروبوت نية في شراء خدمات جنسية، يقوم بإرسال رسالة صارمة للمشتري يحذره فيها من مخاطر شراء الجنس، ليتطوّر التحذير إلى بلاغ للسلطات في حال أظهر الشخص ميولاً انحرافية، مثل شراء خدمات جنسية من أشخاص قاصرين. اختبرت الشركة برنامجها في مناطق سياتل، أتلانتا وواشنطن، وهو جزء من مبادرة أطلقها ناشطون في مجال مكافحة الاتجار بالبشر، والذي يُعتبر الاتجار بالجنس أبرز وجوهه، بهدف تخفيض الطلب على الجنس من خلال تحذير المشترين من أبعاد هذا الأمر وتأثيره على الضحية. فبعدما تكتمل المحادثة بين الروبوت والشاري، وعند تأكيد محاولة شراء خدمات جنسية، يرسل الروبوت الرسالة التالية «إن شراء الجنس من أي شخص هو عمل غير قانوني، ويمكن أن يسبب ضرراً جسيماً على المدى الطويل للضحية، وكذلك دورة الاتجار بالبشر. ستتم مراجعة تفاصيل هذا الحادث بشكل أكبر، وقد يتم الاتصال بك من قبل سلطات إنفاذ القانون للاستجواب. لا تحاول شراء الجنس مرة أخرى، فإنه لن يحقق ما تبحث عنه». ينقل موقع wired أن الروبوت تبادل 14 ألف رسالة مع ألف شخص استجابوا للإعلانات المزروعة في المواقع، وقد تم توجيه رسائل تحذير إلى نصف هؤلاء لإظهارهم نية لشراء خدمات جنسية.

تقنيات الرؤية الحاسوبية: رصد، تحليل ومطابقة

في الواقع ليست هذه التكنولوجيا الأولى التي تطورها شركة «مايكروسوفت» لمكافحة الاتجار بالبشر، فقد طورت الشركة عام 2015 أداة PhotoDNA لمكافحة استغلال الأطفال جنسياً على شبكة الإنترنت. يمسح البرنامج الصور التي تم تحميلها على وسائل الاعلام الاجتماعية وخدمات تبادل الصور، ويحدد الصور التي تصوّر اعتداءً جنسياً من أجل إزالتها عن الشبكة بهدف جعلها آمنة للجميع. تعمل هذه الأداة من خلال عملية تشفير وترميز تقوم على تقسيم الصور إلى مربعات وتعيين شيفرة لكل جزء، بحيث تتم مطابقة التشفير مع قاعدة بيانات تضم صوراً غير قانونية معروفة مأخوذة من المركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين. وفي حين أنه كان بالإمكان كشف الصور غير القانونية إذا كانت مطابقة تماماً لصور الاعتداء الجنسي الموجودة في قاعدة البيانات، فإن تقنية التشفير أتاحت كشف هذه الصور حتى ولو تم التلاعب بها وتعديلها لتصبح مختلفة عن الصور في قاعدة البيانات.

يستخدم تطبيق kik، وهي شبكة دردشة شعبية جداً بين المراهقين، أداة PhotoDNA للكشف عن الصور الشخصية التي تظهر استغلالاً جنسياً للأطفال في نفس الوقت الذي يجري فيه تحميلها على الشبكة، ما يتيح إزالتها فوراً وإبلاغ السلطات وإزالة حساب المستخدم. أكثر من 70 شركة وجمعية، من ضمنها فايسبوك وتويتر، تستخدم أداة PhotoDNA، وتقول الشركة إن 720 ألف صورة من بين 1.8 مليار صورة يتم تحميلها يومياً على الإنترنت تعدّ غير قانونية وفيها استغلال جنسيّ للأطفال.
4 صور قد تساعد الشرطة على إنقاذ ضحية اتجار بالبشر. من هذه الفكرة ينطلق تطبيق TraffickCam الذي أطلق العام الفائت. يقوم التطبيق على دفع الناس إلى التقاط 4 صور لغرف الفنادق التي يوجدون فيها، بحيث تحفظ هذه الصور في قاعدة بيانات يمكن للشرطة الوصول إليها بسهولة. لكن لماذا؟ يقوم المتاجرون بانتظام بنشر صور لضحاياهم في غرف الفنادق للإعلانات على الإنترنت. وهذه الصور هي أدلة يمكن استخدامها للعثور على مرتكبي هذه الجرائم ومقاضاتهم. لكن على الشرطة بداية أن تتمكن من تحديد أماكن التقاط هذه الصور، وهذا هو هدف التطبيق: إنشاء قاعدة بيانات لصور غرف الفنادق بحيث يمكن مقارنة الصور المنشورة في الإعلانات مع الصور التي يلتقطها المستخدمون لتحديد موقع الضحية، وبالتالي معرفة الفنادق التي يرتادونها.

