حين زُرتُ الحدائق


عاطف سليمان

يهُبُّ نسيمُ العصاري فتهتاجُ في القلب أشواق خفيّة هشّة، هائمة وعنيدة، غامضةُ الـمقاصِدِ، لَكأن الأشواقَ والنسائم على قَران.
في العصاري كانت السيدةُ تُحاضِر في جَمْعٍ صغيرٍ من الناس، جالسين على عُشب حديقة، تحت أشجارٍ، وتقول إن لديها «وهْـماً غـلَّاباً» بشأن أجدر شخصيات الآداب والبطولة والفنون والحكمة والعرفانية والرحمة والسحر والعلوم إلخ إلخ، مَن نعرف مِنهم ومَن لا نعرف، «ليس جميعهم، إنما فقط الشخصيات التي استوت قشرتُها الصلبة حتى تقوَّست، وانشَّقت، وانفلقت فأفلتت ما فيها، وأفرغته بطائلٍ أو بغير»، ذلك أن «لهم دوامٌ في الوجود، فلا تخلو الأرضُ منهم، بأشخاصهم ذاتها»، وإنهم، وإنْ كانوا بالطبع يموتون، لكنما يُعادُ ظهورهم من جديد في كل جيل «تقريباً»، فيظهرون منتثرين في بقاع ونواحي الأرض، في أمكنتهم السابقة أو في سواها، وإنهم وإنْ كانوا يرجعون بالتأكيد، إلا أن بعضهم أو أحدهم قد «يمكث خاملاً بانتظار رَجةٍ تُنعِشُ رَجْعتَه».

كانت السيدة تسترسل وهي واقفة بجذعها الفائر، والجمْع الصغير منتبهٌ إليها، لكني سمعتُ أحدَهم يتمتم لنفسه بتملمُلٍ: «تناسل ذاتي»، وقد وصلني صوتُه على الرغم من أن الباعة الجائلين كانوا يتنقلون حولنا ببضائعهم، ويزعقون بلا رحمة، عدا ذاك البائع الجالس المنهمك في نفْثِ زفيرِهِ خلال الحلقة البلاستيكية الصغيرة المغموسة في ماء الصابون. وسط فقاقيع قوس قزحٍ متطايرةٍ، كانت السيدة تُوالي حديثَها عن تجربةٍ شخصية لها؛ عن روائح الصبَّارات والأزهار «التي هي هي، شبيهة بأسلافها عبر قرونٍ وألفياتٍ، تكاد لا ينالُها تحريفٌ»، عندما غلبني النُعاسُ، ونمتُ.
كانت السيدة، على الأرجح، قد لاحظت نُعاسي ولم تمتعض، وأظن أنها لا تلتفت إلى أمورٍ كهذي، هي التي تستاء وتنهزم من أيِّ تشتيت يناوئ تركيزَها ويعوق استرسالَها عن وصْف فكرةٍ تكون لا تزال بازغةً وعَصيَّةً على الامتثال التام لعقلها والتشكُّل بلسانها في كلماتٍ منضبطةٍ تحرز المعنى الـمُرادَ.
قبل نومي مباشرةً، كانت قد قالت إن الإنسانية، كجماعة، تحرَّت فأدركت مَنشأَها، وإن الإنسان، منفرداً، هو أيضاً قد يحدس مَنشأَه، لكنما بعد عكوفٍ مُضنٍ، وإن تكرارَ ظهورِ شخصٍ ما، في أزمنة الحياة، يقتضي تكرارَ ظهورِ أوضاعٍ أو ظروفٍ أو أشياءٍ تلازمت معه، كأن الأمرَ يشبه رياحاً تسُوق غيْمة. استمرت هي في ترافُعِها اللبق، بتنهيداتها التلقائية الخلَّابة التي تُنهي بها عباراتِها، غير أني لم أقوَ على الإصغاء إلى فكرتها، أو بالأحرى شردتُّ عنها، إذْ مسَّني نسيمُ العصاري فنعستُ وأنا أشعرُ مِلءَ فؤادي بأن السيدة مؤمنةٌ بما تدَّعي وبأنها كعادتها لا تروم من ذلك إقناعَ أحد، بل تبتغي الإخبارَ؛ الإخبارَ الساهي النزيه، ليس إلا.
اعتادت أن تخبرنا، في نهاية كل لقاء، بصوتٍ مترنِّمٍ ومتبسِّم، عن الساحة أو الحديقة التي ستكون مُلتقانا في المرة التالية.
لم تكن السيدة تعرفُ اسمي، أنا الذي حافظتُ على حضور الجلسات من دون أن أسعى إلى التعارف مع أفراد المجموعة؛ قمعتُ فضولي وتملصتُ من الاختلاط بهم، وبقيتُ أتحاشى فضولَهم، ولا أشارك في أسئلتهم ونقاشاتهم، غير أني كنتُ آلفهم تماماً ويألفونني بالوجوه والألقاب العامة والثرثرات الهامشية. ما كنتُ فاتراً إنما أردتُّ فحسب لنفسي حضوراً لا يُحَسُّ، ووجوداً مأنوساً بهم نائياً عنهم.
من دون أن أثير انتباهـَهم، إذاً، حرصتُ على حضور تلك المحاضرات أكثر حتى من حرصهم المؤكَّد، ذلك أني كنتُ أحدسُ أن شيئاً مُهماً بشأني شخصياً قد يُقال ذات يوم، وكنتُ بصبرٍ ورضا أنتظرُ حلولَ وقت سماعه.
في إغفاءتي حلُمتُ أني في غابة (ربما كان ذلك بتأثير الأشجار التي جلسنا تحتها)، وأني تحت ولاية قردٍ (ذكر أم أنثى؟) يتسلَّطُ عليَّ، وكان القرد يتنقل بين أغصان الأشجار ويرمي إليَّ بثمارٍ بُنية وخضراء كبيرة أتلقفُها في زالوع عالٍ شبيهٍ بصوامع الغلال الطينية أو أبراج الحمام، وكنتُ منبهراً في داخل الحلم لأن تشابكات الأشجار والأغصان لم تكن تعيق تحركاتي، إذْ بسهولةٍ وخِفةٍ رُحتُ أدفعُ أو أجرُّ الزالوعَ الهائل، المُنفلِت من أثقاله، متابعاً تنقُّلات القرد، غير غافلٍ، حتى في الحلم، عن أن زالوعي (وعاء كبير من الطين) يَزِنُ أطناناً وأطناناً.