«الإنترنت المظلم»: ملايين المواقع الإباحية

أواخر عام 2014 أطلقت وكالة «داربا»، الذراع البحثية لوزارة الدفاع الأميركية، برنامج Memex المصمّم لمساعدة السلطات القانونية على إجراء التحقيقات عبر الإنترنت لمطاردة المتاجرين بالبشر. يقوم هذا البرنامج بالبحث في شبكة «الإنترنت المظلم»، أو ما يسمى dark web، عن المحتوى الذي قد يحوي على اتجار بالبشر، وهي محتويات لا يمكن التقاطها من خلال محركات البحث العادية مثل غوغل. تكمن أهمية هذا البرنامج في كونه يستطيع تحليل الأنماط المخفاة في شبكة «الإنترنت المظلم» حيث تحصل في الواقع معظم عمليات الاتجار بالبشر وبناء نماذج للتنبّؤ بالسلوك. على سبيل المثال، تم استخدام Memex لمسح 100 مليون إعلان جنسي على شبكة «الانترنت المظلم» وكشف أنماط التسعير التي تشير إلى حلقة اتجار منظمة، بدلاً من بائعات هوى يعملن بشكل منفرد. وقد اكتشف البرنامج أن بائعات الهوى يعدّلن أسعارهن على أساس المخاطر، في حين ان الشبكات المنظمة تحدد الأسعار من دون اعتبار المخاطر. يساعد البرنامج السلطات في ربط الشبكات بعضها ببعض وتتبّعها بهدف إلقاء القبض على المتاجر. يمكّن البرنامج المحققين من تتبّع حركة الأشخاص ــ المتاجر بهم والمتاجرين على السواء ــ استناداً إلى البيانات المتعلقة بالإعلانات التي يبثونها على الإنترنت لعرض الخدمات الجنسية، إذ قد ينتقل المتاجر من منطقة إلى أخرى وينشر في كل منها نفس رقم الهاتف وصورة المرأة أو الطفل، ما يتيح إلقاء القبض عليه.


على صعيد مواز، تموّل الوكالة برنامج idTraffickers لشركةBashpole Software لرصد ضحايا الاتجار بالبشر على الإنترنت. يستخدم البرنامج تكنولوجيا القياسات الحيوية مثل تقنيات التعرف على الوجه لمقارنة صور الأشخاص المفقودين بصور من قواعد بيانات الاتجار بالبشر والصور المرفقة بالإعلانات الجنسية في «الإنترنت المظلم»، ويتم إرسالها إلى الجهات المختصة مع توفير الأدلة اللازمة لتتبّع الضحية؛ فغالباً ما تعرض الإعلانات صور أشخاص متاحين لتقديم الخدمات، في حين يقوم العديد من المواقع بنسخ هذه الصور.
عام 2009 تم تشكيل منظمة Thorn لمكافحة الاتجار بالبشر من خلال تحالف جمع شركات التكنولوجيا، والحكومات والمنظمات غير الحكومية، بهدف الاستفادة من التكنولوجيا لتسريع تحديد هوية الضحايا وحماية الأطفال الضعفاء. أكثر من 20 شركة متخصصة في مجال التكنولوجيا موجودة في المنظمة، أبرزها غوغل، فايسبوك، مايكروسوفت، أمازون وغيرها.
أبرز مشاريع Thorn كان spotlight، الذي تم إطلاقه منذ 3 سنوات، وهو أداة بُنيت على أرشيف بيانات لملايين سجلات إعلانات الجنس على الإنترنت والبيانات المأخوذة من هذه المنتديات. تسمح spotlight للسلطات المعنية بالبحث وتصفية الإعلانات الموجودة على الإنترنت وفق رقم الهاتف، البريد الإلكتروني، العمر، الإطار الزمني، من أجل مكافحة استغلال الأطفال جنسياً. تستخدم هذه الأداة الذكاء الاصطناعي من خلال خوارزميات تعلم الآلة تحليل البيانات المرفقة بالإعلانات من أجل تحديد الإعلانات المشبوهة بشكل استباقي، كما تعزز تحليل الصور للسماح بالبحث عن العلاقة بين الإعلانات التي تستخدم نفس الصور. يقدم هذا النظام معلومات استخبارية متعمّقة من خلال إنشاء ملفات شخصية للبيانات ذات الصلة بالإعلانات والمنتديات استناداً إلى أرقام الهواتف والبريد الإلكتروني، ثم يقوم برسم خرائط ورسوم بيانية لهذه المعلومات لتسهيل التحليل. إضافة إلى ذلك، يمكّن النظام السلطات المعنية من وضع إنذار وتنبيه لتعقّب بعض المعلومات، مثل ظهور رقم هاتف محدد في إعلان جديد. نجحت هذه الأداة حتى اليوم في مساعدة الشرطة على تحديد أكثر من 6 آلاف ضحية وأكثر من ألفي قوّاد.
هكذا إذاً يتراوح تأثير التقنيات المطوّرة بين توعية الناس مثل روبوت «مايكروسوفت»، وتعقب شبكات الاتجار داخل شبكة «الانترنت المظلم»، إلا أن ملايين الأطفال والنساء ما زالوا يُستغلون سنوياً على الإنترنت، ضمن تجارة تدرّ المليارات.

* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]