■ ■ ■

ذات ضُحى، التقيتُ السيدة في إحدى طرقات مُجمع تجاري اعتدتُّ الشراءَ منه مرة كل شهر أو شهرين. رأتني وابتسمتْ ابتسامة مَن يألفون بعضهم بعضاً، فاتجهتُ إليها وسلمتُ عليها وتوليتُ عنها دَفْعَ عربة التسوُّق وقد بدت فارغةً لا تزال. كانت تنتقي وتلتقطُ بضائعَ من فوق الرفوف كأنها تصطادها من غيْبٍ فأحسُّ أني أرى هذه الأشياء لأول مرة. اكتفيتُ لنفسي بعبوة من الشعرية وأخرى من التونة. وحين خرجنا كانت حمولتها أكثر وأثقل، فعرضتُ عليها المزيدَ من مساعدتي، وتقبَّلت ممتنة. ذهبتُ معها إلى مسكنها بالمواصلات العامة، وكنا صامتيْن طيلة الوقت، تلتقي نظراتُ أعيننا مثل رَفَّاتٍ عجلى ليس لها أن تسبُر شيئاً. وبمجرد دخولي من باب شقتها، في الطابق الثالث، كان لي أن أتنشَّقَ شهيقاً بارداً حلواً، هبَّ من رواق بيتها، كأنه نسيمُ عصاري معبق بزهر ليمون. تناولت مني حمولتي وركضت إلى مطبخها وعادت إليَّ بكوبٍ به سائل ذو مذاقٍ لطيف، شربتُه دونما استفسارٍ متكلَّف مني عن ماهيته، فنفَّذتُ بذلك أولَ ما وددتُّه وهو أن أتصرف مع السيدة ببساطة أكثر بكثير من طبيعتي. بحركات يديْها وابتسامتها دعتني بأريحية لأتفقَّدَ مكتبتَها، وسرعان ما لفت نظري هذان الشيئان الموضوعان على أحد رفوفها بين الكتب؛ شمبانزي، من خشب مدهون باللَّكِ الأحمر، مُتعلِّق في غصن شجرة، وراقص تنورة مولوي بطربوشِ اللبَّاد الطويل الأبيض قاتم البياض مثل غسق، وبدا لي أن الطربوش اللبَّادي يشبه أيضاً الزالوع المقلوب! واتتني خاطرةٌ بأنني دخلتُ في طَـيْةٍ أخرى من الحياة فدنوتُ فيها من معارفٍ ليست كالمعارف، وتخيلتُ أني سأقضي وقتاً طويلاً أتطلع إلى الأرفف، أمسحُها بنظراتٍ متعاقبة لا أدريها ولستُ متأكداً مما فيها من شكٍ ويقين، فأعثر هنالك على غرائبَ أخرى؛ صورة مثلاً أو أيقونة فيها وجهٌ يشبهُ وجهي هذا الذي لي. ابتسمتُ من استجابة الخيال وقد استجلب لي هيأةَ أيقونتي المطوَّقة بزمردٍ أخضر وعقيقٍ أبيضاني كاللبَّاد والمطليَّة بالمينا اللازوردية، ووضعَها، لعيني، على الرف أسفل الشمبانزي، وإذ ذاك زادت ابتسامتي فضحكتُ، وضحكت لضحكي السيدةُ فغصصتُ، وقالت هي:
- سأُريك.
تحركت السيدةُ خطوةً واحدة، ثم توقفت والتفتت قائلةً لي إن اسمها «رابية»، وسألتني، عَرضاً، عن البلد الذي أتمنى لو أني كنتُ قد وُلِدت فيه، فجاوبتُها على الفور:
- لطالما تمنيتُ لو أني وُلِدتُ وعشتُ في اليابان القديمة، لكني الآن لا أشتاق إلى اليابان إلا كزائرٍ يروح ويجيء مرات كثيرة مثل الحُجاج، أمَّا حنيني فانتقل مؤخراً، فجأةً، إلى فنلنده! إلى شاطئٍ معين هناك!
بينما كنتُ أتكلم، شاقني أن أعلم مغزى السؤال، وأن أسمع إجابتَها هي أيضاً عنه، غير أني ما كنتُ أطيق تعطيلَها لحظةً عن الإتيان بما قالت إنها ستُريني إياه.
جاءت ومعها صورة زفاف عتيقة، على كارت بالأبيض والأسود. كانت رابية هي العروس، ونافخ الفقاقيع الجائل هو العريس.
أشارت إلى الكارت وقالت:
- التي في الصورة ليست أنا، لكنها هي أنا. لطالما تأملتُها واستنطقتُها كثيراً، في الليل وفي النهار، قبل النوم وفور الاستيقاظ، وطُفتُ بعيداً وعدتُّ، وما لملمتُ حصادي بعد. والذي في الصورة ليس هو، إنما هو أيضاً ليس آخرَ غيره.
كان الكارتُ الفاخر ممتلئاً بثقله في يدي ومقوَّساً قليلاً، موسوماً بإمضاءٍ مكبوسٍ لأحد استديوهات التصوير المُزدهرة في بداية القرن العشرين. استمتعتُ، وأنا أناظر بين الصورة ووجه رابية، بكوني في موقف تحكيمٍ ذي علوٍ واعتبار، وبكونها أسلمت وجهَها لنظراتي بامتثالٍ أعزَّني، وشعرتُ بالغرور وبأن غروري ينافحُ يقظتي ويحبط ذكائي، لكن ما من شكٍ أن التشابهَ كان لا يُجادلُ في أمره.
- التشابه كامل! إلا أن تشابه الملامح لا يُعتد به كما أعلمتِنا، بل عساه يبعد الفكرةَ الأساسية. إنه يكاد يكون أمراً ساخراً أن تُعاد ملامحُ إنسانٍ لإنسانٍ آخر على النقيض منه في جوهره.
- صحيح. وهذا يوافق فكرتي، فإذا كان من الجائز أن يلتقي رجلٌ مع امرأة في زمنٍ ثم يلتقي في زمنٍ تالٍ رجلٌ بملامح الرجلِ الأول مع امرأةٍ بملامح المرأة الأولى فيكون من الجائز أيضاً أن تتكرر مثل هذه الاجتماعات على مستوى الجوهر لا على مستوى الشكل فحسب.
قلتُ لكَ إني سأُريكَ. لا، بالأحرى فإني سأُريكَ وسأُسْمِعك!
دخلتْ في غرفة، وغابت، ثم ظهرت بعد أن شغَّلت جهازاً يبثُّ موسيقى من داخل تلك الغرفة.
- أنْصِت واسْتمع، فقد تكون بعضُ هذه الموسيقى كلماتٍ مفهومة لك، تعنيكَ، مشبوكة بحياتك، أو ربما تُلهِمكَ بشيءٍ يهُمكَ.
شـُدِهتُ، ففاتتني أولُ الموسيقى، وبَانَ الوجلُ على وجهي، فقالت:
- سأدخل لتشغيلها وسأعيدها مراتٍ، وسأبقى هناك، فامكث وحدك واستمع، ثم لا تنتظرني، بل اخرج بعد ذلك، اخرج وامضِ، ولا ترجع، ولا تفكِّر بالرجوع، واعتزلْ حدائقَنا.
قبل أن تعاود رابية الدخولَ إلى غرفة الموسيقى، وتغيب الغيابَ المتفَق عليه، مضت إلى المطبخ، وأحضرت لي اللفافةَ التي بها عبوة الشعرية وعلبة التونة، ووضعتها بجانبي، واستدارت لتدخل. كان جسدها قد لاحَ دانياً للغاية وللحظته طابَ لي، طاب من أمامها، وقد أتت، وطاب من ورائها، وهي ماضية إلى دخولها ذاك أو إلى غيابها. لعلها فكَّرت بي لوهلةٍ لأن رائحة جسدها هبَّت في هوائي، وطوَّحتني.
بقيتُ أنصتُ إلى الموسيقى وحدي، بينما طيف رابية الأخير لا يني يغشاني، فلم أميِّز شيئاً، وشعرتُ بألحانها مختلفة عمَّا سمعته منها قبل قليل. دامت الموسيقى لفترة طويلة، لساعةٍ ربما، وبدت لي أنها مقطوعةٌ صغيرة تتكرر بطرائق متعددة. ما عثرتُ فيها على كلماتٍ إشارية مثلما خمَّنتُ وتصورتُ، فقط سرح خيالي في امرأةٍ، هيفاء، أبنوسية، بشعرٍ مجعَّد ووجنتيْن مُغدقتيْن على هيأةِ الوجنات التي أعشقها، وعينيْن باسمتيْن، وجبين حُلو، حُلو، حُلو. أخذني ذلك الجبين من شرودي المتلاحق في طيف رابية، أخذني جبينُها، أخذني وأنا لم أذق من قبل جمالَ جبينٍ ولم أعرف أنه قد يكون هو آيةَ الجمال وهو صوابه، وخطر لي أن اسمها ينتهي بالمقطع «مَا» mua. انقطعت الخيالاتُ واختفى الجبينُ وتلاشت الهيفاءُ الأبنوسية، وشعرت أنني مثل الذي يسمع شيئاً آخر مُدغماً بتلك الموسيقى، وزاغ فهمي لأن الذي كنتُ أحسُّ أني أسمعه لم يكن كلماتٍ منفردة متجاورة، كالمعتاد، إنما صرتُ أسمعُ المعنى ككتلةٍ واحدة، وأظن أن ما بلغني كان مثل قَـذْفةٍ من التعاليم: عليك أن ترعى يديكَ وتفتح لهما الطريق؛ أَحْضر حجراً واصْقله، حجراً صلداً واصْقله، صخراً قاسياً واصْقله، اصْقله حتى ينْعم ويلمع، واصْقله وابقَ طيباً مع الحجر حتى يترفَّق ويتهاود، حتى يُخرِج لك لونَه الحقيقي المستتر، عندئذٍ ستخرج إليكَ دفقةٌ من المعرفة المخبوءة في يديك؛ المعرفة الحية التي تهِبُ الغبطةَ.

■ ■ ■

عُدتُّ إلى منزلي مُغمض العينين تقريباً، فأظلمتُ غرفتي ونمتُ. صحوتُ جائعاً بعد منتصف الليل، حلَّ بقلبي شعورٌ بأني انسللتُ؛ فلم أعد أعرف أحداً، وبأني انخلعتُ انخلاعاً رئيفاً ومُستساغاً عن البشر وحتى عن غير البشر. أشعلتُ غليوني وحاولت التصبُّر والتلهِّي عن الجوع لأني كنتُ أرغب في التعالي على جوعي والتفلُّتِ من تقديم لُقمةٍ إلى فمي، لكن قرصاتِ الجوع تعانفت، فتحاملتُ وأعددتُ وجبتي من الشعرية بالتونة، وراقني طعمها السهل الزِّفر، ورأيتُ أني هكذا قد أُطعِمتُ نتفةً من لحمٍ قَدِمَ إليَّ من بحرٍ فنلنديٍّ، حيث أَحِبتي المجهولين، وشعرتُ كذلك بأن لُقمتي قد مُزِجت بمذاق الشراب العسلي الملون الذي شربتُه، منذ زمنٍ، من يد رابية، في رواق بيتها ذي النسائم، وكان قد طابَ شرابُها لي مثلما طاب لي كل ذلك النهار. تحمَّس قلبي فأعددت كوبَ شاي وجلستُ أحتسيه، ويا للموسيقى التي أتتني آنذاك. عادت الموسيقى التي سمعتُها تتكرر وتتغالب على نفسها، كانت نقيَّة، وكانت كأنها تتردد من ذهني وليس لي تحكُّمٌ بها، أو إنها فحسب تصدر من حيث لا أدري، لكن أذناي تسمعانها في تلك الهدأة من هزيع الليل، مرت أمام عيني، في خيالي، أفواجٌ من الفنلديين والفنلنديات، قبيلة حاشدة منهم، أكادُ ألمسهم جميعاً، وكنتُ أعرفُ أنهم أجيالٌ عديدة من صُلبي، من أحفاد أحفادي.

■ ■ ■

وددتُ أن أرى نافخَ الفقاقيع الجائل، ولكن بعد أن امتنعتُ عن الذهاب إلى الحدائق بدا لي أن لقاءَه لن يحدث إلا بالصدفة. ولقد عثرتُ على الرجل في ظهيرةٍ حارَّة عند إشارة مرور بوسط المدينة، تُحلِّقُ حول رأسه طائفةٌ صغيرة من الفقاقيع. اشتريتُ منه، وتحايلتُ مسالك الكلام حتى أفادني بأنه لم يعد بإمكانه الإقلاع عن النفْث في الحلقة البلاستيكية لأنه أدمن رؤية الكريات البنفسجية اللامعة تتكاثر حوله وتشغل عينيه. وقال إنه قد أتى من قريةٍ بالأرياف حيث عمل فلاحاً طيلة حياته، إلى أنْ طال به العملُ ذات مساء في حقلٍ، وبعد أن أظلمت السماءُ وارتدى ثوبَه للرجوع إلى منازل القرية رأى قرداً حقيقياً، فجرى مذعوراً، وساءلوه، وحكى، ولم يصدقه أحدٌ، وسخروا منه، فتركهم وحَطَّ بالمدينة ليتلقَّط رزقَه من بيْع اللعب الرخيصة.
غادرني الرجلُ قبل أن أغادره، وقال وهو يتلفَّت لعبور الشارع من بين السيَّارات:
- أحببتُ المجيءَ إليكم في الدروس لأني كنتُ أرى القردَ هناك!
* كاتب مصري
(25 مارس 2014 – 29 أبريل 2017 - القاهرة، عابدين)

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]